هندسة الوعي (22): البحث عن الغاية من كمشيش إلى رابعة

مصطفى خضري
"رُجت العقول والضمائر رجاً عنيفاً بمشاهد الدخان، والجثث، والحرائق في رابعة والنهضة"- جيتي
"رُجت العقول والضمائر رجاً عنيفاً بمشاهد الدخان، والجثث، والحرائق في رابعة والنهضة"- جيتي
شارك الخبر
تولد النفس البشرية محملة بوعي فطري حار، يدفعها دوماً لطرح السؤال الأكثر إلحاحاً وعمقاً في مسيرة الإنسان: ما الغاية من وجودي؟

إن البحث عن المعنى ليس مجرد ترف فكري، بل هو حاجة بيولوجية ونفسية ووجودية صارمة؛ فالإنسان لا يمكنه العيش في فراغ روحي، ويعجز عن ممارسة حياته اليومية دون مظلة من القيم والـغايات العظمى التي تبرر له شقاء السعي، وتمنحه مبرراً للموت أو التضحية. وحين تنهار المنظومات القديمة وتتحطم السرديات الموروثة، يصاب المجتمع بما يُعرف في علم النفس بالفراغ الوجودي، وهي حالة من التيه الجمعي تصبح فيها القلوب عارية، ومستعدة لاستقبال أي عاصفة.

هنا تحديداً، يتحرك مهندس الوعي في هذا الفراغ بهدوء من يعرف أين يضع قدمه؛ فهو لا يستهدف العقول بالبراهين المنطقية، بل يستهدف ذلك الفراغ الروحي الكارثي ليزرع فيه ما يشاء قبل أن يستفيق صاحبه.

والسلوك الناتج عن هذه الهندسة هو واحد من أعقد وأخطر الأمراض السلوكية التي تصيب المجتمعات، وهو العبودية الأيديولوجية. في هذه المرحلة، يتم اختطاف نبل الإنسان ورغبته الفطرية في نصرة الحق، لتتحول الأيديولوجيا المصنوعة إلى هوية وجودية مقدسة وبديلة عن الذات؛ فيصبح الدفاع عنها دفاعاً غريزياً، وتتحول المساحات الفكرية الرحبة إلى ساحات من العدوانية الشرسة وتخوين كل من يشكك في هذا المعنى المفتعل، خوفاً من الارتداد مجدداً إلى الفراغ والعدمية.

من الناحية العلمية، يستند هذا الاستلاب الوجودي إلى ركائز تفسيرية متينة في علم النفس والسوسيولوجيا المعاصرة؛ وتأتي في مقدمتها نظرية إدارة الرعب، والتي تُفسر كيف يتحول الدفاع عن الأيديولوجيا إلى معركة بقاء غريزية. فالإنسان حين يواجه الفراغ الوجودي الحاد الناتج عن غياب الغاية أو التهميش، يتشبث بمنظومته الفكرية باستماتة عارمة لأنها خط دفاعه الوحيد ضد الشعور باللا جدوى، ويصبح أي تشكيك في هذه المنظومة بمثابة جرس إنذار يزلزل أعماقه، مما يفجر لديه طاقة عدوانية شرسة ضد المخالفين.

يستند هذا الاستلاب الوجودي إلى ركائز تفسيرية متينة في علم النفس والسوسيولوجيا المعاصرة؛ وتأتي في مقدمتها نظرية إدارة الرعب، والتي تُفسر كيف يتحول الدفاع عن الأيديولوجيا إلى معركة بقاء غريزية

هذا التيه حذر منه مؤسس العلاج بالمعنى، عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل، واصفاً إياه بالفراغ الوجودي؛ حيث يؤكد أن العقل البشري يعجز سيكولوجياً عن العيش دون غاية، وإذا حُرم من المعنى الأصيل، فإنه يسقط طواعية في شرك الأيديولوجيات الشمولية الصلبة لتعوضه عن ضياعه النفسي. ويتوّج هذا التحول ما يُعرف بسوسيولوجياً اندماج الهوية، وهي حالة تذوب فيها الحدود النفسية الفاصلة بين الذات الفردية والمنظومة الجمعية، بحيث يصبح نقد الأيديولوجيا في وعي الفرد موازياً تماماً لاعتداء جسدي مباشر على شخصه، مما يمنحه مبرراً سيكولوجياً كافياً لممارسة القمع والتنكيل بالآخرين دون أدنى شعور بوخز الضمير.

