تُولد
النفس البشرية وفيها جوع غريزي لا يقل عنفاً وشراسة عن ذاك الجوع المادي للطعام
والشراب، بل لعله أعمق أثراً وأشد تمكناً في أغوار الكيان الإنساني؛ إنه ذلك الوعي
بالذات كجوهر له قيمته، وتلك الحاجة الماسة التي لا تكاد تفارق الإنسان في كل آن
إلى أن يُعترف به، وإلى أن يلمس لنفسه مكاناً بين الأنام، ووزناً في عيون الآخرين.
فالمرء -كما نعلم- لا يطيق أبداً أن يظل مهمشاً في إطار مجتمعه، ولا يستطيع -وقد
جبل على ذلك- أن يحتمل مشاق الحياة ويواجه متاعبها وهو يشعر أنه لا أحد، أو أنه قد
رُكن إلى أسفل الهرم الإنساني حيث لا صوت يعلو ولا قيمة تذكر.
وهذا
الجوع الفطري إلى القيمة، وهذا الظمأ الوجودي إلى التميز، هو بمثابة الثغرة الأكثر
إيلاماً في جدار النفس البشرية، حين يُحسن مهندسو الوعي استهدافها واستغلالها.
فحين يعجز الفرد عن صناعة تميزه الخاص عبر إنجاز حقيقي يضعه على خريطة الوجود،
وحين يفتقر إلى أسباب القوة في واقعه اليومي، ويجرده هذا الواقع من أدنى مقومات
الكرامة الإنسانية، لا يتقدم إليه هؤلاء المهندسون بحلول حقيقية لتغيير ذلك الواقع
البائس، ولا يمدونه بوسائل عملية تخرجه من عنائه، بل يبسطون له مسكناً وجدانياً
موضعياً بالغ الجاذبية، يغشون به عينيه عن حقائقه المرة، ويقدمون له صك تميز جماعي
معلباً ومجانياً، لا يكلفه جهداً ولا يطلب منه ثمناً سوى أن يتنازل عن عقله وضميره.
يأتي ذلك
المهندس فيقول لمن سحقهم الدهر وأذلهم الفقر وأهانتهم الهزائم: إن قيمتكم ليست
مرهونة بما تصنعونه اليوم، ولا بما تعلمونه غداً، ولا بحاضركم المأزوم الذي لا
تستطيعون له دفعاً، بل إن قيمتكم مودعة في أنسابكم، ومضمرة في أمجاد أجدادكم التي
لا تستطيع أي قوة في الأرض أن تنال منها أو تسلبكم إياها. وهكذا، وبهذه الخلطة
العجيبة التي تمزج بين الجهل والأمل الزائف، يتلقف الإنسان تلك الأيديولوجيا
المصنوعة كالثوب الواقي، فيرتديها درعاً يقيه مرارة الشعور بالدونية، ويتحول من
ضحية تبحث عن عدالة تنصفه إلى متعالٍ تافه يمارس
العنصرية باسم تميز جيني وهمي لا
أساس له من علم ولا من عقل.
ولئن كان
هذا المسلك في تحصيل القيمة الذاتية يبدو للوهلة الأولى سلوكاً فردياً عابراً، فإن
الحقيقة التي ينبغي أن نقف عندها طويلاً هي أن هذا الاستلاب الوجودي الذي نرصده في
سلوك الجماعات حين تنكسر وتُهان، إنما يرتكز إلى أصول راسخة في معرفة النفس
البشرية وطبائع الاجتماع الإنساني، مما أجمع عليه علماء النفس المعاصرون والمؤرخون
وعلماء الاجتماع على السواء.
