أسوأ ما في الجدل الذي فجرته وفاة المحامي
مختار نوح، هو
في من أخذوا الموضوع بعيدا، دون نقاش هادئ يحاول تفكيك هذه "الحالة"، لإمكان
فهمها، وكالعادة فقد جرى إهدار قيمة المعلومات على أهميتها!
أحسب أنني أوليت حالة مختار نوح الكثير من الاهتمام، في
محاولة لفهمها، لكن بوفاته فقد كتبت منشورا استدعيت فيه بيت شعر معروفا، عن انتهاء
الخصومة بالوفاة لأمير الشعراء أحمد شوقي؛ "فلا الثائر ملحاح ولا الحقد ثائر".
وهو أمر طبيعي عند بداية العلم بوفاة من كنا نعرفهم، وقد يكون الوقت مناسبا لاحقا للكتابة
باستفاضة عنهم، لكن في كل مرة فإن شذاذ الآفاق يدخلوننا بجهالتهم في جدل عقيم لا
معنى له، فقد انبعث أشقاها يلوم علينا ذلك، باسم أسر الشهداء والمعتقلين، وهو ليس
من أسر هؤلاء أو هؤلاء، لكنه قرر تعيين نفسه حارسا للبوابة الأخلاقية.
وفي المقابل، فإن الطرف الآخر انطلق من أرضية أخلاقية،
منددا بالإخوان الذين يشمتون في الموت، ويهاجمون المتوفى، وتبحث عن إخواني واحد في
دائرة معارفك هاجم أو شمت فلا تجد، لكن القوم يستندون إلى ما يكتبه الحمقى من
إدانة وتقبيح، فيحسبونهم على الإخوان!
على المستوى العام، فإن الراحل مختار نوح لم يكن أخلاقيا
في معركته، وقد استهان بالدماء وسخر منها، ولم يقف عند حدود قيم المجتمع، فلم يسلم
من لسانه معتقل أو مقتول، ولم يراع عشرة أو عيشا وملحا، عندما أدان بيان نقابة
الأطباء الذي نعى عضو مجلس النقابة السابق والطبيب عصام العريان، ولم يكن أبدا
يتحرى الصدق في كلامه، فقد كانت الغاية عنده تبرر الوسيلة، وهذا ما جعلني مشغولا
بمحاولة فهم طبيعة شخصيته.
الرعاية الإخوانية لنوح:
التحول الفكري والسياسي مفهوم، لكن غير المفهوم في حالة مختار نوح هو تملك شهوة الانتقام منه، فلم يراع حرمة الموت، ولم يقف عند حدود الله، وكأنه لم يكن في يوم من الأيام إخوانيا
إنني أتفهم أن يتغير الإنسان، وأن يتحول فكريا أو يتطور،
وقد يكون هذا عن إرادة حرة أو وليد إكراه من نوع ما، وأتفهم أن يكون هذا
التحول قد
دفعت إليه انتهازية، فلم تكن مسيرة مختار نوح حتى وهو في الإخوان مبدئية، لكنه في
فترة من الفترات وجد داخل الإخوان من يرعون هذا الجانب فيه إعجابا، فلما مات عمر
التلمساني ورث بضاعته مأمون الهضيبي، وهي أزمة انبهار بعض كبار السن بهذه النوعية
من الشباب، وقد قال فيه التلمساني إنه بعد عشر سنوات، إن لم يكن مختار نوح هو
المرشد العام للإخوان، فسيكون نقيبا للمحامين، فجعله يعيش أحلام اليقظة، كمقولة
عبد الناصر للقذافي: إني أرى فيك شبابي، التي استنزفت قدرات العقيد في طلعات جوية،
عادت بالضرر عليه وعلى بلاده، فلما تأكد له الفشل، انعطف في "الاتجاه
المعاكس"، فكان كالمنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
أزمة مختار نوح ليست في تحوله، فهذا جائز في أحوال
الناس، وهناك حالات تحول إلى العكس تماما إما خوفا وطمعا، وإما عن قناعة، وقد
استغل الكاتب الإسلامي أنور الجندي الحالة الناصرية فكان جزءا منها، وشارك في كتاب
"إخوان الشيطان"، وألّف الكتب عن زعامة عبد الناصر. والرجل إخواني، ولم
يكن أخلاقيا كخالد محمد خالد الذي رفض المساهمة في حملة الاستئصال هذه، مع أنه ضد
الإخوان، لمبدأ أخلاقي وهو أنهم في السجون!
