كتاب عربي 21

"تونس الممكنة" والفرص المهدرة.. مجددا!

سليم عزوز
"سرد لحال تونس منذ إنشاء الدولة بعد الاستقلال إلى الوضع الحالي"- الأناضول
"سرد لحال تونس منذ إنشاء الدولة بعد الاستقلال إلى الوضع الحالي"- الأناضول
شارك الخبر
لأهمية هذه المراجعات، أكتب عنها من جديد!

فعن دار العودة، صدر مؤخرا كتاب عماد الدائمي "تونس الممكنة"! أهمية هذا الكتاب لديّ أنه يعد تعريفا بالقضية التونسية، وهو أمر ليس متحققا مع الاهتمام الواسع بهذه التجربة، وتفاعل الناس من خارج تونس معها، وإلى درجة أن يهتم المصريون مثلا بالانتخابات الرئاسية التنافسية الأخيرة، ويعتمدون منصف المرزوقي مرشحهم المختار، وعندما لم تمكنه أصوات الناخبين ولو من الوصول لجولة الإعادة، انتشرت نكتة لم ينتخبه سوى المصريين. وهو ما كان يرددونه بمرارة، وقد عُرف القوم على مدى التاريخ بمقاومة المآسي بالنكتة!

فكتاب "تونس الممكنة" يأتي ليضع غير التونسيين "في الصورة"، من المنفعلين والمتفاعلين مع القضية التونسية، ومع ذلك، ومع أن الكتاب تبلغ صفحاته 439 صفحة، إلا أنه يعد رؤوس موضوعات، يحتاج كل موضوع لحديث مطول، يمكن أن تقوم به المقابلات الصحفية على قواعد برنامج "شاهد على العصر"، لشرح تجربة فيها من التفاصيل الكثير. والرجل كان في قلب الأحداث، وفي الكواليس، وكان جزءا من الحياة السياسية منذ قيام الثورة؛ ناشطا، وبرلمانيا، وحزبيا، ومديرا للديوان الرئاسي لعام ونصف العام!

كتاب "تونس الممكنة" يأتي ليضع غير التونسيين "في الصورة"، من المنفعلين والمتفاعلين مع القضية التونسية، ومع ذلك، ومع أن الكتاب تبلغ صفحاته 439 صفحة، إلا أنه يعد رؤوس موضوعات، يحتاج كل موضوع لحديث مطول

فلم يقفز عماد الدائمي على المشهد بـ"الباراشوت"، وقد حدث هذا الإنزال في كثير من تجارب دول الربيع العربي، حتى صرنا نسأل الآن: من هؤلاء القوم، ومن أين جاءوا؟ وقد أصبحوا ثوارا لا يقبلون بأنصاف الحلول، ولا يرضون سوى بالحد الأقصى من تنفيذ المطالب. وفي فترة مزدحمة بالأحداث، لم يكن لدينا ترف التقاط الأنفاس لنبحث في أصلهم وفصلهم.

المراجعات الأولى:

يذكر الدائمي في كتابه أن مساره النضالي بدأ منذ مراهقته، أواخر العهد البورقيبي، وقد انخرط في الاتجاه الإسلامي في مرحلة التلمذة، ثم في الجامعة، حيث وجد نفسه في معقل النضال الطلابي بكلية العلوم بتونس سنة 1991. وقد تعرض للاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، قبل أن يطلق سراحه بأنه لا وجه لإقامة الدعوى. بعدها دخل في منفى طويل بين ليبيا وموريتانيا والسنغال وإسبانيا، قبل أن يستقر في فرنسا سنة 1996، حيث أكمل دراسته العليا واستقر مهنيا واجتماعيا، دون أن ينقطع عن الانشغال بالشأن العام.

و"تونس الممكنة"، مع السرد لحال تونس منذ إنشاء الدولة بعد الاستقلال إلى الوضع الحالي، إلا أنه كتاب مراجعات في الأصل والفصل، تحمّل صاحبه نصيبه من الأخطاء، بشجاعة نفتقدها في عالمنا العربي، ربما لأن هذا جزء من طبيعته الشخصية. فقد وفر له المهجر مناسبة لمراجعات فكرية وتنظيمية عميقة، حيث أخذ بسرعة موقفا نقديا صارما من الحركة الإسلامية، ويقول:

"وكسرتُ مع بعض الرفاق، أواخر التسعينيات، حلقة الولاء الفكري والتنظيمي لها، منتقدين عجزها عن قراءة التحولات وتذبذبها بين مقاومة الاستبداد والسعي للتسوية معه لإطلاق سراح المساجين، إضافة إلى العقلية التنظيمية المغلقة التي تذيب شخصية الفرد في ماكينة الطاعة. كنت أبحث عن فضاء جديد أكون فيه شريكا لا تابعا، ومبادرا فاعلا لا منفذا".

