وصايا الغنوشي من سجنه إلى شباب حركة النهضة

صلاح الدين الجورشي
"الرجل أبدى قدرا مهما من التسامح تجاه خصومه"- جيتي
"الرجل أبدى قدرا مهما من التسامح تجاه خصومه"- جيتي
شارك الخبر
وجه الشيخ راشد الغنوشي من داخل سجنه رسالة إلى شباب حركة النهضة التي يترأسها. والذي يطلع على نص الرسالة يستشعر من بين الأسطر وكأنه يحرر وصية يريد الرجل تبليغها إلى المعنيين بالأمر، ورغم أن أسلوب الكتابة طغت عليه الجوانب التربوية والحماسية التي تبث روح التحدي والتضامن في صفوف القواعد، لكن الواضح أن مؤسس الحركة ورئيسها أراد أيضا أن يبلغ بعض الرسائل الهامة التي من شأنها حماية الجماعة من التلاشي والتفكك.

يقف الرجل على عتبة العام الرابع والثمانين، وهو يدرك بأن مسؤولياته التاريخية تفرض عليه التفكير جيدا في مستقبل الحزب الذي شرع في بنائه منذ مطلع السبعينات. والناظر إلى المشهد السياسي والحزبي في تونس يدرك بأن الغنوشي لم يزرع نبتة طفيلية سرعان ما تذبل وتموت، وإنما أقام جسما منظما استمر عشرات السنين، رغم أن السلطة بمختلف وجوهها تعاملت بريبة شديد مع هذا الكيان السياسي، وقامت بمحاصرته بأشكال متعددة. لكن مع ذلك استمرت الحركة؛ رغم السجون والمنافي، ورغم الاستقالات والانقسامات المتتالية التي حصلت في صفوفها. وهو ما يدفع المراقب الموضوعي إلى القول بأنه في حال تجميد الحركة أو سحب الترخيص منها كما يجري الحديث في كواليس البرلمان، فإن الجسم الحركي سيبقى جزءا من المشهد السياسي التونسي الراهن. فالحركات لا تولد بقرار ولا تختفي بقانون؛ إن بقاءها أو اندثارها محكوم بسياقات اجتماعية وسياسية موضوعية تتجاوز منطق القوة والقهر. ويشهد تاريخ الحركة الوطنية بذلك، وكذلك الأمر بالنسبة لحركات اليسار والقوميين في تونس وفي غيرها من البلدان؛ صحيح أنه قد يضعفها التنكيل الأمني بقادتها وأنصارها، لكن مع ذلك يمكنها أن تصمد وتقاوم إلى أن يأتي أجلها السياسي فتموت وتختفي بشكل طبيعي.

الناظر إلى المشهد السياسي والحزبي في تونس يدرك بأن الغنوشي لم يزرع نبتة طفيلية سرعان ما تذبل وتموت، وإنما أقام جسما منظما استمر عشرات السنين

تضمنت رسالة الغنوشي خمس رسائل؛ أولها أن "السجن في ميزان المؤمن ابتلاء، والابتلاء باب من أبواب التربية الربانية". فهو يعتقد بأن السجن امتحان من الله وليس فقط مجرد عقوبة من السلطة، وهذا الخطاب متعارف عليه بين الإسلاميين بمختلف اتجاهاتهم للتخفيف من آلام الفترات الصعبة التي يمرون بها.

أما الرسالة الثانية فقوله إن "أوطاننا لا تبنى بالقهر، ولا تستقر بالظلم، وإنما تقوم على الشورى، والعدل، واحترام إرادة الناس". وفي ذلك توصيف للمرحلة التي تمر بها تونس، من وجهة نظر صاحب الرسالة.

وثالثا، "لا يحملنّكم الألم على الغلو، ولا يدفعنّكم الظلم إلى اليأس. فالتغيير الحقيقي هو ما كان أخلاقيا، جامعا، يفتح أبواب الوطن لكل أبنائه دون إقصاء أو تشفٍّ". فلهذا يوصي الغنوشي شباب الحركة بتجنب الغلو ونزعتي الإقصاء والتشفي عندما ينقلب ميزان القوى، فهو يعلم ما الذي يمكن أن يحصل عندما تسود الرغبة في الانتقام. وفي هذا السياق يجب الاعتراف بأن الرجل أبدى قدرا مهما من التسامح تجاه خصومه بعد اندلاع الثورة، تجلى ذلك مثلا استقباله بعد رجوعه من لندن لعدد من خصومه الأشداء، من بينهم عبد الله القلال، وزير الداخلية السابق للرئيس بن علي. بل حاول الغنوشي التهدئة بعد صراع طويل ومرير دار بين الإسلاميين وأبناء النظام السابق، وذلك عندما مثّل تونس بالطائر الذي له جناحان، الإسلاميون من جهة والدستوريون من جهة ثانية.

وتوصيته الأخيرة كانت "تونس مستقبلها الحرية، ودولة القانون، والمؤسسات، والتداول السلمي على السلطة، واحترام التعدد والاختلاف". وهي جملة القيم العليا التي يرتكز عليها النظام الديمقراطي، وفي ذلك خلاصة ما انتهى إليه مسار الغنوشي الذي انتقل على مستوى الخطاب من الفكر السلفي إلى تمثل الخطاب الديمقراطي. لهذا أنهى رسالته بالقول: "إن بقيتُ بينكم أو غبتُ عنكم، فالمعاني أكبر من الأفراد، والمشروع أوسع من الأشخاص، والحرية أمانة الأجيال".

وضع الغنوشي في السجن وهو في هذه السن أمر مثير للاستغراب والحيرة، ونتيجة ذلك ستكون عكسية تماما

قد يتساءل البعض: لماذا لم يتعرض الغنوشي في رسالته إلى بعض المراجعات التي قد يكون قام بها خلال خلوته بنفسه في تلك الزنزانة الموحشة؟

حتى نكون منصفين مع الرجل، فإن وضعه داخل السجن، وأيضا بحكم طبيعة الرسالة الموجهة من قائد إلى أنصاره، فإن ليست لحظة اعتراف بالأخطاء ولا هي لحظة محاسبة، خاصة وأن هناك في الساحة من يتصيد عيوب الخصوم، ويتمنى وضعهم في السجون، ولا يخجل حتى من الدعوة جهرا إلى إعدامهم شنقا.

إن وضع الغنوشي في السجن وهو في هذه السن أمر مثير للاستغراب والحيرة، ونتيجة ذلك ستكون عكسية تماما، فما حصل ولّد حالة من التعاطف مع الرجل داخليا وخارجيا، حتى أن جزءا واسعا من الطبقة السياسية ونشطاء المجتمع المدني والوسط الحقوقي اعتبروا أن المكان الطبيعي للغنوشي ليس السجن، وذلك رغم خلافاتهم الشديدة معه. فهل من مستجيب؟
التعليقات (0)