الإنسان
لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج إلى أمل يدفعه للبقاء. ومن جلس يوماً بجانب مرضى
يُصارعون الموت؛ رأى بأم عينيه كيف يصمد منهم المؤمن بغدٍ أفضل، ويستسلم للموت من
غاب عنه هذا الإيمان. فالأمل في أصله نعمة على صاحبه، لكنه في يد الحاكم يصبح أداة
للسيطرة على العقول ووسيلة للتحكم في المصائر. فالحاكم الذكي لا يحتاج إلى جيش
ليسوس شعبه، يكفيه أن يمنحه حلماً جميلاً ينشغل به.
وهذه ليست
حكمة عصرنا ولا اكتشاف القرن الماضي، بل هي أقدم بروتوكولات
الحكم وأكثرها توارثاً
بين من جلسوا على العروش. كتبها كوتيليا في الهند قبل أن يولد المسيح بأربعة قرون،
وأجازها أفلاطون في جمهوريته باسم الكذبة النبيلة، ونصح بها ابن المقفع خليفته قبل
أن يقتله، ورصدها ابن خلدون علامةً على بدء انهيار الدول، ثم جاء ميكافيلي
ليُدوّنها في الأمير؛ فظن الناس أنه اخترعها وهو لم يفعل شيئاً سوى أنه كان أكثر
صراحةً ممن سبقوه.
وما تغيّر
في عصرنا ليس الأداة بل حجمها؛ فما كان يحتاج قديماً إلى خطيب في ساحة أو كاتب في
بلاط بات اليوم يحتاج إلى زر واحد يُرسل الوعد إلى ملايين في لحظة واحدة. أما
الوصفة فهي هي: خذ حاجة إنسانية حقيقية، وأجّل إشباعها إلى غد موعود، واجعل الصبر
على الجوع اليوم شرطاً للشبع غداً، ثم تأكد أن ذلك الغد لا يأتي أبداً أو يأتي على
صورة لم يتخيلها أحد ممن انتظروه.
وقد درس
علماء النفس والاجتماع هذه الظاهرة من زوايا متعددة. فعالم النفس الأمريكي مارتن
سيليغمان الذي أسس ما يُعرف بعلم النفس الإيجابي أثبت في أبحاثه أن
الأمل ليس مجرد
مشاعر وردية، بل هو بنية معرفية منظمة تقوم على ثلاثة أركان: وضوح الهدف، والإيمان
بامتلاك الطريق إليه، والقدرة على الدفع نحوه. وحين يختل أي من هذه الأركان يتحول
الأمل إلى ما يسميه سيليغمان الأمل السلبي، وهو الإيمان بالهدف مع العجز عن الطريق
والتواكل على قوة خارجية تُحقق ما عجز صاحبه عن تحقيقه بنفسه.
نماذج لا تُحصى على هذه الآلية، غير أن ما جرى ويجري في منطقتنا من توظيف ممنهج لخطاب النصر الموعود والإصلاح المنتظر يمثل ربما أوضح تجلياتها وأكثرها أثراً في حياة الناس اليومية. فمن المحيط إلى الخليج ثمة خطاب سياسي راسخ يقوم على بنية واحدة لا تتغير: المشكلة حقيقية والألم معترف به، لكن الحل في الطريق
وقد أضاف
عالم الاجتماع الفرنسي إريك فروم في كتابه الأمل الثوري تحليلاً آخر يكشف كيف
تستخدم السلطة الأمل أداةً للإخضاع لا للتحرير؛ إذ يُفرّق بين ما يسميه الأمل
النشط الذي يدفع صاحبه إلى الفعل، والأمل السلبي الذي يُقنع صاحبه بانتظار من يفعل
عنه. والفارق بين الاثنين ليس في قوة الشعور بل فيمن يحمل مسؤولية التغيير.
وتزيد على
هذا أبحاث علم الأعصاب التي كشفت أن الدماغ البشري حين يُقدَّم له وعد بمكافأة
مستقبلية يُفرز من الدوبامين ما يكفي لتسكين ألم الحاضر وتأجيل المطالبة به؛ وهو
ما يعرفه المسوّقون باسم تأثير الترقب، ويعرفه السياسيون المحترفون باسم إدارة
التوقعات، ويعرفه مهندسو
الوعي باسم أبسط وأدق: تأجيل الثورة. وعند هذه النقطة
تحديداً يتحول الرجاء من غريزة إنسانية نبيلة إلى أداة في يد مهندس الوعي الذي
يعرف أن الإنسان الذي يؤمن بأن غداً سيُصلح ما أفسده اليوم لن يُطالب بإصلاح
اليوم، وأن الشعب الذي يؤمن بأن النصر آتٍ لا محالة سيصبر على الهزيمة الراهنة دون
أن يسأل لماذا تتكرر.