ولعل أبرز
ما يمكن أن نستدل به في هذا المقام، ما ذهب إليه الباحثان تاجفيل وتيرنر في
نظريتهما الشهيرة عن الهوية الاجتماعية، التي تبين كيف أن الإنسان، بحكم فطرته
الاجتماعية، لا يملك إلا أن يقسم العالم إلى جماعته الداخلية التي ينتسب إليها،
وجماعة الآخرين المغايرة. وفي أوقات الشدة والمحن، حين يضيق الأفق وتزدحم المتاعب،
يغدو العقل البشري أسير هاجس التميز الإيجابي لجماعته، فلا يجد بُداً من أن يخلق
أمجاداً من العدم أو أن يضخم صغائر المزايا، وأن يصور الآخر في أسوأ صوره، كي يرمم
بذلك صورته الذاتية المتصدعة، ويعيد بناء ثقته بنفسه التي تحطمت على صخرة الواقع
القاسي.
وهذا
المعنى بعينه، وإن كان لعلماء النفس فيه مقامات، فإنه ليكاد يلتقي مع ما نلمسه في
بواطن الأمم والشعوب حين تمر بفترات انكسارها، وما ينتاب الجماعات من جراح نرجسية
عميقة حين يصاب كيانها التاريخي بشرخ عنيف جراء الهزائم أو الفقر المدقع أو
الامتهان الطويل. فما هي، في حقيقة الأمر، تلك الدعوات الصاخبة للتفاخر بالدم
والنسب، وبالانتماء العرقي المزعوم، إلا رد فعل عنيف لذلك الجرح الذي لم يندمل،
وهروب من وطأة الإحساس بالدونية الحاضرة إلى أوهام العظمة الماضوية، أو كما يعبر
بعض المحللين بالتعويض النرجسي الفائق. ومن هنا، فإن تبنّي الأيديولوجيات المتعصبة
لا يعدو أن يكون حاجة نفسية ملحة لدى أصحابها، قبل أن يكون مجرد رأي فكري أو قناعة
عابرة، ولا يكاد المرء يتخلى عنها إلا إذا بدا له من الحياة وجه آخر، أو انتشلته
يد النجاة من قاع الضياع.
وإذا كان
هذا هو الأساس النظري الذي تقوم عليه الظاهرة، فإن التاريخ لم يدعنا نبحث طويلاً
عن مثال حي يتجلى فيه هذا التحول، إذ تظل الحقبة
النازية في ألمانيا خلال
ثلاثينيات القرن الماضي هي النموذج الأوضح والأكثر إفصاحاً عن كيفية تحويل ذلك
الجوع الفطري إلى الاعتراف؛ إلى آلة دمار شامل تحركها السلطة وتُشغلها وفق أهوائها،
ذلك أنه عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت ألمانيا تعيش في مستنقع من الهوان
والمهانة لم تعرف له مثيلاً في تاريخها الحديث؛ فمعاهدة فرساي المذلة التي وقعت
عليها الدولة الألمانية قد حطمت كبرياءها العسكري وقطعت أوصال عزتها، والتضخم
الاقتصادي الرهيب جعل العملة الألمانية تفقد قيمتها حتى صار الناس يحملون أكياساً
من النقود لشراء رغيف خبز، والبطالة كانت تملأ الشوارع باليأس والإحباط، حتى غدا
المواطن الألماني يعيش جرحاً نرجسياً حاداً، ويحس أنه منبوذ ومهان، بل إنه صار
يشعر بأنه دون البشر في نظر العالم.
