تعودت وسائل الإعلام
المصرية في السنوات الماضية إبراز توقعاتها الإيجابية للاقتصاد
المصري في العام الجديد، والقول بأن مرحلة جنى ثمار الإصلاح
الاقتصادي وتخفيف المعاناة
عن المواطنين قد اقتربت، لكن شيئا من ذلك لم يحدث في السنوات الماضية، بل كانت الأحوال
المعيشية تزداد صعوبة، خاصة مع تنفيذ روشتة صندوق النقد الدولي التي تدفع لخفض الدعم
عن الوقود والغذاء وزيادة الضرائب وبيع الشركات الحكومية.
لكن الصورة مع العام الجديد تبدو مختلفة، حيث صرح رئيس الوزراء قبل شهور بأن
المشكلة الاقتصادية قد انتهت، وأنه لن يكون هناك خفض لدعم الوقود في العام الحالي،
إلى جانب تحقق عدد من الإنجازات الاقتصادية في العام الماضي، أبرزها زيادة الصادرات
وارتفاع أعداد السياح الواصلين لمصر في العام الماضي إلى 18.8 مليون سائح، كرقم غير
مسبوق تاريخيا، وزيادة معدلات
النمو في الفصول الأخيرة وارتفاع قيمة تحويلات المصريين
في الخارج، وتخطى الاحتياطيات من العملات الأجنبية في البنك المركزي 50 مليار دولار،
وتراجع نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتباطؤ معدلات
التضخم وانخفاض
معدلات البطالة.
إذا كان معدل النمو قد بلغ 5.3 في المائة بالربع الثالث من العام الماضي، فقد تخطى معدل النمو نسبة 7 في المائة أواخر عهد الرئيس مبارك، ومع هذا فقد قامت ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011 ضده، لأن ثمار هذا النمو لم تصل إلى الناس
لكن نسي هؤلاء أن المواطن لا يأكل مؤشرات اقتصادية وإنما يأكل خبزا وأرزا وزيتا
ولحوما وبقوليات ارتفعت أسعارها، فإذا كان معدل النمو قد بلغ 5.3 في المائة بالربع
الثالث من العام الماضي، فقد تخطى معدل النمو نسبة 7 في المائة أواخر عهد الرئيس مبارك،
ومع هذا فقد قامت ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011 ضده، لأن ثمار
هذا النمو لم تصل إلى الناس، فالناس يريدون التنمية أكثر من النمو لأنها أشمل وأكثر
اتصالا بحياتهم، وفي الخدمات التي يرغبون في تحسينها كالصحة والتعليم، بينما يرتكز
النمو الحالي على بعض القطاعات كالصناعات التحويلية والتجارة والاتصالات فقط.
أولا، الأسعار لن تنخفض: تروّج الأبواق الإعلامية الحكومية أن معدلات التضخم
قد اتجهت إلى الانخفاض في العام الماضي، وسوف تستمر بالانخفاض بمعدلات أكثر في
العام الحالي، باعتبار أسعار السلع والخدمات تمثل المشكلة الرئيسة لدى الأسرة المصرية،
لكن الحقيقة أن الأسعار لم تنخفض في العام الماضي أو في العام الحالي، وإنما تراجعت
وتيرة صعودها، فإذا كان معدل التضخم قد بلغ 28 في المائة في العام الأسبق، وتوقع البنك
المركزي بلوغه 14 في المائة في العام الماضي، كما يسعى إلى أن يكون في الربع الأخير
من العام الحالي بنسبة 7 في المائة قابلا للزيادة والنقص عن ذلك بنسبة 2 في المائة،
فهذا يعني بشكل عملي أنه إذا كانت هناك سلعة قيمتها عام 2023 نحو مائة جنيه، فإن تلك
السلعة قد بلغت قيمتها 128 جنيها في نهاية عام 2024، كما ارتفعت قيمتها إلى 146 جنيها
في العام الماضي، ويتوقع بلوغ سعرها 159 جنيها في نهاية العام الحالي، أي أن الارتفاع
في سعرها مستمر ولا مجال للخفض السعري لها.
ويقابل تلك الأسعار المرتفعة حد أدنى للأجور في الجهات الحكومية يبلغ سبعة آلاف
جنيه شهريا منذ شهر تموز/ يوليو الماضي، وهي قيمة لا تفي بالمرة باحتياجات أسرة مكونة
من ثلاثة أشخاص، كما يبلغ الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص سبعة آلاف جنيه شهريا
منذ آذار/ مارس الماضي، ورغم ضعف تلك القيمة إلا أنها لا تنفذ في كثير من منشآت القطاع
الخاص، وعادة ما تدور الأجور في القطاع الخاص بين ثلاثة آلاف جنيه إلى 4500 جنيه.