ولعل
التاريخ العربي والإسلامي المعاصر يقدم نماذج لا تُحصى على هذه الآلية، غير أن ما
جرى ويجري في منطقتنا من توظيف ممنهج لخطاب النصر الموعود والإصلاح المنتظر يمثل
ربما أوضح تجلياتها وأكثرها أثراً في حياة الناس اليومية. فمن المحيط إلى الخليج
ثمة
خطاب سياسي راسخ يقوم على بنية واحدة لا تتغير: المشكلة حقيقية والألم معترف
به، لكن الحل في الطريق. تارةً يأتي هذا الحل على هيئة مشروع تنموي كبير سيُغير
وجه البلاد في غضون عشر سنوات، وتارةً على هيئة نصر وشيك سيُعيد الكرامة المسلوبة،
وتارةً على هيئة إصلاح شامل يحتاج فقط مزيداً من الصبر والوقت والتفويض. وفي كل
حالة يُطلب من المواطن الشيء ذاته: أن يؤجل مطالبته، وأن يُقلّل من شكواه، وأن
يُحسن الظن بمن يقود لأن الخلاص قادم. وقد أفرز ذلك التوظيف الممنهج للأمل الكاذب
أربعة أنماط سلوكية تستحق الوقوف عندها:
أولاً:
صناعة الإنسان الأداة
هذا أكثر
ما تُفرزه هندسة الأمل الكاذب انتشاراً في مجتمعاتنا؛ إنسان حوّل الانتظار من حالة
مؤقتة إلى طريقة عيش. لا يعمل لأن العمل لا يُجدي في ظل هذا النظام، ولا يُطالب
لأن المطالبة لا تُفيد في مواجهة هذه القوة، ولا يبني لأن البناء لا معنى له قبل
أن يتحقق التغيير الموعود. وهو في كل هذا مؤمن بصدق أن الفرج قادم، وأن صبره فضيلة
لا عجز، وأن الانتظار حكمة لا استسلام.
وليس هذا
النمط وليد اليوم، والقضية الفلسطينية تقدم على ذلك شاهداً لا يحتاج إلى تعليق.
فمنذ نكبة 1948 وحتى اليوم لم تنقطع سلسلة
الوعود التي يُجدَّد عقدها مع كل هزيمة
جديدة بدلاً من أن تُفتح ملفاتها وتُراجَع أسبابها. بعد النكبة قيل إن الجيوش
العربية ستعود، وبعد نكسة 1967 قيل إن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وبعد
أوسلو 1993 قيل إن الدولة في الطريق، وبعد كل مفاوضة فاشلة قيل إن الجولة القادمة
ستُعوّض ما ضاع في السابقة. وفي كل محطة من هذه المحطات كان الخطاب يُعيد إنتاج
نفسه بمصطلحات مختلفة ومضمون واحد: انتظر.
والمأساة
الحقيقية ليست في الوعود التي لم تتحقق، بل في ما فعلته هذه الوعود بالعقل العربي
على مدى ثلاثة أرباع القرن. فقد تشكّل جيل بعد جيل على قناعة مفادها أن التفرغ
للبناء الداخلي قبل تحرير فلسطين نوع من الخيانة، وأن الاشتغال بالتنمية والمؤسسات
والعلم قبل حل القضية ضرب من الاستسلام.
والحديث
هنا ليس عن القضية نفسها، ففلسطين حق لا يسقط بالتقادم، بل عن توظيفها لتبرير
تأجيل الاستحقاقات الداخلية، وقد دفع العرب ثمن هذه القناعة مزدوجاً: لم يُحرروا
فلسطين، ولم يبنوا ما كان يمكن أن يُقوّيهم على تحريرها. وحين تسأل اليوم لماذا
تتراجع الأمة في كل المؤشرات يُقال لك: لأن القضية لم تُحل بعد، وكأن حل القضية
شرط للتقدم لا العكس. ويزيد هذا النمط تعقيداً أن القضية الفلسطينية قضية حق حقيقي
لا شك فيه، وهذا بالضبط ما يجعل توظيفها أداةً للتخدير أشد خطورة من أي توظيف آخر؛
لأن من يعترض على هذا التوظيف يجد نفسه في مواجهة اتهام لا يطيق أحد حمله: أنه لا
يكترث بفلسطين. وبين الحق الذي لا يُنكر والتوظيف الذي لا يُعترض عليه تضيع أجيال
في انتظار لا ينتهي.
