إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والنقابة في تونس.. من الوساطة المالية إلى الاختيار الحر

نور الدين العلوي
"إلى أي مدى كانت النقابة بصفتها مؤسسة مجتمع مدني مستقلة بالكامل"- جيتي
"إلى أي مدى كانت النقابة بصفتها مؤسسة مجتمع مدني مستقلة بالكامل"- جيتي
شارك الخبر
يتفشى حديث ثقيل في تونس عن قرار الحكومة التونسية إيقاف العمل بالاقتطاع الآلي من الأجور لفائدة النقابات، وفي مقدمتها النقابة الأثقل وزنا (الاتحاد العام التونسي للشغل). لم نقرأ نصا قانونا منشورا بعد، ولكن عاينّا سريان موجة غضب نقابي وإطلاق حملة تبرعات لفائدة النقابة لإثبات قيمة النقابة عند جمهورها والرد بحماس غاضب على قرار الحكومة الذي نظنه أمرا واقعا.

انقسمت المواقف النقابية والسياسية من الأجراء المرتقب بين من اعتبر الإجراء استهدافا سياسيا مباشرا للنقابة وإضعافا لمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، وبين من رأى فيه تصحيحا لعلاقة ملتبسة بين الدولة والعمل النقابي (دون ذكر الشامتين في النقابة من ضحاياها السياسيين وهم كثر)، غير أن القراءة المتأنية لهذا القرار تقتضي تجاوزه بوصفه حدثا ظرفيا، والنظر إليه باعتباره لحظة كاشفة لتحول أعمق في هندسة العلاقة بين الدولة والنقابة والمجتمع.

النقابة بين الامتياز والاستقلال
هذا الانسحاب لا يخلو من أبعاد سياسية خاصة في سياق توترات معيشة بين السلطة التنفيذية والقيادة النقابية، إلا أن النتيجة البنيوية للقرار، بصرف النظر عن خلفياته، تطرح مسألة عميقة وهي إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين

جرى العمل بنظام الاقتطاع الآلي لفائدة النقابة منذ سنوات طويلة وقد صيغ دوما كإجراء إداري بريء غايته تيسير استخلاص الاشتراكات. وقد ضمن انتظام الموارد المالية للنقابة بما سمح لها بانفاق مريح، غير أن هذا الترتيب على بساطته الظاهرة أسّس لنمط مخصوص من العلاقة بين الدولة والتنظيم النقابي. فتكفل أجهزة الدولة باقتطاع الاشتراكات وتحويلها آليا، جعل الحكومات (الدولة) تؤدي دورا تقنيا محضا في الظاهر، لكن الحقيقة أنها اضطلعت بوظيفة وسيطة تمنح النقابة وضعا شبه مؤسساتي داخل البنية الإدارية.

انتظام تمويل النقابة عبر جهاز عمومي منحها نوعا من الاستقرار البنيوي لا يتوافر عادة للمنظمات المدنية التي تعتمد حصريا على إرادة أعضائها؛ يعني ذلك أن النقابة كانت فاقدة للاستقلال أو خاضعة مباشرة لإرادة الدولة، وهنا يطرح السؤال: إلى أي مدى كانت النقابة بصفتها مؤسسة مجتمع مدني مستقلة بالكامل إذا كان تدفق مواردها يمرّ عبر آلية رسمية تابعة للدولة؟

إن الانتقال من نظام اقتطاع آلي إلى نظام يعتمد على الدفع المباشر من قبل المنخرطين يعيد من الناحية النظرية النقابة إلى وضعها الأصلي؛ تنظيم مدني يستمد شرعيته وموارده من القبول الحرّ لأعضائه لا من آلية مضمونة مؤسساتيا. هنا تنتفح أسئلة كثيرة عن مستقبل النقابة وقدرتها على الصمود.

الدولة: تراجع أم إعادة تموضع؟

يرى بعض النقابيين أن القرار يمثل تخلّيا من الدولة عن دعم مؤسسة مدنية فاعلة، غير أن الأمر يُقرأ من زاوية مختلفة، فالدولة عبر هذا الإجراء تنسحب من موقع الوسيط المالي بين النقابة ومنخرطيها وتعيد رسم حدود تدخلها في المجال النقابي، فكأنها تفطم النقابة عن مرضعة جاهزة.

هذا الانسحاب لا يخلو من أبعاد سياسية خاصة في سياق توترات معيشة بين السلطة التنفيذية والقيادة النقابية، إلا أن النتيجة البنيوية للقرار، بصرف النظر عن خلفياته، تطرح مسألة عميقة وهي إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين. فالدولة لم تعد شريكا ضمنيا في دورة التمويل، والنقابة لم تعد مستفيدة من قناة مؤسساتية ثابتة لا تمرّ باختيار متجدد من أعضائها. بعبارة أخرى، تتحول شرعية النقابة من شرعية مدعومة بالبنية الإدارية إلى شرعية قائمة على الإرادة الفردية المتكررة. وهو تحول يضعها أمام اختبار تمثيلي حقيقي أي مدى استعداد المنخرطين لتحمّل عبء الاشتراك طوعا، بوصفه تعبيرا عن اقتناع لا مجرد نتيجة اقتطاع تلقائي.