وقد كانت حقبة الستينيات من القرن الماضي مسرحاً لأشرس الأيديولوجيات التي تبنتها الأنظمة الحاكمة في مصر، حيث كان المجتمع المصري يعيش مخاضاً وجودياً هائلاً. جرى تفكيك بنيان العهد الملكي بالكامل، وحُلت الأحزاب السياسية التقليدية، وأُزيحت النخب الفكرية والاجتماعية القديمة التي كانت تُشكل ملامح الهوية الموروثة. وجد الشباب المصري أنفسهم فجأة في فضاء جديد تماماً، مجردين من الروابط التقليدية، ولديهم جوع عارم لمعرفة: من نحن في هذا العالم الجديد؟ وما هو دورنا الكوني؟

أدرك مهندس الوعي في السلطة الناصرية أن بقاء هذا الجيل بلا معنى كلي يشكل خطراً وجودياً على النظام؛ فالشباب المفرغ من الغاية هو مادة خام قابلة للانفجار أو التمرد. لذا، تحركت أجهزة الدولة المؤسسية لملء هذا الفراغ الروحي عبر ذراعها الفكري الأخطر: منظمة الشباب الاشتراكي.

ولم يكن اختيار الاشتراكية من قِبل مهندس الوعي الناصري مجرد ترف فكري أو خيار اقتصادي بحت، بل كان مناورة سيكوسياسية بالغة الذكاء صيغت بدقة لفك تشابكات السلطة الجديدة؛ فالرئيس جمال عبد الناصر كان يسعى بحسم للخروج من عباءة جماعة الإخوان المسلمين والتحرر من تحالفه المرحلي معهم بعد أن استنفد غرضه السياسي منهم في مرحلة القضاء على العهد الملكي وتثبيت أركان يوليو. من هنا، كان النظام بحاجة ماسة إلى مظلة فكرية بديلة تكون أبعد ما تكون عن الفضاء الديني -لكي يقطع الطريق تماماً على أي منافسة- وفي الوقت ذاته، تمتلك هذه الأيديولوجيا البديلة (الاشتراكية) طاقة مغناطيسية هائلة وقدرة فائقة على استقطاب وتجييش الملايين من فقراء الريف والمهمشين الذين سحقهم العهد البائد. لقد قدّم المهندس للاشتراكية بوصفها الدين الجديد للعدالة الاجتماعية، فاستبدل الهوية الدينية التقليدية بهوية طبقية حادة، محولاً ملايين الكادحين من مجرد باحثين عن لقمة العيش إلى جنود عقائديين مستعدين لافتراس أي خصم يهدد مكتسباتهم الثورية الجديدة.

لم تكن المنظمة مجرد كيان لتنظيم الرحلات الصيفية أو الأنشطة الرياضية، بل كانت مفرخة سيكولوجية مصممة بدقة لصياغة العقيدة البديلة. في معسكرات حلوان المعزولة، جرى تقديم الميثاق الوطني لعام 1962 لشباب الجامعات والمثقفين ليس باعتباره برنامجاً سياسياً خاضعاً للنقاش، بل كنصّ معصوم وفائق القداسة يفسر التاريخ، ويحدد الحاضر، ويرسم المستقبل.