وما يجعل
هذا النمط أشد خطورة من الخمول العادي أنه خمول يرتدي ثوب الفضيلة؛ فالمنتظر لا
يشعر بالخجل من انتظاره بل يشعر بالاعتزاز، ويرى في المقاومة الحقيقية الفاعلة طيشاً
لا يليق بمن يفهم ثقل القضية وأبعاد اللحظة. وهكذا تتحول القضية الأعظم في وجدان
الأمة من رافع للهمة إلى مسوّغ للقعود، ولا يُحاسَب على ذلك أحد لأن أحداً لا يجرؤ
على فتح هذا الملف.
ثانياً:
صناعة العقل التابع
وهنا يذهب
توظيف الأمل الكاذب إلى ما هو أبعد من تأجيل الفعل؛ إذ يُعلّق العقل نفسه في لحظة
مستقبلية لم تأتِ بعد، فيصبح كل تفكير في الحاضر مجرد وقت يُملأ ريثما يحلّ
الموعود.
وما فعله
صدام حسين في العراق يمثّل على هذا نموذجاً لافتاً في قدرته على تحويل الكوارث
المتتالية إلى محطات في طريق النصر الكبير. حين أشعل حرب الخليج الأولى مع إيران
عام 1980 قدّمها باعتبارها قادسية العصر التي ستُعيد للعرب هيبتهم، وحين انتهت بعد
ثماني سنوات دون أن تُحسم لصالح أحد قيل للعراقيين إن الصمود نفسه انتصار. وحين
غزا الكويت عام 1990 وجاء التدخل الدولي قدّم للناس خطاباً مفاده أن المعركة مع
أمريكا وإسرائيل معاً وأن النصر آتٍ لا محالة، وحين جاءت الهزيمة بعد مئة ساعة من
القتال البري جرى تأطيرها باعتبارها انسحاباً تكتيكياً لا هزيمة. ثم جاءت سنوات
الحصار التي أنهكت العراقيين وقتلت أطفالهم بالمرض والجوع فقيل لهم إن صمودهم يُذل
أمريكا وإن النصر الحقيقي في صبر الشعب العظيم. وعلى مدى ثلاثة وثلاثين عاماً لم
يتوقف العراقيون عن انتظار النصر الموعود، ولم يجدوا في نهاية المطاف سوى بلد
دمّره صاحب الوعد بيده ثم جاء الغزو الأمريكي ليُكمل ما بدأه.
والأشد
مرارةً في هذا النموذج أن صدام كان يعرف الفارق بين الواقع والخطاب ويتعامل معهما
بمنطقين مختلفين تماماً؛ فهو الذي وقّع وقف إطلاق النار مع إيران وهو يصفه بالنصر،
وهو الذي سحب جيشه من الكويت وهو يُصوّره انسحاباً مشرّفاً، وهو الذي فاوض في السر
وأجّج الجماهير في العلن.
وهذا
الازدواج بالضبط هو ما يُميز مهندس الوعي الناجح عن الزعيم الذي يصدق خطابه؛ فمن
يصدق خطابه يُمكن إقناعه بالخطأ، أما من يُفرّق في داخله بين ما يقوله وما يعرفه
فذاك لا تُجدي معه حجة. وفي هذا المناخ يصبح النقد خيانة، والمساءلة تشكيكاً في
المشروع، والبحث عن بديل خدمةً للأعداء. وتتشكّل حول هذا المنطق منظومة اجتماعية
كاملة تُنتج حراسها الطوعيين؛ أناس لم يُكرههم أحد على الدفاع عن الخطاب بل
اختاروا ذلك بأنفسهم لأن انهيار الخطاب يعني انهيار السنوات التي أمضوها في
تصديقه، وهذا ثمن نفسي لا تطيقه أغلب النفوس. ويتحول العقل في نهاية المطاف إلى
ساعة مضبوطة على توقيت النصر الموعود، تقرأ المستقبل الخيالي بطلاقة وتعجز عن قراءة
الحاضر الواقعي، ولا تُصحَّح لأن من يملك مفتاح تصحيحها يعلم أن تصحيحها يُسقطه.