وإذا كانت الحكومة تتباهى بزيادة معاشات تكافل للأسر الفقيرة وكرامة للمعاقين
وكبار السن بنسبة 30 في المائة، فإن قيمة تلك المعاشات بعد الزيادة تصل إلى 584 جنيه
شهريا للأسرة التي لديها ثلاثة أفراد مستفيدين من الدعم، وتزيد إلى 648 جنيه شهريا
للأسرة التي لديها طفلان مشمولان بالدعم، أما ذوو الإعاقة والمسنون فيحصلون على 884
جنيه شهريا، وتحصل الأرملة أو المطلقة أو مهجورة العائل التي لم تنجب والفتاة التي
بلغت سن الخمسين بدون زواج على 705 جنيهات شهريا لكل منهن، وكان حد الفقر للفرد في
عام 2019/2020 نحو 857 جنيها، والذي زاد إلى 1370 جنيها عام 2022، وهو ما يشير إلى
أن تلك المعاشات للأسر تقل عن حد الفقر الخاص للفرد الواحد!
ثانيا، البطالة ونوعية
الاستثمارات: تزعم الحكومة المصرية بلوغ معدل البطالة
6.4 في المائة بالربع الثالث من العام الماضي، كمتوسط ما بين نسبة بطالة 4 في
المائة بين الذكور ونسبة 15 في المائة بين الإناث، وكمتوسط بين نسبة بطالة 10 في
المائة بالمدن ونسبة 3.6 في المائة بالريف. وبالطبع لا يصدق أحد تلك النسب، بدليل استمرار
ظاهرة الهجرة غير الشرعية بقوارب الموت عبر ليبيا إلى سواحل اليونان وإيطاليا، مع دفع
نحو 25 ألف جنيه لسمسار رحلة الهجرة غير الشرعية، وبدليل تدني الأجور بشركات القطاع
الخاص لوجود عرض عمالة أكبر من المطلوب.
وقد يتحدث البعض عن أرقام الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ارتفعت معدلاتها
في السنوات الأخيرة كوسيلة لزيادة معدلات التشغيل وامتصاص البطالة، ولكن بإمعان النظر
في نوعية تلك الاستثمارات سنجد أن عمليات شراء الأراضي تمثل جانبا منها، كما حدث مع
شراء الإمارات أرض رأس الحكمة وشراء قطر أرض منطقة علم الروم. والنوع الثاني لتلك الاستثمارات
هو ما يتم بالاستحواذ على شركات مصرية قائمة بالفعل مثلما حدث مع الشركة الشرقية للدخان
ويحدث حاليا مع شركة الإسكندرية للحاويات، وبالتالي فإن شراء العرب أو الأجانب لتلك
الشركات العاملة بالفعل لا يعني إضافة فرص عمل جديدة.
أما القطاع الخاص المصري فهو مثقل بالأعباء من تكلفة اقتراض مرتفعة وبيروقراطية
ومنافسة حادة من قبل شركات الجيش، مما يجعل مسألة توسعه مشكوكا فيها، حيث يصبح هدفه
هو مجرد إدارة دورة العمل والحصول على المواد الخام وأجور العمالة وتكاليف المرافق.
ولعل خروج العديد من رجال الأعمال المصريين للعمل بدول الخليج العربي خير شاهد على
تردي مناخ الاستثمار المحلي، وصعوبة عودة هؤلاء قبل حدوث تغيير ملموس في بيئة الاستثمار
المحلية.
ثالثا، صعوبات تحسين الصحة والتعليم: وعود عديدة رسمية بزيادة الإنفاق على الصحة
والتعليم، لكن منذ صدور دستور 2014 لم تستطع الحكومة المصرية الوفاء بالنسب المقررة
في الدستور للإنفاق على الصحة والتعليم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما نرى
أن صعوبته مستمرة في الفترة المقبلة وليس فقط في العام الحالي، حيث أشارت بيانات موازنة
العام المالي الحالي 2025/2026 الذي ينتهي آخر حزيران/ يونيو القادم، إلى استحواذ فوائد
وأقساط الدين الحكومي على نسبة 64.8 في المائة من إجمالي الإنفاق، مما يعني صعوبة الإنفاق
على باقي بنود الإنفاق الستة الأخرى من أجور ودعم وشراء سلع وخدمات واستثمارات ومساهمات
في الشركات العامة المتعثرة وإنفاق دفاعي.