جرى ضخ كميات هائلة من الشحن الوجداني المقنن لإقناع الشاب الطبيعي بأنه ليس مجرد طالب عابر، بل هو الطليعة الثورية المصطفاة المقدر لها قيادة معركة التاريخ ضد قوى الشر المتمثلة في الإمبريالية والرجعية والإقطاع. وهكذا وجد الشاب ضالته دون أن يدري أنه وقع في فخ مُعَدّ له، وتخلص من ألم الفراغ الوجودي ليرتمي في أحضان العبودية الأيديولوجية الاشتراكية الجديدة.

لكن المعاني النظرية المطبوعة في الكتب تظل باردة ما لم تُعمّد بالدم والدموع، وما لم تُمنح وجهاً إنسانياً وقضية ملموسة يعيشها الأتباع. وهنا وفرت الجغرافيا لمهندس الوعي لقطته التاريخية المثالية: حادثة كمشيش في أيار/ مايو 1966.

في قرية كمشيش التابعة لمحافظة المنوفية، قُتل الشاب صلاح حسين، أحد أعضاء الاتحاد الاشتراكي في القرية وشقيق مصطفى حسين الذي كان صديقاً شخصياً مقرباً جداً من شوقي عبد الناصر (شقيق الرئيس). هذه الصداقة وطيدة لدرجة أن شوقي كان يتردد على منزل الأسرة في كمشيش، وهو ما منح الحادثة ثقلاً سياسياً يتجاوز حدودها الجنائية بكثير.

كان صلاح حسين يعيش وهْم الثوري المحرك للفلاحين ضد بقايا النفوذ الإقطاعي لملاك الأراضي القدامى بالقرية. ولم تكن الحادثة في أصلها إلا مشكلة محلية يحدث مثلها العشرات يوميا في أعماق الريف المصري، لكن مهندس الوعي في الإعلام وأجهزة التنظيم الطليعي التقط الحادثة فوراً، ونقلها من سياقها الجغرافي الضيق ليصنع منها المظلومية الوجودية الكبرى للثورة الاشتراكية، ثم استخدمها ليصنع منها الأنماط البشرية اللازمة لتغذية الأيديولوجية الجديدة كالتالي:

 أولاً: صناعة الإنسان الأداة

حين وقعت حادثة كمشيش في ربيع عام 1966، وسقط الشاب صلاح حسين صريعاً، لم تكن الواقعة في حقيقتها سوى حلقة من حلقات الصراع الريفي التقليدي على الأرض والنفوذ، وهو أمر تشهده القرى المصرية بانتظام. لكن خطورة ما جرى لم تكمن في الجريمة ذاتها، بل في الكيفية التي التقطت بها أجهزة الإعلام والتوجيه الفكري في الدولة، هذه الجريمة التي لم تكن في حجمها الحقيقي أكثر من شجار قروي. لقد نُزعت الحادثة نزعاً من سياقها الجنائي المحلي، ونُفخ فيها ببوق السلطة، لتتحول بين عشية وضحاها إلى معركة وجودية حاسمة يُفرز على أساسها الناس وتُفتش فيها الضمائر.

وفجأة، وجد الشباب أنفسهم مجرّدين من ترف التمهل، أو التثبت، أو حتى إعمال أدوات المنطق البسيط. صُمم المشهد العام بقسوة بالغة ليفيد بمعادلة صفرية لا تقبل الجدل: إما أن تنخرط في طوفان الغضب وتتبنى السردية الرسمية دون نقصان، وإما أنك جبان خلوٌ من المروءة، أو رجعي متواطئ مع القتلة وخصوم الشعب الكادح. في ذلك المناخ اللاهب، تحول التفكير العقلاني الطبيعي، الذي يتلمس مواطن الحقائق، إلى خطيئة كبرى وخيانة صريحة للطليعة الاشتراكية ولدم الشهيد الذي عُلق في رقاب الجميع كأمانة لا تقبل التردد.