فنحن هنا أمام شخصية قيادية كانت طبيعتها سببا في الخروج من أسر التنظيم، بينما هناك من لا يتخيلون أنفسهم خارج أسواره. وقد استوقفني في تجربته بعقلية الصحفي المحاور القديم؛ أنه يمكن توليد حوار جدير بالمشاهدة أو القراءة عن تجربته في الاعتقال، وعن هذه الرحلة هروبا بين الدول، وما لاقاه من أهوال ومواقف مثيرة. والأمر نفسه يسري على هذا التحول الفكري وحدوده، وموقف التنظيم منه بعد هذا الخروج، ولماذا لم يكن مثل شخصيات أخرى غادرت الجماعة الأم في مصر، فتمكن منها العداء وأصبح موضوعها الذي لا تجيد الحديث في غيره. ومن المهم معرفة حركة النهضة من الداخل، وهو أمر لا يتسنى إلا لمن مر بتجربته وامتلك هذه العقلية النقدية، وهذه الشجاعة في اتخاذ القرار! وما إذا كان قد أثر هذا على الاتجاه لـ"التعاون" في مرحلة ما بعد الثورة.

ولا شك أن الكتاب كله، بجانب أنه يعد رؤوس موضوعات تحتاج إلى كثير من التفاصيل، فإن كثيرا من موضوعاته تستوقف المحاور وتولد أسئلة تحتاج إلى إجابة، وهو أمر سيكون مثار اهتمام الناس، بدلا من حوارات "فض المجالس" التي تزدحم بها الشاشات، تلفزيونية وبودكاست، وليس هذا موضوعنا!

من قصر قرطاج إلى الحزب:
من هذه الأخطاء التي دوّنها؛ الدخول في معارك هامشية بسبب تقييم كل الخلافات في المرحلة التأسيسية بمنطق ثورة/ثورة مضادة، مما أدخلهم في صدامات مع قوى نافذة، ومع أطراف من مشهد ما قبل الثورة كان بالإمكان استمالتها، والاندفاع في الحرب ضد الفسا

فالموضوع أن الكاتب يمتلك شجاعة المراجعات والاعتراف بالأخطاء، وخصص فصلا كاملا حول شهادته على "العشرية"، والنقد الذاتي المطلوب. وهو الذي عاد لتونس من المهجر بعد أربعة أيام من سقوط بن علي، وبعد 19 سنة وشهر و18 يوما من التهجير. وقد شارك في تأسيس حزب المؤتمر، وإذ انتُخب عضوا في المجلس الوطني التأسيسي، فإن تجربته البرلمانية لم تدم طويلا، ودعاه الرئيس منصف المرزوقي لمرافقته إلى قصر قرطاج مديرا لديوانه. وهناك رأى دنيا جديدة عليه، قبل أن يغادر القصر إلى الحزب من جديد، وهو ما رواه تحت عنوان "من الحكم إلى المعارضة من جديد"، ليقود معركة الحزب الانتخابية في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، ويتم انتخابه عضوا لمجلس نواب الشعب.

ولم ينس عماد الدائمي نصيبه من الأخطاء، فجاءت تحت عنوان "أخطائي في الحكم: شهادة للتاريخ". ومن أبرز هذه الأخطاء الاندفاع غير المحسوب في بعض القرارات، مثل القبول ببعض التكليفات الحزبية أساسا، وقرار الاستقالة من إدارة الديوان الرئاسي من أجل إنقاذ حزب المؤتمر من الانهيار!

وهو يعترف بأنه كان يفتقر للصرامة المطلوبة في موقعه، حيث كان يغض الطرف عما أسماه بعض الإخلالات، ويقبل بالاستقالات بدل الإقالات، بدافع إنساني وتقديرا لمشاعر الآخرين، وهو ما أضر بهيبة المؤسسة، فضلا عن ضعف الانفتاح على الكفاءات من داخل أجهزة الدولة، حرصا على الانسجام وخوفا من الاختراقات، وخضوعا للحائط الذي بنيناه كمجموعة مؤمنة بالثورة، وبين من كنا نعتبرهم أعوان النظام القديم.

ومن هذه الأخطاء التي دوّنها؛ الدخول في معارك هامشية بسبب تقييم كل الخلافات في المرحلة التأسيسية بمنطق ثورة/ثورة مضادة، مما أدخلهم في صدامات مع قوى نافذة، ومع أطراف من مشهد ما قبل الثورة كان بالإمكان استمالتها، والاندفاع في الحرب ضد الفساد، وتحويلها أحيانا إلى استهداف لأشخاص بغاية الردع، باعتماد التسمية والتشهير، وعدم الاكتفاء بمهاجمة المنظومات، والحرص أساسا على الإصلاح. وهذا شوّش على الأهداف النبيلة للحرب ضد الفساد، وخلق عدوات كبيرة مع جهات متضررة.

لم تنته الأخطاء التي رصدها عماد الدائمي في كتابه "تونس الممكنة"!

إنه كتاب جدير بالقراءة.

x.com/selimazouz1
التعليقات (0)