ثالثاً:
صناعة النفس الهشة
خلف
شعارات الصمود والثبات والنصر الحتمي تعمل في صمت آلة لا تتوقف لاستنزاف أثمن ما
يملكه أي مجتمع: أعمار أبنائه وإمكاناتهم. يقضي الشاب عمره في انتظار الظروف
المناسبة التي لن تكتمل، ويُؤجل المثقف مشروعه حتى تنتهي الأزمة التي لن تنتهي،
ويُعلّق رجل الأعمال استثماره حتى يستقر الوضع الذي لن يستقر.
وما فعله
معمر القذافي في ليبيا يمثّل على هذا الاستنزاف نموذجاً يصعب أن يجود التاريخ
بمثله؛ إذ وهبت الطبيعة ليبيا ما يكفي لأن تكون في مصاف الدول التي تحسدها الدول:
نفط وفير وسكان قلائل وموقع يجمع بين أفريقيا وأوروبا والعالم العربي. وحين استولى
القذافي على الحكم عام 1969 كان بيده من الموارد ما يكفي لبناء دولة حديثة في جيل
واحد، لكنه آثر أن يُنفق طاقة شعبه في خدمة سلسلة لا تنتهي من الأوهام.
بدأ
بمشروع الوحدة مع مصر عام 1972 فلم يكتمل، ثم مع تونس عام 1974 فانتهى قبل أن
يبدأ، ثم مع سوريا ثم السودان ثم المغرب، وفي كل مرة كان الوعد بالوحدة الكبرى
يستنزف الاهتمام والموارد والطاقة قبل أن ينهار دون أن يُحاسَب أحد على الفشل ودون
أن يُراجَع أحد الأسباب. ثم انتقل إلى مشروع الوحدة الأفريقية وأنفق مليارات النفط
في دول الساحل ليحصل على ولاء زعمائها، بينما يفتقر الليبيون إلى مؤسسات تعليمية
وصحية وإدارية تليق بثروة بلدهم. وحين يسأل أحد لماذا لا تنهض ليبيا كان الجواب
جاهزاً دائماً: الاستعمار الجديد يتربص والصهيونية تتآمر وأمريكا تحاصر. والحل كان
دائماً في الأفق: الوحدة القادمة والثورة المستمرة والجماهير الصاحية.
وأمضى
الليبيون 42 عاماً ينتظرون غداً لم يأتِ، وحين رحل القذافي عام 2011 وجدوا أنفسهم
أمام دولة بلا مؤسسات وشعب لم يتعلم يوماً كيف يُدير شأنه؛ لأن الرجل بنى نظاماً
يقوم على شخصه وحده ولم يترك خلفه ما يصمد بعده، وربما كان ذلك مقصوداً من
البداية.
وما يجعل
هذا النمط خطيراً بصورة خاصة أن الطاقة المُهدَرة لا تبدو مهدرة في الظاهر؛
فأصحابها مشغولون بمتابعة الأخبار وتحليل المواقف ومناقشة السيناريوهات. يبدو
المشهد من الخارج كمجتمع يغلي، لكنه في الحقيقة مجتمع يدور في مكانه؛ يستهلك طاقة
هائلة ولا يتقدم خطوة، كالذي يركض على حزام متحرك ويحسب أنه يقطع مسافة. وحين
يكتشف المجتمع في النهاية أن الغد الموعود لم يأتِ يجد نفسه قد شاخ في الانتظار
وأضاع في سبيله ما لا يُعوَّض.
رابعاً:
صناعة الكائن الوظيفي
ولا يقف
الأمر عند التأثير في الأفراد والمجتمعات، بل يمتد إلى ما هو أشد خطورة: توظيف
الأمل الكاذب لصناعة الشرعية السياسية وتجديدها بلا حاجة إلى إنجاز حقيقي.
وتقدم لنا
تجربة السلطة الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو عام 1993 وحتى اليوم نموذجاً فريداً
على هذه الآلية؛ إذ وُلدت السلطة من رحم وعد كبير: دولة فلسطينية مستقلة في غضون
خمس سنوات. وقد مضى على هذا الوعد أكثر من ثلاثة عقود لم تقم فيها الدولة، لكن
السلطة قامت وترسّخت ونمت مؤسساتها وتضخّم جهازها البيروقراطي وتوسعت ميزانياتها،
وكل ذلك باسم الدولة الموعودة التي لم تأتِ. والأشد إثارةً في هذا النموذج أن
الوعد بالدولة لم يكن يخدم الفلسطينيين وحدهم، بل كان يخدم السلطة نفسها خدمةً
مزدوجة؛ فهو يُبرر وجودها أمام شعبها بوصفها الطريق الوحيد إلى الدولة، ويُبرر
وجودها أمام المجتمع الدولي بوصفها الشريك الذي لا غنى عنه في مسار السلام.