وهنا تحديداً نصل إلى المأساة الإنسانية في أعمق تجلياتها؛ ففي ذلك المناخ المعبأ الذي يصرخ فيه الشباب بنبرة السلطة وبصوت عبد الناصر، ويتحركون بإيقاع منضبط كعقارب الساعة، تصبح حادثة القتل العادية صراعاً على الهوية والانتماء. والنتيجة المفجعة التي تدمي قلب أي مراقب منصف، هي أن ذلك الشاب الذي لم يكن في أصله إلا صاحب نية صادقة وسط ناس بسطاء، الذي دفعه حبه الحقيقي للفقراء ورغبته الصادقة في رفع الظلم عن البؤساء إلى ساحات العمل العام أول الأمر، يتحول في نهاية المطاف إلى مجرد كرباج في يد السلطة.

هذا الشاب نفسه، الذي ربما كان يكتب قصائد الحب أو يناقش الروايات الإنسانية بالأمس، ينزل اليوم إلى القرى والنجوع ليدعم لجان تصفية الإقطاع، ليشجع اقتحام البيوت الآمنة في الفجر، ومصادرة الممتلكات، والتفتيش في ضمائر الفلاحين وملاك الأراضي القدامى، ناظراً في أعين النساء والأطفال المذعورين دون أن يطرف له جفن. وهو يفعل ذلك كله وهو مطمئن النفس، مستريح الضمير، يظن واهماً أن قسوته تلك هي منتهى النبل الإنساني، وأن بطشه بالناس تحت عباءة السلطة وباسم حتمية الحل الاشتراكي هو التجسيد الأسمى للثورية وحماية أحلام البؤساء. لقد نجحت الماكينة الناصرية في تخدير حسه البشري، وذلك كذبا باسم المصلحة العليا للقضية.

 ثانياً: صناعة العقل التابع

وإذا كانت الخطوة الأولى قد نجحت في تحويل الشاب الفطري إلى مجرد كرباج في يد النظام، فإن الضمانة الوحيدة لاستمرار هذا الوضع هي تأميم العقل نفسه وتحويله إلى عقل تابع. والتبعية هنا لا تُفرض بالقسر أو بالإكراه الفج، بل تُقدّم للشاب في صورة صفقة وجدانية مريحة وأمام هذه الصفقة لا يجد الشاب في نفسه ما يردّه. هي مقايضة نفسية غير مكتوبة: تنازل طواعية عن حقك الفطري في السؤال والشك والتحقق، واقبض في المقابل يقيناً مطلقاً، وهوية براقة تجعلك في صدارة المشهد فوق الآخرين.

وفي تجربة كمشيش، تجلت هذه المقايضة في صورة التبعية الفكرية. فلم يكن مسموحاً لأي شاب في منظمة الشباب أن يقرأ الحادثة كواقعة جنائية ريفية تحتمل الخطأ والصواب، أو أن يتساءل عن ملابسات الصراع المحلي بعيداً عن ضجيج التوجيه السياسي. كان المطلوب هو صب الواقعة صباً في قالب الأيديولوجيا الجاهز: معركة كونية لا رمادية فيها، يقف فيها الخير الاشتراكي كله في مواجهة الشر الإقطاعي كله. ورفضت العقول الشابة بدون وعي أن ترى في كمشيش أي رواية أخرى غير تلك التي أقرها التنظيم الطليعي.

والحق أن الخوف هو الذي كان يحرك هذا العقل التابع ويوجهه؛ الخوف المرعب من سقوط الصنم الفكري الذي بناه مهندس الوعي في غفلة من الزمن. فلو سمح الشاب لنفسه للحظة واحدة أن يسأل، أو يستوثق، أو يطالب بدليل، ولو تسرّب الشك إلى عدالة رواية التنظيم، لانهار السقف الأيديولوجي الذي يحتمي تحته، ولارتد فجأة إلى مربع الفراغ واللا جدوى الذي فرّ منه أول مرة.