وقد قال الجندي في الإخوان ما قال مالك في الخمر، إلا
أنه بعد أن ألقت الحرب أوزاها تم اعتماده منظّرا لديهم، واعتمدت أحكامه في الرجال
كمرجعية، وهو الذي انتقم من كل الذين كانوا رجالا في هذه المعركة ومنهم خالد محمد
خالد، ربما لأنهم يذكرونه بأنه لم يكن مبدئيا مثلهم!
الانقلاب الأول لمختار:
فالتحول الفكري والسياسي مفهوم، لكن غير المفهوم في حالة
مختار نوح هو تملك شهوة الانتقام منه، فلم يراع حرمة الموت، ولم يقف عند حدود
الله، وكأنه لم يكن في يوم من الأيام إخوانيا، وكأنه كان عمره كله رفعت السعيد،
وكأنه لم يكن يمثل الوجه السيئ للجماعة في إدارته لنقابة
المحامين، وكأنه لم يكن
الأداة التي دفعت لإنكار التعددية في هذه النقابة العريقة، وسلمها بسوء الأداء،
ممثلا عن الجماعة، للحراسة، فلم تعد إلى الآن إلى ما كانت عليه من قبل؛ قلعة
للحريات، وحصنا من حصون العدالة، عندما كانت تدار من جانب النقباء الليبراليين،
الذين سمحوا بالتعددية، ودافعوا عن حريات الناس بغض النظر عن توجهاتهم!
وهنا يحضرنا الانقلاب الأول في مسيرة مختار نوح، فقد كان
ما شاهدناه في آخر سنوات عمره هو الانقلاب الثاني، فربما بالوعي بتاريخه نقترب
أكثر من تفكيك هذه المعضلة الإنسانية!
إن الذي رعاه في نقابة المحامين كان هو النقيب أحمد
الخواجة، ورعى في الوقت نفسه الشاب الناصري سامح عاشور، وعاملهما كما لو كانا
ابنين من صلبه، وقام بتعديل قانون النقابة لينشئ مركزين لهما، فيما عرف بمقعدي
الشباب في مجلس النقابة، وكانا ضمن قائمته الانتخابية ليفوزا بالمقعدين، وذلك في
سنة 1985!
بيد أن مختار نوح عندما اشتد ساعده في أقل من عشر سنوات
رماه، وذلك عندما حصل الإخوان على أغلبية المجلس (17 من 22) من المقاعد، وجعل منه
طرطورا، يملك ولا يحكم. وقد تولى نوح أمانة الصندوق، وحيث أن الشيكات والصرف لا بد
من التوقيعين فقد أهدر قيمة الخواجة بكل تاريخه أمام المحامين، وكان لما يفعل هوى
لدى التنظيم، وقد كان الأمين العام للنقابة سيف الإسلام البنا (ابن المرشد المؤسس)
ضد هذه السياسة، ومنحازا للنقيب، لكن الإسناد من التنظيم لم يكن له ولكن لسياسة
مختار نوح!
والحال كذلك، فقد كان الحكم القضائي بفرض الحراسة على
النقابة، وظلت لسنوات لا تجرى الانتخابات، وقد تم تعديل قانون النقابات بقانون جعل
الانتخابات تجرى تحت إشراف القضاء؛ الذي عطلها في عدد من النقابات التي سيطر على
مجالسها الإخوان المسلمون، إلى أن رفعت المحامية الشابة فاطمة ربيع دعوى تطلب برفع
الحراسة، وكانت المفاجأة في صدور حكم غير متوقع بذلك من القضاء الإداري.
قصة رجائي عطية:
وهناك أخطاء في المعلومات، وقفتُ عليها خلال متابعتي لمن
كتبوا بعد وفاة مختار نوح عنه، وتصويره كما لو كان اتخذ قرارا خاصا بالوقوف مع
المرشح لموقع النقيب رجائي عطية، وهناك من قالوا إنه فعل من أجل أن يتوسط له
فيخرجه من السجن، ربما لأن الواقعة قديمة، وربما لأنهم رأوا أنه موقف للإخوان لا
يمكن الدفاع عنه، عندما ينحازون لمرشح السلطة، وسيقع المرء في شر أعماله إن حكم
على كثير من الأمور في عهد مبارك من ظاهر الأوراق!
