الكيان الأكثر وحشية في العالم

شريف أيمن
"الحقيقة الواضحة أننا أمام حفنة من السارقين والمجرمين"- الأناضول
"الحقيقة الواضحة أننا أمام حفنة من السارقين والمجرمين"- الأناضول
شارك الخبر
أي معارض لمشروع الصهيونية يعلم يقينا أنه أمام نظام دموي عنصري، ويستمد هذا النظام وحشيته من مكوناته التي لا تختلف عنه كثيرا، ومع ذلك فإن ما كشفته الأحداث بعد طوفان الأقصى فتحت الباب على مصراعيه لبيان كل قبائح ودموية واقتيات هذا المجتمع الإجرامي على الدماء.

تجري المقتلة المستمرة في غزة على الهواء مباشرة، وتحدث واحدة من أكثر عمليات التطهير العرقي فجورا في التاريخ على مرأى من العالم بأسره، ولم تتحرك شعوب المنطقة التحرك اللازم والمتناسب مع فداحة الجرائم، بسبب قهر الحكام لشعوبهم، وسحقهم للحياة السياسية التي تتيح للحركات والأحزاب تنظيم حركة الشارع، فاستباح الصهيوني كل شيء؛ استباح دماء الأطفال والشيوخ والنساء، قبل أن يستبيح أجساد المقاومين بالاختطاف والتشويه والتنكيل، واستباح هدم الملاذ والمأوى للبشر، وأجرى عملية إخلاء قسري واسعة النطاق، دفعت بعض الغزيين إلى النزوح 19 مرة خلال عاميْ الإبادة فقط، ما يكشف حجم الخطر في كل أركان وزوايا القطاع المنهك أصلا نتيجة حصار ممتد منذ عقدين تقريبا.

المثير للانتباه أن حالة العدوانية والوحشية لا تتوقف عند الجيش اللاأخلاقي الذي يملك ترسانة متطورة وفتاكة، بل امتدت إلى كثير من المغتصبين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948.

المثير للانتباه أن حالة العدوانية والوحشية لا تتوقف عند الجيش اللاأخلاقي الذي يملك ترسانة متطورة وفتاكة، بل امتدت إلى كثير من المغتصبين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948

ربما نتذكر جميعا ذلك المغتصب الوقح الذي سرق منزل عائلة الكرد في حي الشيخ جراح بالقدس، ولما واجهته منى الكرد وقالت له: "أنت تسرق منزلي"، قال بوضوح: "إن لم أسرقه أنا، سيسرقه شخص آخر"، ليعيد إعلان الحقيقة الواضحة بلسان الخصم لا بتحليلات المناصرين للفلسطينيين. والحقيقة الواضحة أننا أمام حفنة من السارقين والمجرمين، وإلا كيف نفهم حوادث مثل إحراق ماشية على قيد الحياة لفلسطينيين، أو سرقة المواشي الخاصة بهم، أو حرق المنازل والممتلكات الخاصة والعامة الفلسطينية، أو نصب نقاط مسلحة لمغتصبين لا ينتمون لشرطة أو جيش الاحتلال؟ وبالمناسبة يُقال عن هؤلاء إنهم "مدنيون"!

كيف نفهم عمليات سَلْب الأراضي والمنازل المتسارعة الآن، وإقامة بؤر للمغتصبين مكانها، والتهجير القسري لقرى فلسطينية بأكملها، واستباحة منازل الفلسطينيين في كل بقعة من أرضهم على يد قوات الاحتلال، واستباحة كرامة الفلسطينيين مع كل عملية اقتحام لمخيم أو بلدة أو مدينة؟

كيف نفهم حرق دور العبادة وتدنيسها، لا بمجرد الاقتحام، بل بالرقص داخلها بتلك الرقصات والحركات المخيفة التي تُظهر تعطشا للدم لا العبادة؟ وكيف نفهم تباهي بن غفير بإذلال الفلسطينيين وتعذيبهم في السجون وسحق كرامتهم؟ رغم أن تصرفاته محض محاولة بائسة لاسترداد صورة ذهنية زائفة عن قوتهم التي سحقها بعض هؤلاء المسجونين عندما كانوا أحرارا، ويتعاملون خارج نطاق القوة المطلقة للسجَّان.