وفي تلك
العتمة الوجودية التي أحاطت بالوعي الألماني، لم يدخل هتلر وجوبلز -مهندسا وعي
النظام النازي- ليعدّا الناس بخطط اقتصادية تدريجية أو مشروعات تنموية واقعية، بل
دخلا بأيديولوجيا النقاء والسيادة التي تقدم حلولاً سحرية وهمية. والتقط جوبلز هذه
الثغرة النفسية العميقة وعزف عليها بكل احترافية ودهاء، فأقنع العامل الألماني
البسيط والعاطل عن العمل في أزقة برلين ومدن الرور بأنه ليس فاشلاً ولا مقهوراً،
بل هو سليل العرق الآري الأسمى، وأن دمه النقي يحمل جينات القيادة الكونية للحضارة
البشرية، وأن له حقاً تاريخياً في السيطرة على مقدرات العالم. وهكذا منح مهندس
الوعي النازي المواطن الألماني صك تميز بيولوجي مطلق دون أن يبذل أي جهد لإثباته
أو تحصيله، فقط لأنه وُلد ألمانياً، وفقط لأنه حمل هذا الدم المزعوم. وتحول هذا
المخدر الوجداني الذي سقوه إياه إلى طاقة هائلة وجد فيها الإنسان المحطم ما يعيد
له اعتباره أمام المرآة، فتنازل طواعية عن عقله وإرادته ليصبح جزءاً من الماكينة
الشوفينية الهتلرية، يتحرك وفق أوامرها دون تردد.
لكي تكتمل
الدورة ويتحول ذلك التوق إلى التميز إلى وقود للحرب والإبادة، نجحت الماكينة
النازية في إعادة صياغة الإنسان من جديد، وعزل بوصلته الأخلاقية الفطرية التي
أودعها الخالق فيه، فحولت المجتمع إلى أربعة أنماط سلوكية مسلوبة الإرادة، سنتوقف
عندها بالدرس والتحليل.
أول هذه
الأنماط وأكثرها فداحة هو ما يمكن أن نطلق عليه صناعة الإنسان الأداة؛ إذ يضعنا
الكتالوج النازي هنا أمام إحدى أشنع عمليات تجريف الضمير الإنساني وأكثرها هولاً.
فبمجرد أن يتشرب الفرد وهْم التميز العرقي ويستقر في عقله، يجد نفسه مدفوعاً بقوة
نحو معادلة صفرية صاغتها الماكينة الإعلامية الجوبلزية بقسوة بالغة، ومفادها أن
التهاون مع أولئك الذين وُصفوا بالأعراق الأدنى ليس سوى خيانة عظمى للنقاء الجيني،
وأن إظهار الرحمة بهم هو طعنة غادرة في ظهر الوطن ومصادرة لحقه في البقاء. وفي ظل
هذا الشحن الممنهج الذي لا يترك مجالاً لأي مراجعة، لم نكن بصدد وحوش هبطوا من
كوكب آخر، بل شاهد العالم بكثير من الذهول كيف يتحول الشاب العادي الطبيعي -الذي
ربما أمضى أمسه يدرس الموسيقى الكلاسيكية أو يكتب الشعر الرومانسي أو يزرع الأرض
مع والده- إلى أداة ماكينة قتل جماعي، يطلق الرصاص دون أن يرفّ له جفن، ويدفع
بآخرين إلى غرف الغاز وكأنه يقودهم إلى محطة قطار.
ولعل ما
جرى في ليلة الزجاج المكسور عام 1938 يقدم لنا شاهداً حياً على هذا التحول الفاجع
في السلوك البشري، إذ لم يكن الذين أحرقوا الكنائس والكُنس وحطموا آلاف المتاجر؛
جنوداً محترفين مجهولي الهوية فحسب، بل كان من بينهم جيران الأمس وزملاء الدراسة
وشباب عاديون نشأوا في بيئات محافظة، لكنهم تحركوا في تلك الليلة بدافع تلبية
الواجب النبيل -كما زعموا- لتطهير المجتمع من شوائبه، فنزعوا الأمان من عيون
الأطفال والنساء دون أن تطرف لهم جفن، وظلوا مستريحي الضمير تماماً تحت تأثير ذلك
المخدر الهتلري الذي غشّى أبصارهم عن الحقيقة.
