حولت
حرب الطوفان
الإمبراطورية إلى فضيحة أخلاقية كونية، لقد شاهد العالم القتل بغاية
القتل وعلى المباشر برعاية الإمبراطورية، لكن تلك الحرب في تلك الرقعة الصغيرة من
الأرض خلخلت بنيان الإمبراطورية العظمى. كان البنيان هشا قبل الحرب وكان يتداعى
بسبب حروب غير أخلاقية سابقة، لكن حرب الطوفان كشفت عورة القوة عندما تفقد كل
شرعية أخلاقية.
علمنا
ابن خلدون أن انهيار الإمبراطوريات ممكن بل حتمي، ونظن أن قد آذنت بنهاية. فمع
صعود
ترامب يتسارع نسق أفول القوة، لقد فقدت شرعيتها الأخلاقية التي بُنيت على "حق
الشعوب في تقرير المصير" بإسناد أمريكي، فتحولت من استعمال القوة كأداة
استراتيجية إلى قوة تصرَّف في رد فعل عصبي، ووسيلة دفاع عن الذات أكثر من كونها أداة قيادة.
مسار فقدان الشرعية الأمريكية
مع صعود ترامب يتسارع نسق أفول القوة، لقد فقدت شرعيتها الأخلاقية التي بُنيت على "حق الشعوب في تقرير المصير" بإسناد أمريكي، فتحولت من استعمال القوة كأداة استراتيجية إلى قوة تصرَّف في رد فعل عصبي، ووسيلة دفاع عن الذات أكثر من كونها أداة قيادة
اتخذت
إدارة ترامب سياسة "أمريكا أولا" كتجسيد لاستبدال
الشرعية الأخلاقية والرمزية بالانطواء على الذات، وهو ما
يعني التخلي عن الدور السياسي والاقتصادي الخارجي الذي كان سبب الشرعية. إن إغلاق
مؤسسات الدعم الإنساني، والتهرب من فض النزاعات رغم الادعاء بانهاء الحروب، يؤدي
إلى فقدان أدوات الإقناع فيتحول العالم في العقل الإمبراطوري إلى منطقة أمنية تدار
بعقل رئيس مخفر شرطة، تتحول الدولة من إدارة الحياة إلى إدارة الخطر. إن الإفراط في
استعمال القوة الآن وهنا ليس سبب الانهيار، بل مؤشر على استنفاد الشرعية؛
وكل استخدام إضافي للقوة يؤكد للعالم ضعف الإمبراطورية ويعطي الآخرين فرصة للإفلات
من النير.
ظهر
ترامب في تاريخ الإمبراطورية كعَرَض سياسي يعكس تعب مرحلة
إمبراطورية عمرت طويلا، ويكشف سياق الانهيار المتسارع. إن تصرفاته،
سواء منها المهرجانات الكلامية أو التلاعب بالعقوبات أو الاستهانة البروتوكولية
بضيوف الدولة، تُظهر أن القوة الفجة تتحول إلى منطق يومي للحكم (مخفر الشرطة)، بدل
أن تكون أداة لإقناع الآخرين أو بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة، إنه يحول الدبلوماسية إلى تهديد، ويحول التحالف إلى ضغوط قهرية، ويحول الرمزية
إلى لغة حانات رعاة البقر، وهذا يعكس أزمة شرعية بنيوية، وليست
مجرد أزمة شخصية أو سياسية عابرة.
التحولات الكبرى في المشهد الدولي
في
هذا السياق التاريخي، وآخذا بعين الاعتبار لأثر حرب الطوفان، تبرز الصين وروسيا
وفنزويلا وإيران وأفغانستان (ودول البريكس إلى حد ما) كفاعلين يقظين يلاحظون
بانتباه تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض الطاعة الشاملة دون تكلفة عالية، حيث
يصير التراجع عن تهديدٍ واحد علامة على هروب من معركة.
نلاحظ
الصين تختار بذكاء طريق
الإفلات الهادئ، لا المواجهة المباشرة، متمسكة بمبدأ "إذا خرجت إلى الحرب
فأنت خاسر"، أي الفوز ممكن دون صدام مباشر. تشمل استراتيجيتها الطويلة النفس
أنظمة دفع بديلة، سلاسل توريد موازية، ومؤسسات مالية غير غربية وتوطين التكنولوجيا
الرقمية العالية، ما يتيح لها بناء عالم يمكن العيش فيه دون المرور بواشنطن، حيث
يصير إسقاط الدولار وأشباه الموصلات فاتحة لأمر جلل.