لذلك، وبدافع غريزي غريب، يصبح العقل التابع هو الحارس الأول لرواية السلطة؛ فيرفض الأدلة، وينكر الوقائع العارية، ويغمض عينيه باستماتة عن أي حقيقة تعكر صفو يقينه الذي صنع على عين عبد الناصر. لم يعد عقلاً يمارس وظيفته الإنسانية في التمحيص والبحث عن الحق، بل تحول إلى محامٍ شرس يدافع عن السردية الرسمية، ليس لأنها حقيقية بالضرورة، بل لأنها غدت المبرر الوحيد المتبقي لوجوده وقيمته بين البشر.

ثالثاً: صناعة النفس الهشة

والحق أننا إذا أردنا أن ندرك مدى الجرح الغائر الذي أصاب الوجدان المصري في تلك الحقبة، فعلينا ألا نكتفي بقراءة الشعارات الرنانة في الصحف، بل علينا أن ننبش في دفاتر السجلات القضائية وتحقيقات النيابة العامة الموثقة التي جرت لاحقاً؛ فهناك خلف الستار، تسقط كل الأكاذيب الأيديولوجية البراقة لتكشف عن فظائع تدمي القلوب التي مازالت حية.

لقد كشفت شهادات وتقارير لاحقة -نُشرت أثناء محاكمة تجاوزات تلك الحقبة- عن حجم الجحيم الذي صُب صبّاً على أفراد أسرة الفقي التي تم اتهامها في حادثة كمشيش. ولم يكن الأمر مجرد إجراءات استثنائية أو تحفظ سياسي كما روجت الآلة الإعلامية حينها، بل كان وكأن القوم قرروا أن يبدأوا من الصفر في تعريف ما يجوز فعله بالإنسان. وثّقت هذه الشهادات ممارسات من الضرب المبرح، والتعذيب المنظم، والإهانات الحاطة بالكرامة الإنسانية لانتزاع الاعترافات. لقد تحولت أقبية التحقيق إلى مسارح للثأر السياسي، حيث سعى النظام ليس فقط إلى إدانة المتهمين، بل إلى إذلال كل العائلات الكبيرة في صورة هذه العائلة وكسر كبريائها بالكامل، مستخدماً كل أدوات القمع الوحشي المتاحة في ترسانة دولة الاستبداد الاشتراكية.

هنا تجلت عملية صناعة النفس الهشة في صورتها الناصرية، ليس فقط في نفوس الضحايا الذين هُشمت آدميتهم، بل في نفوس المجتمع بأكمله الذي روعته هذه الأنباء؛ وفي نفوس شباب التنظيم أنفسهم الذين جرى تدريب نفوسهم على البلادة الوجدانية. لقد أفرغت الماكينة الناصرية نفوس هؤلاء الأتباع من أي رحمة فطريّة؛ فحين يتم تصوير الخصم السياسي أو الاجتماعي على أنه شيطان إقطاعي مجرد من الإنسانية، يصبح كل تنكيل به -مهما بلغ فجوره وخسته- مباحاً بل ومطلوباً.

المأساة الإنسانية الكبرى هنا، هي أن تلك الأحداث الموثقة بالدموع والدم في مضابط النيابة، جرت تحت سمع وبصر، وبتشجيع من كائنات مخدرة كانت بالأمس القريب تتحدث عن اليوتوبيا، وعن كرامة المواطن، وعن مجتمع الكفاية والعدل. لقد أفلح مهندس الوعي في تعطيل البوصلة الأخلاقية الفطرية عند هؤلاء الأتباع؛ فالنفس التي تشبع وعيها بسردية العدو المطلق تفقد قدرتها على رؤية الألم الإنساني في عيون الخصم، وتُصنّف التنكيل به تلقائياً في خانة الواجب الثوري لا في خانة الجريمة الأخلاقية.