النجاة من فخ الأمل الكاذب لا تكون باليأس والقنوط، فذلك وقوع في الفخ المقابل الذي ينتظره مهندس الوعي بديلاً جاهزاً لمن يكتشف الخدعة الأولى، بل تكون بما يمكن تسميته الأمل النشط؛ الأمل الذي يُحدد هدفاً واضحاً ويعمل في اتجاهه اليوم لا غداً، ويُقاس بما يُنجزه لا بما يَعِده
وقد فهمت
السلطة بمرور السنوات أن تحقق الدولة يعني نهاية المرحلة التي تجني منها ما تجني،
فصار الاستقرار تحت ظل الاحتلال هدفاً. وتحوّل الوعد بالدولة إلى مسوغ للبقاء،
تُقدَّم به طلبات التمويل الدولي وتُسوَّى به الخلافات الداخلية وتُسكَّت به أصوات
المعارضة.
والوعد
يختلف عن الإنجاز في شيء واحد جوهري: الإنجاز يُقاس ويُحاسَب عليه، أما الوعد
فيكفي أن يُصاغ بعبارات لا تقبل القياس؛ الدولة في الطريق والمفاوضات تسير والظروف
الدولية ستتغير. عبارات لا يمكن دحضها لأنه لا يمكن إثباتها، وهذا ما يجعلها أدوات
لا تصدأ. وحين يتذمر أحد يُقال له إن البديل عن هذا المسار هو الفوضى، وحين يُطالب
بالمحاسبة يُقال له إن المرحلة لا تحتمل الانقسام، وحين يبحث عن طريق آخر يُقال له
إنه يخدم الاحتلال. وتنتهي الدائرة إلى حيث بدأت: الأمل الكاذب لم يكن يوماً هدية
للشعوب بل كان ضريبة مؤجلة التحصيل؛ تُدفع من رصيد الزمن الذي لا يعود ومن رصيد
الأجيال التي تعلمت الانتظار فنسيت كيف تصنع ما تحتاج. وأشد هذه الضريبة قسوةً
أنها تُحصَّل من الفقراء أولاً؛ فالغني يشتري وقته بماله، أما الفقير فلا يملك إلا
وقته، فحين يُستنزف في الانتظار لا يبقى له ما يبيعه.
إن النجاة
من فخ الأمل الكاذب لا تكون باليأس والقنوط، فذلك وقوع في الفخ المقابل الذي
ينتظره مهندس الوعي بديلاً جاهزاً لمن يكتشف الخدعة الأولى، بل تكون بما يمكن
تسميته الأمل النشط؛ الأمل الذي يُحدد هدفاً واضحاً ويعمل في اتجاهه اليوم لا
غداً، ويُقاس بما يُنجزه لا بما يَعِده، ولا ينتظر الظروف المثالية لأنه يعلم أن
الظروف المثالية لا تأتي بل تُصنع.
وهنا يقف
القرآن الكريم بتوازنه الذي لا يُجاريه توازن؛ فهو لم يُقنّط الإنسان من رحمة
الله، ولم يُلهِه بوعود مبهمة تُعطّل عمله في الحاضر، بل ربط الأمل بالعمل ربطاً
لا يقبل الفصل، في قوله تعالى: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً"..
الرجاء هنا ليس تعليقاً للعمل بل هو دافعه؛ من يرجو فليعمل، لا من يرجو فلينتظر.
وفي هذه الآية تفكيك كامل لمنطق الأمل الكاذب؛ فالرجاء الحقيقي لا يُخدَّر به
صاحبه بل يُحرَّك، ولا يُعلَّق به عقله بل يُشحَذ، ولا يُبرَّر به خضوعه بل تُصان
به كرامته.
والخروج
من فخ الأمل الكاذب يبدأ بسؤال واحد يطرحه المرء على كل وعد يُساق إليه: ماذا
يُطلب مني في مقابل هذا الأمل؟ فإن كان المطلوب منك أن تعمل وتبني وتُطالب وتُساءل
فأنت أمام أمل حقيقي، وإن كان المطلوب منك أن تصمت وتنتظر وتُؤجل وتُسلّم فأنت
أمام سجن مبني من الأحلام، والفرق بين الاثنين كالفرق بين السماء والأرض.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.