وها هي نتائج تنفيذ الشهور الخمسة الأولى من موازنة العام المالي الحالي وحتى
شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تشير إلى زيادة عما تم تحديده لباب فوائد الدين بنسبة
11 في المائة، رغم ما حدث من خفض للفائدة في شهري آب/ أغسطس وتشرين الأول/ أكتوبر الماضيين
بنسبة 3 في المائة، لتستحوذ تلك الفوائد على نسبة 58 في المائة من مصروفات الموازنة
في الشهور الخمسة، ليحصل الدعم على نسبة 15 في المائة، وأجور العاملين في الحكومة على
14 في المائة والاستثمارات على 5 في المائة، وشراء السلع والخدمات 4 في المائة، ونفس
النسبة للمصروفات الأخرى التي تستحوذ نفقات الدفاع على معظمها. والغريب أن ما تم إنفاقه
على الاستثمارات قد انخفض عما كما مقررا لها في الشهور الخمسة بنسبة 46 في المائة،
ومع الأولوية التي تعطيها الحكومة لمشروعات البنية التحتية والطرق والكباري فإن نصيب
المشروعات الصحية والتعليمية يظل أقل مما يحتاجه تحسين حالهما.
مسألة جنى المواطن لثمار الإصلاح الاقتصادي في العام الجديد أمرا مستبعدا، حيث يتطلب الأمر عدة سنوات من الإنجازات في القطاعات الاقتصادية، مع بدء الإصلاح الحقيقي المبني على زيادة الإنتاج والتصدير، وليس على طريقة برامج صندوق النقد الدولي التي تنصب على الإصلاح المالي والنقدي فقط
رابعا، إيرادات لا يتم تحصيلها محليا: عندما يذكر جهاز الإحصاء الحكومي أن حصيلة
الصادرات السلعية قد بلغت في الشهور التسعة الأولى من العام الحالي 39 مليار دولار،
بنمو 18 في المائة عن نفس الشهور من العام الأسبق، فإن كل تلك الحصيلة لا تخص المصريين
بل تشاركهم فيها الشركات العربية والأجنبية الموجودة في البلاد، والأهم من ذلك أن الكثير
من المصدرين يحتفظون بحصيلة صادراتهم في الخارج ولا يدخلونها إلى مصر، وهو ما شكا منه محافظ البنك المركزي ورئيس الوزراء أكثر
من مرة، ولهذا ربطوا حصول الشركات التي تقوم بالتصدير على دعم بقيامها بإدخال حصيلة
صادراتها إلى الداخل.
وتتكرر الظاهرة في قطاع السياحة، حيث توجد شركات أجنبية عاملة في مصر تحصل على
جانب من الحصيلة السياحية، كما شملت الشكوى من عدم جلب الحصيلة للبلاد قطاع السياحة،
مع الأخذ في الاعتبار أن الحصيلة السياحية التي يعلنها البنك المركزي هي حصيلة افتراضية،
كحاصل ضرب عدد الليالي السياحية في متوسط 93 دولارا كإنفاق مفترض للسائح في الليلة،
وهو أمر لا يحدث مع كثير من الشرائح كسياحة الشارتر ومع كثير من الجنسيات، مثل السودانيين
والصوماليين والإثيوبيين وغيرهم من الواصلين لمصر ويدخلون ضمن أعداد السياح.
وعلى الجانب، الآخر تبقى مشكلة أعباء الدين الخارجي لتمتص أية زيادات في موارد
النقد الأجنبي، حيث تشير بيانات البنك المركزي المصري لبلوغ أقساط وفوائد الدين الخارجي
متوسطة وطويلة الأجل في العام الجديد 32.3 مليار دولار، بخلاف حوالي 18 مليار دولار
مطلوبة للدين الخارجي قصيرة الأجل في النصف الأول من العام الجديد، وعادة ما تقوم السلطات
بتجديد القروض قصيرة الأجل لكنها ملزمة بسداد فوائده والتي تتخطى المليار دولار خلال
العام.
لكل ما سبق تصبح مسألة جنى المواطن لثمار الإصلاح الاقتصادي في العام الجديد
أمرا مستبعدا، حيث يتطلب الأمر عدة سنوات من الإنجازات في القطاعات الاقتصادية، مع
بدء الإصلاح الحقيقي المبني على زيادة الإنتاج والتصدير، وليس على طريقة برامج صندوق
النقد الدولي التي تنصب على الإصلاح المالي والنقدي فقط.
x.com/mamdouh_alwaly