لم يكن أمام الإخوان بعد تجربة الحراسة القاسية إلا أن
يرسلوا إشارات للسلطة بأنهم لا يستهدفون المغالبة، وأنهم مع مرشحها، وهناك إشكالية
خاصة بمختار نوح، أن المنافس وهو سامح عاشور، هو ابن جيله، ونفسيا قد لا يقبل أن
يكون الرجل الثاني في عهده، ولن يمكنه عاشور من أن يلعب أدوارا تتجاوزه، كما المساحة
التي سيتركها له مرشح السلطة رجائي عطية!
كان الحزب الوطني، ولأول مرة في تاريخ النقابة، يعلن أن
رجائي عطية هو مرشحه، وأدنت أنا هذا في حينه، ويبدو الهدف من هذا الإعلان هو إرضاء
للرئيس مبارك من ناحية، وضرب عطية في مقتل -بهذا الإعلان- من ناحية أخرى!
ورجائي هو مرشح الرئيس مبارك، فهو محامي نجليه في القضية
التي رفعاها على المؤسسة السعودية للنشر، لأن مجلة "المجلة" نشرت تقريرا
عنهما، كتبه الصحفي
المصري سيد عبد العاطي، وكان هذا في مرحلة مبكرة، إذ كانا بعيدين
عن السياسية، وكان الاقتراب منهما ولو بالنشر المؤيد مخاطرة!
ولم تكن الدائرة المختصة بإدارة الملف متحمسة لهذا
الترشيح، مثل رئيس البرلمان فتحي سرور، ووزير العدل فاروق سيف النصر، وكمال
الشاذلي، لأن رجائي عطية شخص مندفع، ويرى نفسه قيمة كبيرة، ولن يكونوا هم أوصياء
عليه، فهو يعرف الطريق لمبارك، وكان لا بد من "ألاعيب شيحة"،
و"الضرب تحت الحزام"، فلا يظهروا في صورة من يرفضون خيار الرئيس وفي
الوقت ذاته يعملون على إسقاطه!
ونقطة قوة رجائي عطية في تأييد الإخوان له، ولا يستطيع
رجال النظام أن يبرموا مع الجماعة اتفاقا بالوقوف مع سامح عاشور، قد يتسرب ويصل
للرئاسة!
لقد كانت قضية النقابات، حيث تم إلقاء القبض على عدد من النقابيين
الإخوان، من بينهم مختار نوح، بأغرب اتهام، وهو الاستعداد لخوض الانتخابات، وأدنتُ
هذا التصرف في حينه في مقال لي وربما أكثر!
وفي السجن تم إغراق الزنزانة بالمياه، ومُنع عن
المعتقلين دخول بطاطين، وحاول رجائي عطية زيارتهم، لكنه فشل في رسالة لا تخطئها
العين، وطلب سامح عاشور ذلك، فسُمح له، وبدا كما لو كان يلقي تعليمات لإدارة
السجن، فيتم تحسين أوضاعهم وهو ليس أكثر من مرشح، وتبدو الصفقة جاهزة للإفراج عنهم
مقابل وقوفهم معه وقد تبين لهم مع من تقف السلطة!
ولم يرضخ مختار نوح لهذه السياسة، وكتب رسالة من محبسه
ربما هناك من صوروها ووصلتني نسخة منها وحملت عنوان: "ليست الشفاعة ما
نريد"، وما فيها دليل على الصمود. واستمر سجنهم!
الإخوان وإدارة الملف:
وكان طبيعيا أن يكلف الإخوان آخرين بإدارة الملف، وربما
كان هذا على غير رغبة مختار نوح، وقد نقل عنه قوله: أنا من صنعت الإخوان في نقابة
المحامين. وتلقى ردا: نحن من صنعناك. وكانت التجربة خير برهان، فمن أداروا
الانتخابات أثبتوا بالأصوات التي تحصل عليها مرشحو الإخوان أن عامل النجاح هو لاسم
الجماعة وليس لشخص ولو كان في حضور مختار.
