الرئيس
ترامب شخصية معقدة وخطيرة يصعب تصديقها وعقد اتفاقات جدية معه، فمعظم
الذين حاولوا التوصل إلى تفاهمات مشتركة معه أصيبوا بخيبة، ووجدوا أنفسهم يبنون
قصورا على الرمال. نادرا ما التزم بشيء محدد مع طرف ما، وهو ما دفع برؤساء
ومسؤولين من داخل أمريكا وخارجها إلى ملازمة الحذر، ومنهم من اضطروا إلى تغيير
الاتجاه والتعاقد مع أطراف كانوا يضعونها قبل فترة وجيزة في خانة الأعداء. إذ كيف
نفسر أن تقرر كل من بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا تعزيز علاقاتها مع الصين في
وقت وجيز، وفي هذه الظروف غير المسبوقة في تاريخ العلاقات بين الغرب والشرق؟
هذا الرجل أجهز على أسس
النظام الدولي الذي تم تأسيسه بعد الحرب العالمية
الثانية، ففتح بذلك كل أبواب الفوضى السياسية والاقتصادية والثقافية، وترك الجميع
في حالة صدمة، وفي مقدمتهم أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية الذين تعرضوا
للاستخفاف والإذلال. ومع كل يوم يُصدر رسوما ويتخذ قرارات ويدلي بتصريحات تزيد من
إرباك الدول والأسواق، ويقلب المعادلات بشكل مثير كأنه شخص مكلف بنسف ثوابت
المرحلة الماضية، وإدخال العالم في حالة دائمة من عدم استقرار،
أجهز على أسس النظام الدولي الذي تم تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، ففتح بذلك كل أبواب الفوضى السياسية والاقتصادية والثقافية، وترك الجميع في حالة صدمة، وفي مقدمتهم أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية
اعتقادا منه بكونه
شخصية استثنائية اختارها رب العالمين ولا يجوز مخالفتها بأي شكل من الأشكال، حتى إن
بعض المحيطين به يعتقدون بأن من يعترض على كلامه الرئيس ويخالف قراراته هم يعترضون
في الواقع على إرادة الله وعصيانه! ويعتبر ذلك قمة التقديس والسذاجة، وحالة من
الردة العقائدية والأخلاقية، التي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم بصفة فردية وجماعية،
كما أشار إلى ذلك رئيس حكومة كندا في خطابه التاريخي في مؤتمر دافوس، والذي أعلن
فيه أن "العالم قد تغير" وأن أمريكا لم تعد صديقة.
الواضح أننا نتعامل مع شخص يمتهن الكذب، ولا يفي بتعهداته، ويعيش داخل فضاء
مغلق جعله لا يسمع ولا يرى. كما حول العالم إلى رقعة شطرنج دون الالتزام بقواعد
هذه اللعبة المخصصة لتنمية العقل الاستراتيجي لدى لاعبيها، وفي مقدمتهم الزعماء
والمحاربون. لهذا أصبح من الواجب تغيير قواعد اللعبة أو توحيد الجهود من أجل إبعاد
هذا اللاعب أو الحد من نفوذه، وتركه ينافس نفسه بنفسه. وهذا يعني العمل على مراجعة
العلاقات الدولية في اتجاه إعادة صياغتها وفق مصالح أغلبية دول العالم، وذلك من
خلال تعميق العزلة الأمريكية، والحد من نفوذها السياسي والعسكري. وفي ذلك مصلحة
كبرى للشعب الأمريكي الذي وجد نفسه ينزلق تدريجيا وبوتيرة متسارعة نحو سيناريو حرب
أهلية مدمرة، وذلك بعد أن فشلت كل الاختيارات التي جاء بها ترامب، والتي بدل أن
تجعل من "أمريكا أولا"، ها هي تحفر قبر هذه الإمبراطورية وتضع الغرب
أمام مصير مجهول.
يتعلق السؤال الكبير الذي يهم أبناء منطقة الشرق الأوسط وجميع الأحرار في
العالم، بكيفية تخليص
غزة من أنياب هذا الذئب الذي عاد من جديد للتأكيد على حلمه
الساذج المتعلق بتحويلها إلى منتجع. وهو أمر رغم سذاجته، إلا أنه تحول للأسف
الشديد إلى "مشروع" قابل للتحقق الفعلي. فالأرض موجودة، والمقاولون
جاهزون، والخطط والخرائط والتصاميم متوفرة، ومصادر التمويل باتت تحت تصرف "الإمبراطور
الجائع النهم". وقريبا ستنطق الأشغال للتخلص من الأنقاض وبقايا غزة القديمة
ذات التراث المجيد، وتهيئتها حتى تنطلق الأشغال ويقع الشروع في البناء والتشييد!!
هل يُعقل أن يقبل حكام المنطقة بتحويل هذا الهيكل الذي قاطعته معظم الدول الغربية، وهاجمه بقوة الرئيس البرازيلي وكشف خلفياته الخطيرة، إلى غطاء لأكبر تحيل سياسي في التاريخ، وذلك بقبر القضية الفلسطينية بعد التضحيات الجسيمة التي قدمتها أجيال متعاقبة لمواجهة هذه المظلمة التاريخية؟
ما وعد به ترامب لم يتحقق منه سوى إيقاف الإبادة الجماعية، مع استمرار
العمليات العسكرية التي تستهدف أساسا المدنيين. وما كشف عنه أستاذ الاقتصاد
الأمريكي المعروف جوزيف بيلزمان لصحيفة "إندبندنت عربية"؛ أكد الوجه الآخر
للحكاية التي بموجبها سيتم وضع غزة تحت تصرف مستثمرين لمدة لا تقل عن خمسين سنة،
وتحويل غزة إلى مدينة ذكية. وبشكل مواز، أعلن نتنياهو بأن مهمة حكومته خلال
المرحلة القادمة تتلخص في تجريد حركة حماس من سلاحها، وتحويلها إلى منطقة منزوعة
السلاح.
هنا يسأل السائل النزيه: أمام هذه المعطيات التي لا يمكن التشكيك فيها،
ماذا سيفعل الشركاء العرب والمسلمون داخل ما سمي بـ"مجلس السلام العالمي"
الذي يترأسه ترامب ويتحكم فيه بشكل مطلق. هل يُعقل أن يقبل حكام المنطقة بتحويل
هذا الهيكل الذي قاطعته معظم الدول الغربية، وهاجمه بقوة الرئيس البرازيلي وكشف
خلفياته الخطيرة، إلى غطاء لأكبر تحيل سياسي في التاريخ، وذلك بقبر القضية
الفلسطينية بعد التضحيات الجسيمة التي قدمتها أجيال متعاقبة لمواجهة هذه المظلمة
التاريخية؟
أنا على يقين بأن عددا من قادة دول المنطقة سيبذلون ما في وسعهم من أجل
الدفاع عن الحد الأدنى من حقوق الغزاويين، وقد يضطر بعضهم إلى الانسحاب من هذا
المجلس إذا أصر ترامب والأغلبية المهيمنة من أنصاره على تطويعه وتحويله إلى هيكل
استعماري مكشوف. لكن العبرة بالأفعال، والتاريخ لن يرحم.. أعان الله سكان غزة في
معركتهم الراهنة ضد "المسيح الدجال".