وهذا
التجريف الوجداني الذي نشاهده يعيدنا إلى الدراسة التاريخية الرصينة التي وثقها
المؤرخ كريستوفر براونينغ حول كتائب الشرطة الاحتياطية 101، حيث تبين أن أفرادها
الذين باشروا عمليات إعدام مروعة وجهاً لوجه لعشرات الآلاف من العزّل في غابات
بولندا، لم يكونوا من غلاة الفاشيين أو قوات النخبة العقائدية الشرسة، بل كانوا
رجالاً عاديين في منتصف العمر من الطبقة العاملة في هامبورغ، يعودون بعد انتهاء
مجازرهم اليومية ليكتبوا رسائل مفعمة بالدفء والمحبة لأسرهم وأطفالهم، في حالة من
الانفصام الأخلاقي الذي صنعته الأيديولوجيا حين تعزل حس الإنسان الفطري أثناء أداء
وظيفتها.
وإن هذه
الشواهد مجتمعة لتلفت انتباهنا إلى حقيقة غائبة عن كثير من الناس، وهي أن السلطة
لا تحتاج إلى أن تمسخ الفرد بيولوجياً أو تحوله إلى وحش كي يرتكب الجريمة، بل
يكفيها فقط أن تعيد تعريفه أخلاقياً، فتقلب المفاهيم في وعيه فتصبح القسوة تضحية،
ويصبح سحق الآخر نبلاً وطنياً، فيتنازل الإنسان طواعية عن إرادته وضميره ويتحول
إلى أداة عمياء تظن أنها تصلح، بينما هي في الحقيقة من المفسدين.
أما النمط
الثاني، فهو صناعة العقل التابع، ونحن إذ نتأمل تفاصيل هذا المشهد الفاجع نجد
أنفسنا مدفوعين إلى رصد ركيزة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها، بل إنها بمثابة
الضامن لهذه الأوهام كي لا تنهار بين عشية وضحاها؛ ونعني بها عملية تأميم العقل
الممنهجة، وحظر حقه الفطري في التمحيص والمساءلة والاستفهام. والحاصل أن هذه
السلطة لم تكن تطرح أفكاراً للنقاش أو تدعو إلى حوار، بقدر ما كانت تقدم مقايضة
وجدانية مريحة -بيد أنها باهظة الثمن شديدة الخبث- حيث طُلب من الشاب الألماني، في
غمرة أزمته وانكساره، أن يتنازل طواعية عن حقه في السؤال والشك والتحقق، مقابل أن
يقبض فوراً يقيناً جاهزاً يرفعه فوق العالمين ويضعه في مصاف الصفوة المختارة.
وقد تجسد
ذلك في ما جرى في برلين ومختلف الحواضر الألمانية في أيار/ مايو من عام 1933، حيث
أظهرت الأحداث عمق المأساة ودلالتها؛ إذ تبارت الحشود الشبابية -وكان من بينهم
طلاب جامعات ومن أيّد التوجه من أساتذتهم- في إلقاء آلاف المجلدات التي تختزن
الفكر الإنساني والعلوم في ألسنة اللهب بالميادين العامة، فيما عُرف بحرق الكتب.
وهي المفارقة المريرة التي تلفت انتباهنا إلى أن تلك العقول المصنوعة لم تعد ترى
في الواقع أي رواية أخرى، بل غدت لا تطيق سماع أي صوت يغاير أو يخدش ما تقرره
الآلة البروباغندية الجوبلزية للحزب النازي.
والسؤال
الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح: ما الذي يدفع عقولاً يُفترض فيها الرشد والنضج إلى هذا
الانتحار المعرفي الطوعي؟ والإجابة في تقديري تكمن في ذلك الخوف الوجودي المرعب من
سقوط الصنم الفكري؛ إذ استقر في وعي هؤلاء الأتباع أن أي محاولة للاستيثاق، أو أي
مطالبة بدليل عقلي واحد يسند خرافات النقاء العرقي، تعني ببساطة انهيار السقف
الأيديولوجي الذي يحتمون تحته من صقيع الدونية ومرارة الواقع المأزوم. ولأن
الارتداد إلى مربع الفراغ والضياع كان أمراً لا تطيقه نفوسهم، فقد تحول العقل
التابع من موقع المتلقي السلبي إلى حارس يذود باستماتة عن أساطير جوبلز؛ فهو لا
يكتفي بإنكار الوقائع العارية التي تصطدم مع يقينه، بل يغمض عينيه عنها، ليس عجزاً
عن الرؤية، وإنما ذعراً من استحقاقات الحقيقة التي قد تجرده من تميزه الموهوم،
وتعيده عارياً أمام حقيقته الذاتية.
