إيران
دولة مؤسسات، ولهذا كانت عصية على هدف
الحرب عليها بسقوط النظام، وهو هدف أمريكي
وإسرائيلي. ولعل الرئيس الأمريكي ظن أنه في نزهة، ستكون مثل عملية الإنزال على قصر
رئيس فنزويلا، لينتهي الأمر!
وهو
الآن مدرك أنه تورط، فذهب يوزع جوائز في مسابقة يانصيب الأمريكية، ويمنح "الأمان"
للقادة الإيرانيين إذا أعلنوا الرضوخ له، ويدغدغ مشاعر "القادة الجدد"
بأن بابه مفتوح لبدء المفاوضات، ثم يعلن، استمرارا في ممارسة التضليل، أن هؤلاء
القادة يريدون التفاوض معه، وهو يرحب بذلك، وكأن يده هي العليا في هذه الحرب!
وقد
نشرت جريدة يديعوت أحرونوت أن الرئيس الأمريكي نفسه هو من يطلب التفاوض، وأن طلبه
يقابل بالرفض من الجانب الإيراني، "فليس بعد حرق الزرع جيرة"، ليتراجع
الطموح الأمريكي من إسقاط النظام الإيراني إلى استسلامه، ولو ظاهريا، لمنح
ترامب
الشعور بتحقيق النصر الزائف!
غياب
القادة الكبار:
في أنظمة أخرى كان غياب رأس النظام يعني انهياره تماما، وهو ما كان مستقرا في ذهن ترامب. دعك من نتنياهو، فهو كان يريد الحرب من أجل الحرب، ولشعوره أنها ستكون رحلة مدرسية، وهو ما يعتقده من هشاشة النظام، لذا فاعتبر الفرصة مواتية للقضاء عليه تماما
من
كان يتوقع أنه منذ الساعة الأولى لبدء الحرب فقدت طهران قادتها الكبار، فلم يربكها
هذا، ولكنها تستمر في المواجهة، بما يمكّنها أن تنكر خبر اغتيال مرشدها الأعلى علي
خامنئي ليوم كامل، فيتصور الناس أنه بالفعل من يدير العمليات العسكرية، وبما مكّن
محللي الغبراء من القول إنه خارج طهران؟ هذه الكفاءة في المواجهة والصلابة في
الرد لا توحي بتغييب المرشد الأعلى!
والحقيقة
أن الرجل لقي حتفه في الساعة الأولى للعدوان الذي بدأته إسرائيل، بجانب الولايات
المتحدة الأمريكية، قبل أن يعلن ترامب عن نفسه وعن جيشه، وأنه في المقدمة، وليس
فقط يقدم يد العون والمساعدات كما كان يفعل في حرب غزة!
ولم
تفقد طهران المرشد الأعلى فقط في هذه المرحلة المبكرة من الحرب، ولكنها فقدت
السلطة الأعلى لإدارة الحرب، مثل وزير الدفاع، وقائد الحرس، بجانب قائمة طويلة من
الذين يمثلون قيادة المواجهة، فلم يتصدع نظام الحكم بغيابهم. وفي أنظمة أخرى كان
غياب رأس النظام يعني انهياره تماما، وهو ما كان مستقرا في ذهن ترامب. دعك من
نتنياهو، فهو كان يريد الحرب من أجل الحرب، ولشعوره أنها ستكون رحلة مدرسية، وهو
ما يعتقده من هشاشة النظام، لذا فاعتبر الفرصة مواتية للقضاء عليه تماما، لا يهمه
بعد ذلك تنصيب بديل له، أو دخول إيران في الفوضى!
إيران
ليست في أحسن حالاتها، فما حققته النملة على مدى سنوات أخذه الفيل في خفه، وقد
دانت لها عواصم عربية، وكانت نقطة قوتها في الحلفاء خارجها، من سوريا إلى لبنان
إلى العراق إلى اليمن بدرجة ما، لكن ترددها في الانخراط في حرب غزة بالكامل حفاظا
على النظام جعلها تخسر خسرانا بحجم المشاركة الجادة في هذه الحرب، وهو كان طلب
أمين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله!
كان
الإيرانيون كمن يخاف من الموت فمات من الخوف، وقد أضاعتهم الحسابات الدقيقة،
ووضعتهم في المواجهة بعد إضعاف حزب الله، وسقوط نظام الأسد، وإهدار قوة الحوثيين
في حرب استنزاف طويلة على مستوى الداخل والخارج، فضلا عن أن بغداد لم تعد ضمن
الحسابات الإيرانية بالشكل الذي كانت عليه عقب سقوط نظام صدام حسين!
إيران
وبشار:
أهدرت
طهران طاقتها في القيام بعملية إسناد لنظام بشار الأسد، وهو شخص كَلّ على مولاه،
وخسرت سمعتها في الوطن العربي بسبب هذا الاندفاع الأعمى للدفاع عنه، ولو كان الثمن
استهداف البشر والحجر، وكذلك فعل حزب الله. وفي ساعة الجد، وعندما كان الطلب منه إطلاق
الصواريخ بعيدة المدى من أراضيه في حرب غزة، رفض بشار الطلب، فلم يبكوا عليه عندما
سقط!