رابعاً: صناعة الكائن الوظيفي

ولم يقف الحد بمهندس الوعي الناصري عند حدود التعبئة المحلية وتجنيد الأنفس داخل ريف المنوفية، بل مضى شوطاً أبعد حين أراد إضفاء صبغة العالمية على السردية المصنوعة؛ فالحاجة إلى تثبيت المعنى المفتعل لدى الأتباع تتطلب دائماً إشعارهم بأن معركتهم الصغيرة ليست معزولة في عتمة النسيان، بل هي جزء من ملحمة كونية كبرى تحظى بمباركة أقطاب الأرض. ومن هنا، تحولت قرية كمشيش التي لم يسمع بها أحد قبل أن تُحوِّلها السلطة إلى رمز إلى ما يشبه المسرح السياسي المفتوح، وكعبة اشتراكية تحج إليها وفود اليسار العالمي.

سارعت أجهزة الدولة إلى تسويق الحادثة خارجياً بوصفها ستالينجراد المصرية، ومعقل الثورة الفلاحية في الشرق الأوسط التي تقف في خط المواجهة الأول ضد الإمبريالية وحلفائها. وبتوجيه رفيع المستوى من قمة السلطة، بدأت وفود الاتحاد السوفييتي والاشتراكيات اللاتينية تتقاطر على القرية المنسية. جاء خبراء البروباغندا من موسكو، ورفاق كاسترو وجيفارا من هافانا، ليمشوا في الشوارع غير الممهدة، ويلتقطوا الصور التذكارية مع الفلاحين، ويشدوا على أيدي قادة منظمة الشباب، باحثين في ريف مصر عن تجسيد حي لنظريات ماركس ولينين حول صراع الطبقات.

في هذا المناخ المعبأ بالبهرجة السياسية، اكتملت صناعة الكائن الوظيفي في صورتها النموذجية؛ فلم يعد الشاب الاشتراكي يرى نفسه مجرد ابن قرية أو طالب جامعي يدافع عن قضية فلاح محلي، بل شعر -وهو يرى سفراء الستار الحديدي ورموز الثورات اللاتينية ينحنون إجلالاً لدماء كمشيش- أنه بات حجرا في بناء التاريخ الكوني، وشريكاً في صياغة مصير البشرية جمعاء.

هذا الزهو الخارجي وفّر للأتباع تخديراً وجدانياً مضاعفاً، وحصانة نفسية مطلقة ضد أي مراجعة أخلاقية؛ فالاعتراف الدولي القادم من كبرى عواصم الاشتراكية غسل في عيونهم كل الخطايا والفظائع التي اقترفتها لجان تصفية الإقطاع خلف الكواليس. لقد تحول هؤلاء الشباب إلى كائنات وظيفية بامتياز؛ أجساد وعقول تؤدي أدواراً مرسومة بدقة في رواية تُعرض على شاشات العالم، يستقبلون الوفود الأجنبية، ويرددون الشعارات المترجمة، ويعرضون أمام الضيوف يوتوبيا ريفية مزيفة، بينما هم متغافلون تماماً -عن عمد أو غير عمد- عن حقيقة أن قريتهم، ودماء ولدهم، ونواياهم الطيبة نفسها، قد جرى تحويلها جميعاً إلى ورقة مناورة رخيصة في اللعبة السياسية.

والحقيقة القاسية أن كتالوج السلطة في مصر لم يتغير كثيراً على مدار نصف قرن؛ فالمشهد الذي هندسه النظام في كمشيش خلال الستينيات، هو ذاته المشهد الذي استُدعي بحذافيره في صيف عام 2013 إبان أحداث رابعة والنهضة. تغيرت الأسماء واللافتات، لكن العقلية الحاكمة ظلت واحدة. في المرتين، كان الهدف هو شق المجتمع طولياً، ووضع الناس أمام خيار صفري لا يترك أي مساحة للعقل أو مراجعة الضمير؛ فمن صُوروا في الستينيات باعتبارهم مصاصي دماء الفلاحين وخصوم الطليعة الاشتراكية، هم أنفسهم من جرى تصويرهم في العصر الحديث باعتبارهم قوى الشر الذين يهددون وجود الدولة ذاته.