والنوع
الثالث من هذه الأنماط المسلوبة الإرادة هو صناعة النفس الهشة، فإذا كان تأميم
العقل في الخطوة السابقة قد مهد الطريق لتمرير الوهم، فإننا هنا نلج إلى مربع أكثر
إيلاماً وهتكاً للطبيعة البشرية، أعني به هندسة الوجدان وصناعة النفس الهشة. فخلف
الستار الكثيف للشعارات البراقة والعروض العسكرية المهيبة التي كانت ترتج لها
شوارع برلين، كانت تقبع فظائع لا يستطيع من قرأها أن يدعي أنه لم يعلم؛ ففي أقبية
الجيستابو ومعسكرات الاعتقال النازية كانت تجري أبشع عمليات التعذيب والإذلال التي
لا توصف. والمفجع في الأمر هنا، أن هذه الصناعة الشيطانية لم تقتصر على هتك آدمية
الضحايا وتكسير كبريائهم فحسب، بل امتد أثرها الخبيث ليجرف نفوس المجتمع بأكمله،
من خلال تدريبهم وتطبيعهم على البلادة الوجدانية وتجميد المشاعر الإنسانية، حتى
صار الناس ينظرون إلى الموت والإبادة كأمر عادي لا يستدعي انفعالاً ولا يستوقف
تفكيراً.
ولعلنا لا
نجد شاهداً يجسد هذا الموت الأخلاقي والبلادة النفسية مثلما تجسد في برنامج القتل
الرحيم الذي أطلقه النظام النازي لتصفية المرضى النفسيين وذوي الاحتياجات الخاصة
من الألمان أنفسهم، باعتبارهم أصحاب حياة لا تستحق الحياة وعبئاً اقتصادياً يعطل
مسيرة عرق الصفوة. لقد تقبلت قطاعات واسعة من المجتمع -بل وبعض العائلات- اختفاء
ذويهم المستضعفين واستلام إخطارات وفاة بيروقراطية جافة تزعم موتهم بأزمات صحية
مفاجئة، دون أن تهتز في المجتمع شعرة احتجاج واحدة. وهي المفارقة المريرة التي
تكشف كيف نجحت الماكينة في تفريغ الوجدان من أخص خصائصه الفطرية، ونعني بها الرحمة
بالأقربين والمستضعفين، حتى صار الإنسان يرى جاره يقتاد إلى الموت فلا يحرك ساكناً.
وتكتمل
فصول هذه المأساة حين نطالع وثائق وسجلات التحقيق التاريخية لاحقاً، والتي كشفت أن
النسبة الأكبر من الملاحقات والاعتقالات التي نفذها الأمن النازي لم تكن ناتجة عن
كفاءة أجهزته السرية، بل تدفقت عبر سيل عارم من البلاغات الطوعية التي كان يقدمها
مواطنون عاديون ضد جيرانهم، أو زملائهم في العمل، بل وضد أقاربهم في بعض الأحيان،
لمجرد الاشتباه في عدم إخلاصهم لسردية الدولة. والحاصل أن هذه النفس الهشة
والمخدرة وجدانياً أصبحت ترى في المشاهد اليومية لاقتياد جيران الأمس إلى قطارات
الموت في وضح النهار أمراً اعتيادياً لا يستدعي التوقف؛ ذلك أن القائمين على صياغة
الوعي قد نجحوا في تصوير الخصم أو الآخر على أنه كائن وضيع ليس له قيمة، ومن ثم
استقر في وعي الفرد تلقائياً أن التنكيل بهذا الآخر ليس جريمة أخلاقية تستوجب وخز
الضمير، بل هو مجرد عملية تطهير جراحية ضرورية لحفظ نقاء المجتمع وحماية تميزه
الموهوم.
