بين الثورة والتدخل: جوهر اللحظة السياسية في إيران والعالم العربي

نور الدين العلوي
"كيف يمكن أن تكون مع الشارع الإيراني صاحب الحق دون أن تدعم العدو الخارجي المعادي لإيران وللعرب في ذات الوقت؟"- جيتي
"كيف يمكن أن تكون مع الشارع الإيراني صاحب الحق دون أن تدعم العدو الخارجي المعادي لإيران وللعرب في ذات الوقت؟"- جيتي
شارك الخبر
ليست إيران برشاما يسهل بلعه، وإذا كانت هناك معارضة قوية للنظام القائم فإن للنظام أنصارا أكثر إيمانا ببقاء النظام ونراهم أقوى في الشارع. النظام الإيراني باختصار شديد ليس نظاما عربيا قادما على دبابة، إن له إقداما راسخة في ثورة قامت على نظام عميل وفاسد يتذكره الإيرانيون ولن ينسوه، ولا نرى داعيا للتوسع في تاريخ إيران وجغرافيتها وتقاليدها السياسة والثقافية.

تعيش إيران تحت ضغط عال، ومأزقها لا يقف عند حدودها بل إن جيرانها العرب معنيون بما يصيبها في هذه الأيام، وقد سمعنا قولا عربيا كثيرا مرتبكا أمام احتمال تغيير جذري للنظام الإيراني مُقاد من الخارج، وبالتخصيص بيد الكيان الصهيوني الذي ما أنفك يعادي النظام منذ الثورة. والسؤال العربي: ماذا سيصيب العرب لو سقط النظام؟ مع ملاحظة مهمة هنا، أن هذا التخوف ليس تخوف الشعوب بل تخوف الأنظمة.

عادت الأنظمة العربية إيران وحاربتها بمناصرة نظام صدام حسين ضدها ووصمها بالتشيع وهي تهمة معادلة للتكفير، ولكن قسما مهما من الشعوب العربية ظل مناصرا لإيران وخصوصا تيار الإسلام السياسي السني (الإخوان وإخوتهم)، وكان موقف ايران من القضية الفلسطينة محددا في هذه المناصرة خصوصا مع الدور المتعاظم لحزب الله ونصره سنة 2006.

انحازت إيران ضد الربيع العربي بمجرد وصوله إلى مناطق تدخلها في المجال العربي، وقد دنست إيران بلا مواربة سلاح حزب الله بتوجيهه ضد الثورة السورية. بناء على هذا الموقف غير التحرري وغير الأخلاقي فإن موقف الشارع العربي فقد حماسه لإيران

غير أن تغيرا عميقا حصل في الموقف الإيراني أثناء الربيع العربي أربك كل مناصر لها من العرب فانفض عنها. انحازت إيران ضد الربيع العربي بمجرد وصوله إلى مناطق تدخلها في المجال العربي، وقد دنست إيران بلا مواربة سلاح حزب الله بتوجيهه ضد الثورة السورية. بناء على هذا الموقف غير التحرري وغير الأخلاقي فإن موقف الشارع العربي فقد حماسه لإيران، فالشعوب نسمع منها حديث الشماتة، بينما بدت الأنظمة على وشك إعلان ميتمها الخاص كأن النظام الإيراني يمسك السماء أن تقع فوق رأسها.

الشارع الإيراني محق في مطالبه

شعارات الشارع الإيراني في آخر موجة تظاهر هي شعارات الربيع العربي، الحرية والديمقراطية والعدالة والحكم الرشيد (لقد كانت هذه شعارت الثورة الايرانية ذات يوم وقد استلهم منها عرب كثيرون)، لذلك فإن رفعها اليوم يعني أولا أن الثورة قد تخلت عن شعاراتها، وأن الشعارات لم تمُت بل عادت ضد من تخلى عنها، لذلك فهي حق. لكن هنا وقع المحذور، لقد أطل العدو برأسه داخل الشارع الإيراني ليوجهه من التعديل في النظام القائم والثابت إلى إسقاطه وفرض بديل غير وطني بالضرورة. وهنا حصل الارتباك العربي بالتبعية؛ كيف يمكن أن تكون مع الشارع الإيراني صاحب الحق دون أن تدعم العدو الخارجي المعادي لإيران وللعرب في ذات الوقت؟

غني عن القول هنا أن تفجع النظام العربي وكثير من المثقفين العرب وكشف خوفهم من سقوط النظام ليس موقفا مناصرا للحرية والديمقراطية، بل هو موقف محافظ لا يثق بالشعوب ولا يتوقع خيرا، فينتهي إلى أن بقاء السيئ أفضل من قدوم الأسوأ المتوقع، وهو نفس الموقف من الربيع العربي.