كيف نفهم تباهي ذلك الجندي الوقح الذي برر قتل الأطفال في غزة وهو يحمل صورة لطفل يحمل بندقية، وكأن أبناء الغزاة مثله لا توجد لهم مقاطع مصورة يغنون فيها بموت العرب ويحملون السلاح وهم أطفال؟ بل كيف نفهم تباهيه وهو يقول إنهم يغتصبون الفلسطينيين والفلسطينيات؟ وكيف نفهم الدعوة لمهاجمة قطاع غزة بالسلاح النووي رغم فتكه المحقَّق لكل كائن حي في نطاق السلاح دون أي تمييز؟

وكذلك كيف نفهم دعس أحد هؤلاء المغتصبين لمجموعة من المتطرفين اليهود ذوي الشعر المنسدل من ذوائبهم، مطلع العام الجاري، نتيجة خلاف سياسي معهم؟ وكيف نفهم مطاردة هؤلاء المتطرفين لمجندة في جيشهم الدموي ذهبت لتوزيع أوامر تجنيد لهم؟ وكيف نفهم قتل إسحاق رابين لمجرد توجهه نحو ما قيل عنه إنه سلام؟ ورابين هذا كان من قادة العصابات التي سفكت دماء آلاف الفلسطينيين لأجل إنشاء كيانهم الدموي، وهو رئيس أركان جيش الاحتلال في الهزيمة العربية عام 1967، ومع ذلك كان نتنياهو يحاول الصعود في سلم السياسة الصهيونية فاختار الخطاب المحرض ضد رابين وقَتَلَه المتطرف الآخر إيغال عامير،
وصلت رحلة "السلام" إلى عنوان "السلام عبر القوة"، وهو معنى شديد الوضوح؛ مؤدَّاه الاستجابة للمطالب والإملاءات الصهيونية، أي الاستسلام والإذعان، لا السلام القائم بين نِدَّيْن
لأنه (رابين) يريد إحداث اتفاقيات مع أصحاب الأرض فقط! وبالمناسبة، نتنياهو هذا يعيش في بيت مسروق في القدس المحتلة، والبيت للطبيب الفلسطيني توفيق كنعان، وسرقه والد نتنياهو بعد تهجير أسرة كنعان في أثناء جرائم الصهاينة عام 1948.

لا يمكن فهم هذا كله إلا في سياق واحد؛ أننا أمام كيان لا يعرف سوى العنف والسرقة، وأن الخصال المتأصلة فيه هي خصال الشر والإجرام، وهذه أوصاف لا مبالغة فيها على الإطلاق؛ بحكم الوقائع الممتدة على مدار التاريخ، وبحكم الأفعال اليومية التي جعلت التكنولوجيا توثيقها أمرا سهلا.

مع وضوح هذه الحقائق نجد بين العرب "متصهينين" يروجون للتعايش مع هذه العصابات التي شكلت "دولة"، ويدعون إلى ما يسمونه سلاما معها، وهي رحلة مضنية، بدأت بهزائم مريرة على يد الأنظمة العسكرية التي تشكَّلت بعد الحرب العالمية الثانية، وكان عنوانها "الأرض مقابل السلام"، واقتصر مطلب الأرض على حدود عام 1967 لا حدود قرار التقسيم عام 1947، ووصلت رحلة "السلام" إلى عنوان "السلام عبر القوة"، وهو معنى شديد الوضوح؛ مؤدَّاه الاستجابة للمطالب والإملاءات الصهيونية، أي الاستسلام والإذعان، لا السلام القائم بين نِدَّيْن.

إن فكرة "السلام عبر القوة" إذا وُضعت بجوار هذه الخلفية عن جرائم وسرقات الكيان الصهيوني، تمكِّننا من فهْمِ سبب صلابة محور المقاومة في قضية نزع السلاح، فسلاح محور المقاومة في إيران ولبنان وغزة واليمن، سلاح دفاع في الأساس، وهو لا يُقارَن بقوة وفتك أسلحة العدو، وهو يحقق درجات متفاوتة في ردع الهجوم الصهيوني، وهذا التفاوت يرجع إلى مدى قوة وتقدم أي طرف في المحور عسكريّا وتقنيّا، لذا من حق هذه الأطراف أن تتمسك بالحد الأدنى من الردع، لأننا أمام أكثر كيان تجتمع فيه خصال السرقة والتعطش للدماء.
التعليقات (0)