أما النمط
الرابع والأخير، فهو صناعة الكائن الوظيفي، ولا يقف الأمر -في واقع الحال- عند
حدود التعبئة المحلية أو تجريف الوجدان، بل إن السلطة تخطو هنا خطوة أبعد وأشد
هولاً، حين تسعى إلى إضفاء صبغة الواجب الكوني والتاريخي على الجريمة ذاتها،
لترفعها في عين فاعلها من مستنقع الدناءة إلى أفق القداسة. والحاصل أن مؤسسات
الدولة وأفرادها جرى تحويلهم عبر هندسة دقيقة إلى مجرد تروس باردة في ماكينة
بيروقراطية عملاقة تؤدي أدواراً مرسومة سلفاً بدقة متناهية؛ فلم يعد الموظف الصغير
أو الضابط في المعسكر يرى في نفسه قاتلاً يسفك الدماء، بل استقر في روعه -تحت
تأثير مخدر التميز والاستثناء- أنه شريك في صياغة مصير البشرية، ومكلف بإنفاذ
حتمية عليا تفوق الحسابات الأخلاقية العادية.
ولعلنا لا
نجد تجسيداً حياً وفاضحاً لهذه البلادة البيروقراطية مثلما تبدّى في مؤتمر وانسي
الشهير عام 1942؛ حيث جلس خمسة عشر من كبار مسؤولي الدولة الألمانية، ومن بينهم
قانونيون وأطباء وتكنوقراط، حول طاولة واحدة ليتناولوا القهوة ويناقشوا بكل هدوء
وبرود إداري تفاصيل اللوجستيات الخاصة بما سمي بالحل النهائي. لقد جرى التعامل مع
إبادة الملايين من البشر بوصفها معاملة حكومية تحتاج إلى كفاءة في التوزيع، وتنظيم
لجداول الشحن، وحسابات دقيقة للميزانية، دون أن تهتز في ضمير هؤلاء التكنوقراط ذرة
من مراجعة؛ فقد حماهم الوعي الوظيفي المصنوع من رؤية الوجه الحقيقي لجريمتهم.
وتتبدى
المرارة في أبهى صورها حين نتأمل حالة أدولف آيخمان، ذلك البيروقراطي النازي الذي
كان مسؤولاً عن تنظيم شبكة القطارات المتجهة إلى معسكرات الموت. فخلال محاكمته
الشهيرة لاحقاً، صدم آيخمان العالم بكونه لم يكن وحشاً سادياً يتلذذ بالدماء، بل
كان موظفاً نظامياً مفرط الانضباط، يرى في نجاحه في تسيير القطارات المكدسة بالبشر
بدقة وفي مواعيدها الصارمة دليلاً على أمانته المهنية في خدمة أهداف الأمة. إن هذا
الزهو الكاذب وفّر لهؤلاء الأتباع مظلة أخلاقية زائفة؛ فباتوا كائنات وظيفية
بامتياز، سخّروا عقولهم وأجسادهم لتأدية أدوارهم المرسومة في رواية كبرى صاغتها
السلطة، متغافلين تماماً عن تلك الحقيقة الفاجعة، وهي أن تميزهم المزعوم وجيناتهم
ونواياهم التي ظنوها نبيلة قد جرى سحقها وتحويلها جميعاً إلى أوراق مناورة رخيصة،
تستخدمها الماكينة لافتراس البشر وتدمير الإنسانية.