وخرج مختار نوح من محبسه إخوانيا تم تجميد عضويته، لكنه كان
حريصا على الاستمرار في الجماعة، ولا يريد أن يغضبها بشطر تصرف، وعندما خضتُ
الانتخابات البرلمانية في 2005، قال إنه يمكن أن ينزل معي الدائرة في جولاتي
الانتخابية، شريطة ألا يشارك في مؤتمر عام؛ "إخواننا يزعلوا"، وقال لي
إنه حريص على استمرار عضويته ولا يريد أن يستفزهم فيخسرها.
كان هذا في انتخابات جديدة للمحامين، والملف ليس معه،
فقام بمناورة؛ إذ ذهب لرجائي عطية مؤيدا، وفعل الأمر نفسه مع المرشح عاشور المنافس
الذي وعده بالوقوف معه ليفوز بموقع نقيب محامي القاهرة التي ستجرى انتخاباته بعد الانتخابات
العامة، ولم يكن مختار نوح يملك إلا صوته، فالملف في يد آخرين على رأسهم جمال تاج
وطوسون!
وخاض انتخابات نقابة المحامين في القاهرة، ولم يقف معه
عاشور، ووقف الإخوان ضده، فسقط سقوطا غير مشرف، فتفاقمت أزمته النفسية!
إن ابن جيله سامح عاشور ينجح للمرة الثانية نقيبا لمحامي
مصر، بينما يعجز هو عن أن يكون نقيبا لنقابة فرعية، ولو شق طريقه بعيدا عن
الإخوان، فربما لم يكن سيحقق هذا النجاح المبكر، لكنه سيكون منافسا قويا بالتراكم،
وهو لا تنقصه الكاريزما، أو الدهاء، أو حتى بشاشة الوجه وحسن الاستقبال.
واستمر إخوانيا مجمد العضوية، حتى قامت الثورة. كان يقول
إنه إخواني في خدمة جماعته، وبدا الإخوان يمعنون في إذلاله، فهم لن يُهزموا بعد
اليوم من قلة، والجميع يخطب ودهم، وبدوا في حرص على التخلص من جيل السبعينات، الذي
وإن كان ينسب له الفضل في البعث الثاني للجماعة، فإنه لم يمر بالطرق التقليدية
لعضوية الجماعة، وبدا جيل جديد هو من يتمدد في المشهد، وشخصيات جاءت من الخارج
محمولة جوا. كان مشهدا غريبا حتى علينا نحن الصحفيين المتخصصين في الملف. من هؤلاء
الناس؟ لا نعرف!
وفي إدارتي لجريدة الأحرار، ومع أني منحاز لترشيح عمرو
موسى، فقد وضعت قاعدة، أعتقد أنها جديدة، فمع تعدد المرشحين الرئاسيين، فكل من يؤيد
مرشحا من الزملاء الصحفيين يقوم بتغطية حملته، وبدأت تحدث احتكاكات مع حملة الرئيس
محمد مرسي، التي كانت تنظر للصحفيين بشيء من الريبة، وفي هذه الحالة يكون اتصال
الصحفي بجريدته لتمكينه من مباشرة عمله. من عندك؟ لعلي أجد من أعرف للحديث معه،
فإذا هي أسماء غريبة علي!
سألت مختار نوح إن كان هو يعرف أيا من هذه الأسماء من
قبل؟ فأجاب بالنفي، وأجرى معه أحد الزملاء حوارا، وسأله: متى اتصل علمه بالمرشح
الرئاسي الدكتور محمد مرسي؟ فقال إنه لم يسمع به سوى هذه الأيام. ولعله كان مبالغا.
لكن وهو يرى الدنيا مقبلة غير مدبرة على الإخوان، وهو
يعامَل كخيل الحكومة، فهذه ربما ضغطت على معنوياته، وكان يبحث عن ميدان يمارس فيه
شهوة الانتقام، وجاءته الفرصة بعد الانقلاب العسكري!
الموقف من عبد الحارث مدني:
أتفهم أن تسيطر شهوة الانتقام على مختار نوح، وقد جاءته الفرصة على طبق من ذهب بالانقلاب العسكري، لكن ما لا أستوعبه هو الحالة التي وصل إليها، فلم يشكك أحد في دينه، لتروى قصص متناقضة عن المشهد الأخير توحي بتدينه، فقد كان ملتزما بأداء الطقوس الدينية محافظا عليها، لكن بئس التدين الذي لا يصون إنسانية الإنسان!