الموقف الشعبي مما يجري مرتبك أيضا، فما تتذكره الشعوب من دور إيران في تدمير سوريا ولبنان وفي تخريب العراق وتقسيم اليمن ونشر التشيع في مناطق كثيرة؛ لا يسمح بموقف مناصر بلا قيود، بل إن التمزق في الموقف ظاهر وجلي خاصة إذا استمعنا إلى السوريين واللبنانيين الذين يعرفون ما فعلت إيران ببلدانهم وإنه لميزان عسير. (لا أهتم هنا إلى موقف شبيحة بشار، شقيق الشاه فعلا وشكلا). هذا يدفعنا إلى سؤال أنطولوجي أولا: ما هو الموقف الأسلم أخلاقيا وسياسيا مما يجري في إيران؟

مع الحرية مبدئيا ودائما

لن يمكن تحديد موقف سليم بتجاهل كل التاريخ المضطرب بين الشعوب العربية وإيران، لذلك وجب التحلي بكثير من الشجاعة لقول ما يلي: إيران لم تكن بلدا صديقا للشعوب العربية برغم ثمن كبير دفعه عرب كثير في نصرة ثورتها، لقد نظرت إلى المجال العربي كمجال لتوسع وهيمنة.

هل ستتوقف إيران عن مشروعها التوسعي في المنطقة إذا نجا النظام من الإسقاط الخارجي؟ سيقول البعض إن هذا السؤال في غير وقته وأن الحال الآن تقتضي الانحياز لإيران ضد الكيان وضد ترامب والغرب عامة، لكن هذا السؤال مصادرة على المطلوب، فليس لدى المواطن العربي ضمانة أن لا يعيد النظام الإيراني بعد نجاته نفس السياسات، وسوريا شاهدة.

مقابل موقف شعبي ورسمي مناصر لإيران، المطلوب من إيران خطاب واضح من شقين:

الأول، القبول بكل طلب شعبي وطني غير مدفوع من العدو بإرساء مناخ حريات وديمقراطية في الداخل، يسمح للمواطن الإيراني بإرساء حقوقه وعيشها كاملة. وهذا يسقط كل ذريعة للتدخل الخارجي (ونحن نعرف أن الخارج لا يأتي من أجل حقوق الإنسان)..

والثاني، إعلان صريح بأن سياسات إيران في المجال العربي كانت سياسات خاطئة وعدوانية وجب التوقف عنها بل الاعتذار منها بشجاعة كافية، لبدء مرحلة جديدة على قاعدة احترام الشعوب.

هذان الأمران كفيلان بترسيخ الموقف الشعبي العربي المبدئي من كل تحرك شعبي يطلب الحرية في إيران وفي كل بلد، ومن بناء علاقة ثقة واحترام بين المجال العربي والإيراني بصفتهما كيانين جارين؛ جيرة التاريخ والجغرافيا والمصير الواحد أمام نفس العدو.

ردم الهوة والقفز فوقها والانخراط في مناصرة النظام بلا مراجعات من قبله فموقف شعبوي من جنس القبول بالنظام العربي الرسمي قبل الربيع العربي وبعده باسم السيادة

أما ردم الهوة والقفز فوقها والانخراط في مناصرة النظام بلا مراجعات من قبله فموقف شعبوي من جنس القبول بالنظام العربي الرسمي قبل الربيع العربي وبعده باسم السيادة (كأن سيادة الأوطان لا تبنى إلا بهدم الحريات)، أو القبول بنظام بشار باسم التوازن الاستراتيجي مع العدو، وهو الموقف الذي نسمعه الآن من الشبيحة والفلول في سوريا وفي مناطق عربية كثيرة عاشت من أعطيات الأنظمة العربية ورفضت تغييرها..

في خلاف ذلك نقول بشجاعة ومسؤولية: النظام الإيراني كما نراه منذ عادى الربيع العربي لا يستحق البكاء عليه، بل إن التعاطف يكون مع الشعب السائر بطلب الحرية. ونحن لا نشاطر النظام العربي خوفه من حدوث فوضى في المنطقة، نحن أقرب إلى الثقة في الشعوب التي تسقط أنظمتها بقوة الشوارع لأن مصيرها أن تبني أفضل منها ولو مرت بمرحلة من الفوضى. ليس لشعوب العرب والفرس والبلوش وغيرها عروشا تخشى عليها من الفوضى، من أدرانا أن الفوضى ليست مقدمات بناء؟

ونضيف جملة أخيرة لعلها تكون مؤشرا: لقد خرب الأمريكي أفغانستان ولكنه اندحر عنها ذليلا فحصّل الأفغان مَنعة من كل غزو، وهم يبنون بلدهم بصبر وأناة ولديهم ثقة في أن لن يتجرأ عليهم غازٍ. ولنضف بشيء من الإيمان بالغيب: "إن الخير كامن في الشر".
التعليقات (0)