وإذا كانت
النازية قد صاغت صك تميزها من خرافة النقاء البيولوجي، فإن
الصهيونية تمثل التطبيق
الحداثي والمؤسسي لهذه الثغرة ذاتها، عبر دمج التميز الميتافيزيقي بالمظلومية
التاريخية. ذلك أن الصهيونية انطلقت من رحم جرح وجودي عميق أصاب الجماعات اليهودية
في أوروبا نتيجة الاضطهاد الغربي، والتي بلغت ذروتها في بعض الحوادث التي طالتهم -كما
طالت غيرهم- في الحقبة النازية. وهنا، التقط مهندسو الوعي الصهيوني من هرتزل إلى
جابوتنسكي وصولاً إلى اليمين الحديث هذا الانكسار الوجودي الشديد، ولم يتحركوا
لإنهاء الاضطهاد الإنساني العام، بل لعزف سيمفونية التميز الاستثنائي الحصري التي
تمنح أتباعهم شعوراً بالتفوق على حساب الآخرين.
فقد أعادت
الصهيونية هندسة وعي الأتباع عبر تقديم صك تميز مركب من البُعد الميتافيزيقي
والديني، حيث استدعت فكرة الشعب المختار وحولتها من مفهوم روحي لاهوتي إلى صك
ملكية سياسي وجغرافي حصري، كما في مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"،
مما يمنح المستوطن تميزاً بنيوياً على حساب أصحاب الأرض الحقيقيين. ودمجت ذلك مع
البُعد الأخلاقي المستند للمظلومية، فصنعت وعياً جمعياً يقوم على احتكار دور
الضحية المطلقة في التاريخ. وهذا الاحتكار يمنح الأتباع حصانة أخلاقية واستعلاءً؛
فبما أننا الضحية الأكبر والأرقى، وبما أننا نمثل التميز الحضاري والواحة
الديمقراطية في وسط الغابة المحيطة، فإن أي سلوك نمارسه ضد الآخر هو دفاع مشروع عن
الوجود.
وهذا
التميز المصنوع بدقة أنتج ذات السلوك الشوفيني الشرس الذي تذكره الظاهرة؛
فالاستعلاء الأخلاقي والعملي أصبح ذريعة مطلقة للظلم، حيث ينظر المستوطن أو الجندي
الصهيوني إلى الفلسطيني -الصاحب الأصيل والحقيقي للأرض- ليس كشريك إنساني، بل
كعقبة ديموغرافية، أو كائن أدنى يمكن اقتلاعه أو محاصرته أو إبادته دون أي وخز
للضمير. وهكذا تحول البطش والأبارتايد في وعي الفرد الصهيوني المصنوع من جريمة
موصوفة إلى واجب أخلاقي وحضاري لحماية شعب التميز والاستثناء. إنها الماكينة ذاتها
التي تسمح لإنسان طبيعي -طبيب، أو مهندس، أو أب عائل- أن يتحول إلى أداة قتل وبطش
يومي، محصناً بيقين أيديولوجي يرى في دماء الأجداد ومظلوميتهم في أوروبا والغرب
مبرراً كاملاً لشرعنة محو الأحياء في الشرق. ولعل ذلك لم يكن لينجح لولا الدعم
الغربي الذي رأى في هذه العملية صربة مزدوجة، فمن ناحية إعادة توجيه لليهود بعيدا
عنهم، ومن ناحية أخرى وضعهم كمسمار جحا داخل منطقة الشرق الأوسط.
والخلاصة
التي يكشفها التشريح المقارن بين النازية والصهيونية هي أن الرغبة في التميز حين
تُسيَّس وتُؤسَّس تتحول إلى مرض أخلاقي يصعب علاجه، وأن القائمين على هذه الهندسة
في الحالتين لم يغيروا الطبيعة البشرية، بل غيّروا تموضعها الأخلاقي؛ فأقنعوا
أتباعهم بأنهم فوق الكتالوج الإنساني العام، لتصبح الجريمة في حق الآخرين نوعاً من
النبل، والظلم نوعاً من الحفاظ على الذات الأسمى. ولا سبيل لكسر هذه الدورة إلا
بإدراك أن قيمة الإنسان تُصنع بعدالته وإنتاجه في الحاضر، لا بأساطير الدم والنقاء
والاختيار الحصري التي تُبنى فوق جماجم الآخرين. وما جرى للنازية ونازييها ليس إلا
تذكيراً بما ينتظر بالصهيونية وصهاينتها، إن لم ترجع إلى رشدها وتدرك أن التاريخ
لا يرحم من يظن نفسه فوقه.
