كتاب عربي 21

الديكتاتورية تضرب النظام الدولي

شريف أيمن
"ترامب الذي يُحرِّك معه النظام الدولي، يحدث وفق قناعاته الشخصية"- البيت الأبيض
"ترامب الذي يُحرِّك معه النظام الدولي، يحدث وفق قناعاته الشخصية"- البيت الأبيض
شارك الخبر
عندما تولى ترامب رئاسة أمريكا في ولايته الأولى، اتخذ سياسة تقوِّض التصور السائد عن النظام الأمريكي بأنه نظام مؤسسي، وأن الرئيس لا يستطيع تجاوز القرارات الصادرة عن مؤسسات الدولة، لا المتعلقة بالوعود الانتخابية التي يمكن تغيير قراراتها، ولعل انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران أحد أبرز أمثلة تجاوز القرارات الصادرة بناء على توصيات من الأجهزة الدبلوماسية والعسكرية والأمنية، ومع ذلك، فإن ترامب كان يتحسس خطواته في تلك الولاية بدرجة ما، إلى أن انتهت ولايته الأولى.

ثم جاءت الولاية الثانية بشراسة كبيرة لتقويض المؤسسات الأمريكية والتحول نحو نظام فيه ملامح سلطوية، ليس سلطويّا بالطبع لكن فيه ملامح سلطوية، فمثلا أدلت مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد بشهادتها أمام الكونغرس في آذار/مارس 2025، مؤكدة أن تقييمات أجهزة المخابرات الأمريكية لا تزال تشير إلى أن طهران لا تعمل على تطوير رأس نووي، ما دفع ترامب إلى انتقادها علنا، فضلا عن تقارير تشير إلى استبعادها من كثير من المداولات، وآخرها عملية فنزويلا.

هذه الأمور وغيرها توضح المسار السلطوي الذي تنحوه الولايات المتحدة في عهد ترامب، وفي الوقت ذاته، لم يقتصر المنحى السلطوي على الداخل الأمريكي، بل امتد إلى النظام الدولي كذلك

وفي السياق ذاته، أقال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغيسث؛ الفريق جيفري كروز من منصب مدير لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية، إثر التقديرات الأولية التي أصدرتها وكالته بشأن حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية عقب الضربات الأمريكية في حزيران/يونيو 2025، فأشار التقرير إلى أن القدرات النووية الإيرانية تراجعت بضعة أشهر فقط، وذلك على خلاف تصريحات هيغيسث وترامب اللذين أكدا أن القدرات "دُمرت بالكامل"، ما أثار غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ودفعه إلى إقالته.

من الملامح السلطوية الأخرى، تدخل ترامب في المنظومة العدلية، فقد أعلنت وزارة العدل الأمريكية، في إجراء مفاجئ وغير مسبوق نهاية كانون الثاني/يناير 2025، إقالة 12 مسؤولا شاركوا في محاكمة ترامب، وذلك في أحدث مؤشر يعكس عزم الإدارة على "تطهير الحكومة" من الموظفين الذين تعتبرهم غير موالين للرئيس.

وجاء في بيان صادر عن مسؤول في وزارة العدل "اليوم، أنهى وزير العدل بالإنابة جيمس ماكنري خدمات عدد من موظفي الوزارة الذين لعبوا دورا كبيرا في ملاحقة الرئيس ترامب قضائيّا". وأضاف أنه "في ضوء تصرفاتهم، لا يثق وزير العدل بالإنابة في قدرة هؤلاء المسؤولين على المساعدة في تنفيذ أجندة الرئيس بأمانة".

وقبل هذه الإقالات، كتب ترامب أن "مكتبي لموظفي الرئاسة يعمل بشكل نشط على رصد وعزل أكثر من ألف موظف رئاسي من تعيينات الإدارة السابقة لا يتوافقون مع رؤيتنا لجعل أمريكا عظيمة من جديد". وهذا الرقم الذي أعلنه ترامب مذهل!

هذه الأمور وغيرها توضح المسار السلطوي الذي تنحوه الولايات المتحدة في عهد ترامب، وفي الوقت ذاته، لم يقتصر المنحى السلطوي على الداخل الأمريكي، بل امتد إلى النظام الدولي كذلك. فكيف حدث ذلك؟

تسببت حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 في انقلاب شعبي تجاه كيان الاحتلال، نتجت عنه تظاهرات في أرجاء العالم، اختارت الأنظمة الأوروبية والأمريكية أن تدير ظهرها لمطالب المتظاهرين بالعمل على إيقاف المجزرة. ولذرِّ الرماد في العيون، خرجت مطالب ومواقف (دون ضغوط قوية) لإنهاء الحرب، وتزامن مع هذه المواقف المسرحية تشديد على حركات الاحتجاج، ووَصْمُ المحتجين بمعاداة السامية، وهوجم أفراد وألقي القبض عليهم، وتعرَّض البعض للترحيل أو الفصل من الدراسة أو العمل، وغير ذلك من عمليات ترهيب حركة الاحتجاج التي بلغت مستويات قطع الأرزاق أو الطرد من البلاد، وأي قارئ عربي أو في دول العالم الثالث لديه معرفة جيدة بهذه الممارسات، لكنه لم يكن يتصور أن يوجد تشابه في يوم ما بين نظامه ونظام دولة "ديمقراطية".