بيد
أن الثمن المدفوع كان باهظا، فمن هناك كان الاختراق واصطياد قادة حزب الله بسهولة،
بعد عملية اختراق منظومة اتصالاته، فلم يجدوا صعوبة في الوصول إليه وهو في أعماق
الأرض، لتنتهي قدرات الحزب تماما إلا من خلال القيام بمناوشات محدودة، ضررها أكبر
من نفعها!
وتم
اختراق طهران إلى درجة القدرة على الوصول إلى سرير نوم ضيفهم الكبير إسماعيل هنية،
ولم يعلنوا نتيجة التحقيقات، ويبدو أنهم اكتشفوا أن حجم الاختراق كبير، فاستحوا من
ذلك!
كما
أمكن الوصول السريع إلى قيادة الدولة الإيرانية مع الصواريخ الإسرائيلية الأولى،
وهذا قد يكون اختراقا، وقد يكون عدم لياقة للحرب، أن يظل القادة في بيوتهم
ومنازلهم المعروفة، ويبدو أنهم كانوا يصدقون مناورات ترامب الخاصة بالمفاوضات،
والتي لم يكن جادا فيها، فقد كان يتحين الفرصة ليضرب ضربته وهم مستدرجون!
تماسك
النظام الإيراني:
بيد
أن هذا النظام المخترق متماسك في داخله، ولهذا أمكنه، وهو في أضعف حالاته، أن
يستمر في المواجهة ولا يرفع "الراية البيضاء"، ويفقد قادته الكبار فلا
يسقط النظام، ويفقد الرئيس الأمريكي الأمل تماما في سقوطه، فهذه دولة المؤسسات،
وإن لم تكن وفق السياق الغربي، والذي ليس واحدا على أي حال!
إن
قوة النظام الإيراني في قدرة مؤسساته على الدفع بالبديل دائما، بدون حدوث فوضى أو
إرباك، وقد كانت هناك تجربة لم ننتبه لها!
قوة النظام الإيراني في قدرة مؤسساته على الدفع بالبديل دائما، بدون حدوث فوضى أو إرباك، وقد كانت هناك تجربة لم ننتبه لها!
لا
يساورني شك في أن الرئيس الإيراني السابق قُتل بمؤامرة خارجية استهدفته، ويبدو أن النظام
تكتم على ذلك لأنه قرر أن يضحي به حتى لا يخسر الدولة إذا قرر الأخذ بالثأر. ومع
ما جرى، فإن القواعد الحاكمة كانت قادرة على اختيار رئيس جديد هو الرئيس الحالي،
دون تصدع النظام أو اضطرابه!
وعندما
خسرت طهران رأسها الأعلى علي خامنئي، كانت للمؤسسة الدينية قواعدها لاختيار من يحل
محله، وجاهزة بالبدائل، وجاهزة كذلك إذا فقدت بديلا وراء بديل، ولهذا فإن الحرب لم
تتأثر باغتيال المرشد الأعلى، وصدقنا الدعاية الإيرانية في البداية بأنه لا يزال
على قيد الحياة، وسوف يلقي خطابا بعد قليل (كما أذاع التلفزيون الإيراني قبل حذف
الخبر).
كما أن
المواجهة لم تتأثر باغتيال وزير الدفاع في الساعة الأولى للحرب، والأمر نفسه يسري
على الحرس الثوري الذي فقد قائده في البداية أيضا.
فكرة
خيالية:
لقد
أثبتت طهران لياقة مؤسساتها في الصمود وعدم الارتباك، ووجود قواعد في اختيار
البدائل، فلا يشعر بالأزمة من لم يصله نبأ اغتيال القادة!
ولهذا
فإن فكرة إسقاط النظام تبدو خيالية، وقد أقر ترامب بذلك ضمنا، ووجه كلامه للشعب
الإيراني بأنه قام بما عليه، وعلى هذا الشعب أن يقوم بدوره، وهي دعوة لإسقاط
النظام بيد الشعب، مع أن هذه هي مهمة حربه، وليس فقط إضعاف النظام الذي يخوض حربا
على جهات عدة، بدلا من أن يختار عدوه بعناية. وقد كان محظوظا بأن إسرائيل من بدأت
العدوان، فلو اقتصر عليها فما ظلم، وهذا أفضل من أن يكون العدوان أمريكيا فقط، فيكون
تحرشه بإسرائيل يفتقد للمنطق!
ما
علينا، بل علينا التأكيد بأن دولة المؤسسات أثبتت قدرتها على الاستمرار، وهذا لا
يتحقق في دولة الرجل الواحد، والتجربة الإيرانية تختلف عن التجربة العراقية مثلا،
حيث سقطت الدولة بسقوط رمزها الأوحد!
دولة
المؤسسات.. سر قوة النظام الإيراني.
x.com/selimazouz1