وهناك نقطة خاصة بالأخطاء المعلوماتية، حيث نُسبت له
أدوار في قضية مقتل المحامي عبد الحارث مدني، لدرجة أن قريبا كتب أنه يعزي في
مختار نوح لموقفه من قضية مقتل قريبه، وهناك تفاصيل لم تكن مكشوفة إلا لمن تابعوا
هذا الملف الذي طال عليه الأمد!
عبد الحارث مدني محام ينتمي للجماعات الإسلامية، وقد
تعرض للتعذيب في مباحث أمن الدولة فلقي حتفه، فقامت الدنيا ولم تقعد، وكان هذا في
منتصف التسعينات، واختفى مختار نوح بحجة إجراء عملية جراحية، ونُشرت صورته على
سرير أحد المستشفيات الخاصة!
بدا لي إنه هروب، وحتى لا تتورط النقابة في موقف متشدد،
وهي حسابات مرتبطة بموقف تنظيمه، الذي كان يصف الجماعات الأخرى بالإرهابية، وكثيرا
ما كان طلاب
الاخوان يدخلون مع طلاب الجماعات الأخرى في مواجهات خشنة في الجامعات،
قبل أن تخلوا الساحة تماما للإخوان!
كان أداء مختار نوح يدور في دائرة الإخوان، ويرى
الإسلاميين الآخرين منافسا إن لم يكونوا خصما، وكانوا قلة ينكرهم نوح، وينصفهم غير
الإسلاميين، وكانت ندوات المحامين يدعى لها قيادات الجماعة ومنهم المرشد العام
الشيخ حامد أبو النصر، وعندما أرادت جماعة المحامين الإسلاميين دعوة الشيخ عمر عبد
الرحمن رفض مختار نوح، ووافق النقيب أحمد الخواجة، فكان حضوره تحت مظلة النقيب!
وعندما احتدم الأمر في مقتل عبد الحارث مدني، كانت
الدعوة لمسيرة من نقابة المحامين لقصر عابدين تسجل الاعتراض على مقتله تحت
التعذيب، وجاء مختار نوح من سرير المرض يحاول وقف الزحف، لكن الحضور كان أكبر من
مجابهته، وحاول نقيب المحامين أن يثنيهم عن هذه الخطوة دون جدوى، ويبدو أن بينه
وبين وزير الداخلية اتصالات، وعلم أن القرار هو عدم السماح بالمسيرة تحت أي ظرف!
كانت قوات الأمن تحاصر نقابة المحامين، وبشكل يوحي بأنها
الحرب، وقرر مختار نوح ركوب الموجة، لعل هذا يمكنه من كسرها وكان من بين الذين
تصدروا المشهد، وما أن وضع المحتجون أقدامهم خارج النقابة، حتى قُصفوا بالقنابل
المسيلة للدموع بدون رحمة، وتم إلقاء القبض على عدد من المحامين، من بينهم مختار
نوح ومنتصر الزيات. وخرج نوح مبكرا نسبيا عن الزيات، ولعلهما تقاربا هناك، وكان
الزيات يترشح لعضوية مجلس النقابة فلا ينتخبه الإخوان.
إنني أتفهم أن تسيطر شهوة الانتقام على مختار نوح، وقد
جاءته الفرصة على طبق من ذهب بالانقلاب العسكري، لكن ما لا أستوعبه هو الحالة التي
وصل إليها، فلم يشكك أحد في دينه، لتروى قصص متناقضة عن المشهد الأخير توحي بتدينه،
فقد كان ملتزما بأداء الطقوس الدينية محافظا عليها، لكن بئس التدين الذي لا يصون
إنسانية الإنسان!
إن كل ما أخذناه في الإخوان من هيمنة، وسيطرة، وانحيازهم
لقضاياهم هم فقط، كان مختار نوح هو الممثل لكل ما نرفضه ونتحفظ عليه، وكان يكتب
على مذكراته القانونية الآية القرآنية "إن الحكم إلا لله" بذات توظيف
الخوارج لها، ورواها في مناظرة للاستفزاز في مرافعة قضائية أمام المستشار سعيد
العشماوي في قضية خاصة بالمعتقلين، فقال له: كلمة حق يراد بها باطل. وللعشماوي
كتابات حول الموضوع، بيد أن الدفاع تدخل وطلب من المحكمة تجاوز الموضوع.
هل نجحت في تفكيكه؟.. أشك!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.