أما روسيا بوتين وكما يظهر في
إدارتها لحرب أوكرانيا فتركز على كسر الهيبة الأمريكية، لا على قيادة بديل عالمي (لقد
ظهر ترامب متوسلا لبوتين في لقاء ألاسكا). إن قدرات روسيا الاقتصادية محدودة،
لكنها تمتلك أدوات كسر الخطوط الحمراء وتملك بالخصوص الرغبة في فعل ذلك، وهذا يجعلها المخرب
البنيوي الذي يوسع هوامش الحركة لنفسه وللقوى الأخرى الراغبة في
الانعتاق، فمن شاء فليتحرر.
ودون
إفراط في الخيال نرى أن هذه التحركات لا تعلن نهاية الإمبراطورية، لكنها تشير إلى انتقال النظام
العالمي من إمبراطورية أحادية إلى شبكة مقاومة متعددة المراكز. إن
العالم الذي قادته قوة واحدة يتشظى، فتعدد مراكز الفعل أخطر على الإمبراطورية من
الانهيار الفجائي وأطول أمدا وأقل كلفة على الراغبين في التحرر، وضع يشبه رد السيل
المقاوم بغربال.
الشعوب العربية والوعي بالمرحلة
نلتفت
إلى الشعوب العربية فنجد مفارقة موجعة، في هذه اللحظة الحاسمة ورغم هدية غزة للعرب
فإن المنطقة وشعوبها التي عانت أثقل أوزار الإمبراطورية منذ قرن، لا تعيش هذا
التحول التاريخي كفرصة تحرّر عالمي، ليس
لأنها "غبية" أو "متأخرة"، بل لأنها مُنهَكة تاريخيا،
ومفرغة من أدوات الالتقاط السياسي والتاريخي.
سبب
هذا الإنهاك التاريخي فيما نقدّر أن الدولة العربية الحديثة لم تبْنِ
مواطنا فاعلا، بل رعية أمنية، أو مستهلكا للخطاب، أو فردا معزولا عن الفعل
الجماعي. لقد قتل الاستبداد العربي الإحساس بالزمن، وحوّل الحياة إلى حاضر طويل
بلا أفق، يبحث فيه الناس عن النجاة الفردية وليس المشاركة في صنع التاريخ.
الإمبراطورية في لحظة الانكفاء لا تعتني بحلفائها الذين صنعتهم أو اصطنعتهم، وهذه جملة مفتاحية للوعي (الآن وهنا). إن الدولة العربية القهرية مكشوفة الظهر وفاقدة للسند الإمبراطوري، وما نسمعه منها ونراه هو آخر عمليات التهويش والتخويف
رغم
هذا الإنهاك حدث الربيع العربي، لكن منظومات الحكم -مستندة إلى قوة الإمبراطورية-
أجهضت الربيع، فاكتفت الشعوب بالرمزية الأخلاقية للانتفاض وانكفأت دون تحويل
ربيعها إلى وعي إمبراطوري، يعيد صياغة موقع العرب في النظام العالمي. وجاء الطوفان
خارج تخطيط الشعوب العربية، وقدم فرصة أكبر من الربيع لمشروع تحرر عربي، لكن تبين
أن التحرر
من الإمبراطورية يحتاج دولة قادرة على ترجمة الفعل الجماعي إلى مشروع سيادي حقيقي،
بدعم نخب مستقلة اقتصاديا واستراتيجيا، وهذا الذي غاب عن
المرحلة.
إمكانية وعي عربي يستدرك اللحظة؟
لا
نشك في صحة القانون الخلدوني عن أفول الإمبراطوريات، لذلك نتوقع صحوة ونعجز عن
تخيل زمنها ومكانها. نحن (العرب) نشاهد أنه يمكن العيش دون الإمبراطورية، فالعالم
من حولنا يتعلم ويعمل على العيش دونها بل يستهين بها. ويمكن
بشيء من الجرأة أن نستأنس بما يفعله الآخرون من حولنا، الذين بدأوا العيش خارج
الهيمنة، والأمر في تقديرنا يكلف أقل بكثير من حرب الطوفان.
هناك
أرضية ممهدة، فالإمبراطورية في لحظة الانكفاء لا تعتني بحلفائها الذين صنعتهم أو
اصطنعتهم، وهذه جملة مفتاحية للوعي (الآن وهنا). إن الدولة العربية القهرية مكشوفة
الظهر وفاقدة للسند الإمبراطوري، وما نسمعه منها ونراه هو آخر عمليات التهويش
والتخويف. وإذا كان الطوفان قال لنا بوضوح إن للقوة الغاشمة حدودا، فأولى ببقية
الشعوب أن تفهم أن النظام العربي المهزوز الشرعية والفاقد للسند الخارجي يقتضي
مواجهة بقوة أقل. سأعتبر تشريع الجزائر لتجريم الاستعمار الفرنسي وبدء المطالبة
بالتعويض حركة أولى في اتجاه صناعة وعي التحرر العربي.