على مستوى آخر، انتقل ترامب إلى تقويض النظام الدولي، فهاجم المحكمة الجنائية الدولية، وتلقَّى أعضاؤها تهديدات لاتهامهم مسؤولين في دولة الاحتلال بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في غزة، ولمَّا لم تفلح التهديدات وأصرَّ أعضاء المحكمة على السير في المحاكمة، أخضعت السلطات الأمريكية 11 مسؤولا في المحكمة الجنائية الدولية، من بينهم قضاة ومدعون عامون، لعقوبات أمريكية. ويعني إدراج القضاة على قائمة العقوبات الأمريكية أنهم لا يستطيعون السفر إلى الولايات المتحدة أو الاحتفاظ بأي أصول هناك، ويجعل أيضا من المستحيل عمليّا بالنسبة لهم الاحتفاظ ببطاقات ائتمان، ما يعرقل معاملاتهم المالية اليومية وأي عمليات شراء عبر الإنترنت.

وفي السياق ذاته، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في تموز/يوليو 2025 أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بسبب مساعيها لدفع المحكمة الجنائية الدولية إلى اتخاذ إجراءات بحق مسؤولين وشركات ومديرين تنفيذيين أمريكيين وإسرائيليين.

وسبق لترامب أن أوقف مشاركة الولايات المتحدة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومدّد تعليق تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). كذلك انسحبت الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، كما أعلن ترامب خططا للانسحاب من منظمة الصحة العالمية واتفاق باريس للمناخ. وقبل أيام أعلن انسحاب الولايات المتحدة من ⁠35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة و31 ‌كيانا تابعا لها قال إنها "تعمل بما ‌يتعارض مع ‌المصالح ⁠الوطنية الأمريكية"، ولم يذكر البيان الصادر عن البيت الأبيض ‌أسماء هذه المنظمات، لكنه قال إنها تروّج "لسياسات مناخية راديكالية، وحوكمة عالمية، وبرامج أيديولوجية تتعارض مع سيادة الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية". والغالبية العظمى من هذه المواقف السابقة المتعلقة بالأشخاص والمؤسسات مرتبطة بالأساس بالقضية الفلسطينية، وباتت تبعات عملية طوفان الأقصى تهدد بتقويض النظام الدولي بأكمله.

الأخطر من كل ذلك، ما ذكرته صحيفة هآرتس العبرية، أمس الثلاثاء، إذ نقلت صحيفة "العربي الجديد" عن الصحيفة العبرية أن البيت الأبيض يدفع نحو منح تفويض واسع لـ"مجلس السّلام" الذي من المفترض أن يدير قطاع غزة، بطريقة تتيح له، في مرحلة لاحقة، التعامل أيضا مع حلّ نزاعات أخرى حول العالم، بدلا من الأمم المتحدة، وذلك وفق ما نقلته هآرتس عن ثلاثة مصادر لم تسمّها. وأوضح أحد المصادر أنّ المسؤولين الأمريكيين الذين يروّجون للمبادرة "يعتقدون أنه (أي المجلس) سيكون منظمة شبيهة جدّا بالأمم المتحدة، بصيغة جديدة، تضم دولا مختارة تتخذ قرارات بشأن العالم".

وبحسب أحد المصادر، فإنّ نجاح الخطة الأمريكية لتحويل "مجلس السّلام" إلى آلية تعالج النزاعات حول العالم، سيكون منوطا بالنتائج التي ستُحقَّق في غزة، وأضاف: "على هذا سيُبنى إذا كان المجلس سيتعامل، مثلا مع فنزويلا، وأوكرانيا، وبقية القضايا. إنه بمثابة تجربة داخل عالم الدبلوماسية المحافظة. هناك من يحاول الآن تغيير قواعد المهنة، والجميع يراقب وينتظر".

الكارثة أن تَحرُّك ترامب الذي يُحرِّك معه النظام الدولي، يحدث وفق قناعاته الشخصية، فبعد اختطاف مادورو من قصر الحكم سُئل ترامب عما إذا كانت هناك أي قيود على صلاحياته العالمية، فأجاب: "نعم، هناك شيء واحد؛ أخلاقي الشخصية، وعقلي. هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني". وقال في المقابلة نفسها: "لست بحاجة إلى القانون الدولي. أنا لا أسعى إلى إيذاء أحد". فإذا لم تكن كلمات ترامب هذه نمطا من أوضح أنماط السلطوية والديكتاتورية، فكيف يمكن تعريفهما!

إننا اليوم على أعتاب تفكيك للتحالفات الرئيسية التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي نشأت نتيجة سلطوية زعيميْن أوروبييْن، ونتج عن مغامراتهما مقتل عشرات الملايين، ويبدو أن سلطوية ترامب ستدفع إلى تفكيك هذه الأسس والتحالفات، وربما المؤسسة الدولية الرئيسية التي نشأت عقب الحرب؛ الأمم المتحدة، خاصة أن ترامب منذ أيام حكمه الأولى يناكف دول الناتو، ويلوِّح بالانسحاب منه، فضلا عن خشونته في قضية "غرينلاند" وتلويحه بالاستلاء عليها "بطريقة أو بأخرى"، ما دفع جهاز الاستخبارات الدنماركي إلى وصْف الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة بأنها "تهديد أمني محتمل"، في تقرير الجهاز لعام 2025 على موقعه الالكتروني، بشأن التهديدات الخارجية وتحديات السياسة الأمنية.

هذه المناكفات والإجراءات السلطوية إذا وُضعت في إطار تحليلي لدوافعها، مع تجاوز التحليل للدوافع الشخصية لترامب وتصوُّر أن تصرفاته لها أبعاد استراتيجية لا علاقة لها بطموحاته الشخصية وتكوينه النفسي، فإنها تُوصف في العلاقات الدولية بـ"سياسة حافة الهاوية"، وتعني الوصول بالأمور إلى أقصى مدى لإرغام الطرف المقابل على الرضوخ، ومع ذلك فهي سياسة خطِرة، إذ إن فشل الاحتواء سيتسبب بأضرار، قد يكون أقلها التفكيك السلمي للنظام الدولي.
التعليقات (0)

خبر عاجل