إن النجاة
من هذه الثغرة النفسية القاتلة -التي تحول الرغبة الفطرية في القيمة إلى فاشية
استعلائية- لا تتم بمجرد الوعي السياسي، بل تتطلب ثورة تفكيك جذرية للمركزية
النرجسية في النفس البشرية. وهنا تحديداً، يقدم الوحي المعصوم في القرآن الكريم
والسنة النبوية الموثقة الترياق الأكثر حسماً؛ إذ لم يقمع الإسلام حاجة الإنسان
للشعور بالقيمة، بل أعاد صياغة معيار التميز، فنقله من المربعات الحتمية الباردة
كالدم والعِرق والهوية الموروثة إلى مربع الحرية والمسؤولية الأخلاقية الفردية.
لقد ضرب
القرآن الكريم ادعاءات الاستثناء من جذرها، حيث يقول الله تعالى في مواجهة واضحة
وشافية لادعاءات التفوق المزعومة: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ
نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم
ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ". ففي هذه الآية الكريمة، يحطم الوحي
الإلهي وهم الامتياز الأخلاقي فوق البشري، ويعيد الجميع إلى أرضية المساواة
الوجودية أمام القانون الإلهي، فلا حصانة لدم، ولا امتياز لعِرق، والكل خاضع
للمساءلة والعدالة دون محاباة.
وفي مقابل
وهم النقاء البيولوجي الذي قامت عليه النازية، يضع القرآن قانوناً كونياً صارماً
يجعل التنوع البشري آية للتعارف والتكامل، لا ذريعة للاستعلاء والظلم، فيقول
سبحانه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". فهذا التأسيس القرآني حول التميز من امتياز رخيص يُولد
به الإنسان فيستعلي به على الآخرين، إلى كسب أخلاقي يشقى من أجله الإنسان، وهو
التقوى والعمل الصالح والعدل.
وتأتي
السنة النبوية الموثقة لترسخ هذا الدستور سيكولوجياً وعملياً في العقل الجمعي
للأمة، ففي خطبة الوداع -التي كانت بمثابة إعلان عالمي لتصفية الفاشيات القومية
والعصبية الجاهلية- يقول الرسول ﷺ بحسم قاطع: "يا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا
إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ
لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا
لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى".
ومن خلال هذا البيان المحكم، يتم تأميم الثغرة النفسية؛ فالإنسان الذي يبتغي
الرفعة والتميز لن يجدها في الانكفاء على ذاته أو احتقار جيرانه أو إبادة مخالفيه،
بل يجدها في مدى انضباطه الأخلاقي وحمايته للمظلوم ونفعه للبشرية. وحين حاول بعض
الصحابة -في لحظة غفلة بشرية- استدعاء لغة التميز القبلي الجاهلي، زجرهم النبي ﷺ بعبارة
حادة واصفاً الأيديولوجيا الاستعلائية القائمة على العِرق والنسب بأنها جيفة نتنة،
فقال: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ".
والنجاة
الحقيقية من هندسة الوعي الاستعلائي تبدأ من هنا: أن ندرك أن كل أيديولوجيا تمنحنا
شعوراً بالفوقية الأخلاقية أو العرقية على حساب آدمية الآخرين هي أيديولوجيا صنمية
مصممة لاستعبادنا وتحويلنا إلى أدوات بطش. والترياق الوحيد هو الانحياز لتوحيد
الخالق والمساواة بين المخلوقين، حيث لا فضل لأحد إلا بما يقدمه من عدل ورحمة
وإنتاج في حاضر الأرض، وما عدا ذلك فهو بضاعة تباع للمحطمين ليدفعوا ثمنها من دماء
غيرهم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.