المواطن بين سلطة الدولة وسلطة الوسيط

يحفل تاريخ العمل النقابي في تونس بمحطات كان فيها التنظيم النقابي فاعلا سياسيا مؤثرا، يتجاوز المطالب المهنية المباشرة إلى مواقف سياسية عامة يصفها بالوطنية. وقد اعتُبر هذا الدور، في مراحل عديدة جزءا من الوظيفة الاجتماعية للنقابة في الدفاع عن توازنات المجال العام، ويسند غالبا بمساهمة النقابة في معركة التحرر الوطني زمن التأسيس. غير أن هذا التداخل بين النقابي والسياسي أثار في المقابل تساؤلات داخل القواعد المهنية حول حدود التمثيل.

فحين تتماهى المواقف النقابية مع اصطفافات سياسية أوسع يشعر بعض المنخرطين بأن مساهماتهم المالية تُدرج ضمن معادلات لا ترتبط دائما بمطالبهم المهنية المباشرة، بل بسياقات سياسية أشمل. ولقد كانت لسيطرة تيارات سياسية على العمل النقابي وتوجيهه حزبيا محل جدال عميق في المجتمع التونسي وخاصة بعد ثورة 2011.

في هذا الإطار، يكتسب القرار بعدا يتجاوز العلاقة الثنائية بين الدولة والنقابة، ليطال علاقة الفرد بهما معا. فإلغاء الاقتطاع الآلي يعيد إلى الموظف أو العامل سلطة الاختيار المباشر، فإما أن يستمر في دعم النقابة عن اقتناع أو أن يعيد تقييم انخراطه. وهنا تتعزز فكرة أن الانتماء النقابي ليس وضعا افتراضيا مستمرا بحكم العادة بل فعلا إراديا متجددا.

هذا السياق المستجد يجعل الإجراء توسعة لمجال الحرية الفردية حتى وإن صدر في سياق توتر سياسي، فالحرية المدنية لا تقاس فقط بحرية التنظيم، بل كذلك بحرية الامتناع عن التنظيم دون كلفة إدارية أو مالية تلقائية. ومع وجود تعدد نقابي مقنن فإن النقابة المستحوذة على التاريخ ستضطر إلى إعادة بناء خطابها وممارساتها.

إجراء عقابي ينتج الحرية أية مفارقة.

لا يمكن إنكار أن القرار جاء في مناخ مشحون، ما يجعل البعض يقرأه كخطوة ذات طابع عقابي تجاه النقابة. غير أن التاريخ السياسي يُظهر أن بعض الإجراءات التي تنطلق من منطق الصراع قد تُنتج آثارا بنيوية تتجاوز نواياها الأصلية.

فإذا كان الهدف إضعاف طرف في معادلة سياسية، فإن النتيجة قد تكون تعزيز الطابع المدني للعلاقة بين الفاعلين، إذ تتحول النقابة إلى كيان يعتمد كليا على حيوية قاعدته، وتتحرر الدولة من موقع الرعاية غير المباشرة، ويستعيد الفرد موقعه كمصدر شرعية أول.

هذه المفارقة لا تلغي التوتر القائم، لكنها تفتح أفقا لإعادة تأسيس العمل النقابي على قاعدة أكثر شفافية؛ منخرطون يدفعون اشتراكاتهم عن وعي، وتنظيم يُقاس حجمه الحقيقي بقدرته على الإقناع لا بحجم الاقتطاع الآلي، ومجتمع يتحرر سياسيا من مناورات الفاعلين بالنقابة بما يحرر الساحة السياسة نفسها، فيعود التنافس السياسي بين الأحزاب بصفتها الوسيلة المنطقية الوحيدة للتنافس.

نحو مرحلة جديدة من العلاقة بين الدولة والمجتمع
النقابة التي تستمد مواردها من إرادة أعضائها المباشرة، تكون أكثر التصاقا بقواعدها، وأشد حرصا على تمثيلها الفعلي

يمثل القرار من هذه الزاوية لحظة إعادة رسم للحدود بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني. فالدولة التي تتولى تمويلا غير مباشر لمنظمة ما، حتى وإن كان ذلك عبر آلية تقنية، تظل جزءا من بنيتها المالية، أما الدولة التي ترفع يدها عن هذا الدور، فإنها تدفع المنظمة إلى إعادة تأسيس نفسها على منطق الاعتماد الذاتي.

هذا التحول لا يخلو من مخاطر، خاصة إذا لم تُصاحبه ضمانات قانونية واضحة تحمي الحق في التنظيم والعمل النقابي، لكنه يحمل في الوقت نفسه إمكانية تجديد العلاقة بين المجتمع والدولة على قاعدة أقل التباسا.

إن المجتمع الذي يختار وسائطه طوعا ويجدد ثقته بها عبر مساهمة واعية، أقوى من مجتمع تُدار فيه الوسائط عبر آليات تلقائية. كما أن النقابة التي تستمد مواردها من إرادة أعضائها المباشرة، تكون أكثر التصاقا بقواعدها، وأشد حرصا على تمثيلها الفعلي.

في نهاية المطاف، قد لا يُختزل هذا القرار في كونه إجراء إداريا أو خطوة سياسية ظرفية، بل يمكن أن يُقرأ كبداية تحوّل في مفهوم الوساطة ذاتها من وساطة مدعومة ببنية الدولة إلى وساطة تستمد قوتها من الاختيار الحر. وبين هذين النموذجين تتحدد ملامح مرحلة جديدة من العلاقة بين الدولة والنقابة والمواطن في تونس.
التعليقات (0)