الحقيقة القاسية أن كتالوج السلطة في مصر لم يتغير كثيراً على مدار نصف قرن؛ فالمشهد الذي هندسه النظام في كمشيش خلال الستينيات، هو ذاته المشهد الذي استُدعي بحذافيره في صيف عام 2013 إبان أحداث رابعة والنهضة

والمخيف هنا ليس قسوة أجهزة الأمن فحسب، بل نجاح الماكينة في تخدير الحس البشري الطبيعي لدى قطاعات واسعة من المثقفين والطيبين. فمن برروا بالأمس سحل عائلات بأكملها في ريف المنوفية وغيرها وتفتيش ضمائرها باسم المصلحة العليا للثورة، هم أنفسهم -أو من ورث وعيهم وجيناتهم الفكرية- الذين وجدوا لأنفسهم مبررات وطنية تسوغ الصمت، أو حتى التشفي والترحيب، أمام المذابح الرهيبة في رابعة والنهضة. لقد نجح مهندس الوعي السلطوي في الحالتين في زراعة رعب وجودي داخل النفوس، جعل ملايين المواطنين يتنازلون عن فطرتهم المستقلة طواعية، ليتحولوا إلى مجرد شهود زور أو كرابيج في يد سلطة تبطش بالآدميين، وهي تقنعهم بأن هذا القتل هو السبيل الوحيد لإنقاذ الوطن.

وثمة سر أعمق في خطة مهندس الوعي يفسر لنا تلك القوة المغناطيسية الساحقة التي تجعل الجماهير تنساق وراء السرديات الرسمية؛ يكمن هذا السر في دمج ثغرة البحث عن المعنى الوجودي بما يُعرف في علم النفس السوسيولوجي بعقيدة الصدمة.

فالإنسان في أحواله العادية يملك جداراً نقدياً ومصفاة وجدانية يُمحّص بها الأفكار، لكنه حين يُفاجأ بصدمة عنيفة ومروعة تزلزل أركان عالمه، يصاب الوعي الجمعي بحالة من الذهول والسيولة النفسية المؤقتة. ينهار مع الصدمة كل ما كان مستقراً من قناعات، ويقف العقل عاجزاً ومذهولاً أمام هول الحدث.

 هنا تحديداً، وفي تلك الأوقات الحرجة من التيه والذعر، لا يترك المهندس الضحية لتسترد أنفاسها أو تفكر، بل يسارع بتقديم المعنى الجاهز والسردية المعلبة كطوق نجاة وحيد يقي النفس من الجنون أو من السقوط في جحيم الفوضى.

في كمشيش، كانت الصدمة هي تضخيم حادثة قتل الشاب المؤيد للسلطة صلاح حسين، مصحوباً بضجيج إعلامي مرعب يصور الأمر كبداية لانقلاب إقطاعي يتربص بالجميع؛ وتحت وطأة هذا الذهول، قُدِّم الحل الاشتراكي والتنظيم الطليعي فوراً كالمعنى الوحيد الكفيل بصد المؤامرة، فالتقفته العقول الفتية بلهفة الخائف الباحث عن أمان.

وفي صيف عام 2013، استُدعيت ذات الخلطة السيكولوجية لكن بكثافة دموية وبشاعة غير مسبوقة؛ إذ رُجت العقول والضمائر رجاً عنيفاً بمشاهد الدخان، والجثث، والحرائق في رابعة والنهضة. وتحت وطأة ذلك الرعب الوجودي المخيف من شبح انهيار الدولة أو السقوط في الحرب الأهلية، شُلَّ الحس النقدي الطبيعي لدى الناس تماماً. وفي تلك اللحظة الرهيبة التي لم يجد الناس في أنفسهم ما يقيهم من الهلع، تقدمت الآلة السلطوية لتقدم معناها الخاص والمقدس: هذا البطش هو ثمن النجاة، وهذه الدماء هي القربان الوحيد لإنقاذ الوطن.

إنها الدورة ذاتها المعاد إنتاجها؛ تفكيك دفاعات الوجدان أولاً بصدمة تفرغ العقل من أسئلته، ثم إعادة تركيبه فوراً بواسطة معنى بديل مشحون بالقداسة والوطنية، ليرتمي المواطن طواعية -ومستسلماً- في أحضان السلطة، ليس حبّاً في العنف أو رغبة في الدم، بل فراراً من جحيم الحيرة والضياع والخوف من المجهول.

والخلاصة التي يخرج بها المرء من قراءة هذه الدفاتر القديمة والجديدة، هي أن طوق النجاة الوحيد لحماية الوعي الإنساني من التزييف والاختطاف لا يبدأ من تبني أيديولوجيا جديدة، بل من استعادة الفرد لضميره المستقل ومسؤوليته الأخلاقية الفردية.

وقد وضع القرآن الكريم شبكة أمان تشريعية ونفسية متكاملة، لو تدبرها الإنسان لغدت بمثابة جهاز مناعة يعصمه من السقوط في شرك التعبئة الحزبية أو السلطوية العمياء.

وتأتي في صدارة هذا المنهج الإلهي قاعدة حاسمة تقطع الطريق على تسليم العقل لأي جهة أو تنظيم، وهي قوله تعالى في سورة الإسراء: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً".

إن هذه الآية الكريمة تنسف فكرة الإنسان الأداة من جذورها؛ فالقرآن لا يعفيك من المسؤولية لمجرد أنك كنت تنفذ أوامر التنظيم أو تتبع أوامر السلطة. السمع والبصر والفؤاد هي أدواتك الخاصة التي ستحاسب عليها وحدك. ومن هنا، فإن التثبت والتبين قبل اتخاذ المواقف ليس مجرد فضيلة فكرية، بل هو فريضة دينية تمنع المرء من أن يرى بعيون غيره أو يسمع بآذان أجهزة البروباغندا.

أما الثغرة النفسية الأخطر التي يستغلها مهندس الوعي -وهي الخوف من العزلة والارتماء في أحضان الهوية الجمعية على حساب الحق- فإن القرآن يداويها بتذكير الإنسان الدائم بعزلته الكبرى والمهيبة يوم الحساب، كما جاء في سورة مريم: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً"

هذه الفردية المطلقة أمام الله تحطم وهم اندماج الهوية؛ فغداً لن يقف معك الرفاق، ولن تدافع عنك أجهزة السلطة، ولن يشفع لك هتاف الجماهير. هذا الاستحضار الدائم للمآل الفردي يمنح الشاب شجاعة أخلاقية تجعله يفضل المعاناة في الوقوف منفردا على رفاهية الجلوس مع قطيع يبرر الظلم والبطش.

وفي مواجهة اندماج الهوية الذي يجعل الإنسان يذوب في الأيديولوجيا حتى يفقد ذاته المستقلة، يضع القرآن الكريم التحذير الأعمق في قوله تعالى في سورة الحشر: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". فالآية تكشف عن المعادلة النفسية الكاملة لهذا الاستلاب؛ حين يغيب الله عن وعي الإنسان ويُملأ هذا الفراغ بأيديولوجيا بشرية، يبدأ الإنسان تدريجياً في نسيان نفسه، أي في فقدان استقلاليته وضميره الفردي وبوصلته الأخلاقية. وهذا النسيان المزدوج لله وللنفس هو بالضبط ما يسعى إليه كل مهندس وعي يريد تحويل الإنسان إلى أداة في خدمة مشروعه.

إن تفادي السقوط في ثغرات الوعي يتطلب منا أن نعيد قراءة الواقع من خلال هذه النوافذ القرآنية المحكمة. وحين يمتلك المجتمع أفراداً يرفضون تبني الأحكام الجاهزة ويستشعرون مسؤوليتهم الفردية أمام الله؛ يجد مهندسو الوعي أنفسهم أمام مهمة أصعب بكثير مما اعتادوا، ويسير الإنسان نحو غاية ربانية حقيقية وليس أيديولوجيات بشرية مشوهة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل