هندسة الوعي (26): نظام الطيبات وفخ الحنين إلى البساطة

مصطفى خضري
"لم يكتفِ كثير من المتحمسين بتطبيق التوصيات الغذائية والصحية على أنفسهم، بل انتقلوا إلى ما يشبه الشرطة الأخلاقية الغذائية"- جيتي
"لم يكتفِ كثير من المتحمسين بتطبيق التوصيات الغذائية والصحية على أنفسهم، بل انتقلوا إلى ما يشبه الشرطة الأخلاقية الغذائية"- جيتي
شارك الخبر
الحنين غريزة إنسانية أصيلة؛ ليس ضعفاً ولا وهماً، بل هو نسيج في داخل الإنسان يحتاج إلى جذر يعود إليه حين يضيق به الحاضر وتثقله تعقيداته. فابني يشتاق إلى أمس لعب فيه بلا هموم، وأبي يتذكر زمناً كانت فيه الكلمة تُصان والعهد يُوفى، والأمة حين تُصاب بالاضطراب تلتفت إلى ماضيها بحثاً عن معنى يثبّتها. هذا الشوق في أصله نعمة، لكنه يتحول إلى مدخل خطير حين يجد من يوظّفه، وما يجري بيننا ليس استثناءً من هذه القاعدة.

حين يضيق الناس بتعقيدات الحياة المعاصرة وضغوطها وما أفرزته من تفكك أسري وانهيار قيمي ووباء غذائي وتلوث روحي، يصبح الحنين إلى زمن يُتخيّل أنه كان أكثر نقاءً وأبسط تركيباً وأصفى وجداناً سلعةً لا تكسد في سوق الأفكار. ومن يعرف كيف يُعبّئ هذا الشوق ويُلبسه لباساً أيديولوجياً يملك مفتاح قلوب تواقة إلى اليقين، ومستعدة أن تدفع الكثير مقابل هذا الشعور.

والحنين إلى الماضي ليس ظاهرة مقصورة على وصف الشعراء فقط، بل هو موضوع بحث نفسي واجتماعي راسخ تتكاثر حوله الدراسات منذ عقود. وقد أثبت عالم النفس الهولندي كونستانتين سيديريدس في أبحاثه الممتدة أن الحنين ليس مجرد توق عاطفي عابر، بل هو عملية داخلية تعمل على غربلة الذكريات وتلميعها، فيتذكر الإنسان ما كان مضيئاً وينسى تدريجياً ما كان مُظلماً حتى يغدو الماضي في وجدانه صورة جُمّلت وأُعيد تلوينها. وهو ما يسميه علماء الإدراك تحيّز التفاؤل الماضوي، أي ميل العقل البشري إلى تقييم الأحداث الماضية بدرجة من الإيجابية تفوق ما كان يقيّمها به حين عاشها فعلاً.

ويُضاف إلى ذلك ما كشفته أبحاث جامعة ساوثهامبتون من أن الحنين حين يُستدعى جماعياً لا فردياً يتحول من تجربة عاطفية شخصية إلى ما يشبه الأيديولوجيا المشتركة، تمنح أصحابها إحساساً بالتماسك والتميز والمعنى، لكنها تبني في الوقت ذاته جداراً نفسياً بينهم وبين كل ما هو خارج الصورة المثالية المشتركة. وعند هذه النقطة تحديداً ينقلب الحنين من شيء يعين الإنسان على الاحتمال إلى وقود في يد مهندس الوعي الذي يعرف أن الجمهور الذي يشتاق هو جمهور يحلم، والحالم تضطرب لديه بوصلة الاختيار.

العوضي رحمه الله لم يكن مجرد طبيب يتحدث عن الغذاء، بل كان بامتياز مهندس وعي متكامل الأدوات؛ يوزع الخوف والدواء في كفّين معاً، ويُحسن صياغة جمهوره حتى يغدو كقبيلة لها لغتها وعدوها وأسوارها. وقد استخدم، أدرك ذلك أم لم يدرك، أدوات هندسة الوعي التي تحدثنا عنها

وتقوم هذه الآلية على ثلاثة أسس يشدّ بعضها بعضاً: أولها تضخيم المعاناة الحاضرة وتقديمها باعتبارها نتيجة حتمية للانحراف عن النموذج الماضوي، وثانيها رسم صورة مثالية مصنوعة لذلك الماضي تُنقّى من تناقضاته وإخفاقاته، وثالثها ربط استعادة ذلك الماضي المتخيّل بزعيم أو نظام أو منهج بعينه يدّعي امتلاك خريطة الطريق إلى الجنة المفقودة. وعند هذا الحد يكفّ الحنين عن كونه شعوراً إنسانياً ليصبح أيديولوجيا تطالب باسترداد ماضٍ لم يكن على هذه الصورة قط، ولا تسأل فيما بعد عما تحلّه لنفسها من محرمات.

ولعل ما نادى به الطبيب المصري ضياء العوضي رحمه الله تحت مسمى نظام الطيبات يمثّل نموذجاً لافتاً في إيضاح هذه الآلية، لا من باب النيل من رجل أخلص فيما ظنه إصلاحاً، بل لأن مساره يكشف شيئاً أعمق من مجرد فكرة أخطأت طريقها؛ إذ يكشف كيف يسكن في جلد الرجل الواحد المخلص في نيته والمدمر في أثره، وهذا ما يجعل مواجهة الفكرة أشق بكثير من مواجهة الشر الذي يُعلن عن نفسه. فالعوضي رحمه الله لم يكن مجرد طبيب يتحدث عن الغذاء، بل كان بامتياز مهندس وعي متكامل الأدوات؛ يوزع الخوف والدواء في كفّين معاً، ويُحسن صياغة جمهوره حتى يغدو كقبيلة لها لغتها وعدوها وأسوارها. وقد استخدم، أدرك ذلك أم لم يدرك، أدوات هندسة الوعي التي تحدثنا عنها في هذه السلسلة: من تضخيم الأزمة وتبسيط أسبابها، ثم بناء النموذج المثالي الماضوي، نهاية بتقديم نفسه قدوةً حيّة تجسّد البديل وتدفع ثمنه.

والحق أن العوضي رحمه الله لم يأتِ بجديد في جوهر ما نادى به؛ فالتحذير من أضرار الغذاء المصنّع ومخاطر الكيمياء الزراعية وفساد منظومة الاستهلاك الحديث سبقه إليه أطباء وباحثون وعلماء تغذية قبله بعقود، وملأت كتبهم المكتبات الغربية قبل أن تعرفهم مكتبات العرب. لكن ما ميّزه عمّن سبقه لم يكن في المادة، بل في طريقة تشكيلها وإيصالها؛ إذ غلّف المضمون المعقول بطبقة عاطفية سميكة حتى خرجت الرسالة من باب الصحة والغذاء وولجت من باب آخر يشبه باب الحركات الدينية التي لها رمزها وعدوها وأهل حلّها وعقدها، وتجاوز التحذير المعقول إلى تصريحات أثارت استغراب أهل الاختصاص، من بينها مهاجمته الصريحة لبعض الأدوية المهمة كالأنسولين وتشكيكه في جدواه لمرضى السكري، وتشجيعه متابعيه على استهلاك السكر والشوكولاتة والدهون والتدخين؛ بمبررات لا تصمد أمام المراجعة العلمية الصارمة.

وقد امتلك العوضي شخصية استثنائية في صناعة البروباغندا وإثارة الجدل والإمساك بمشاعر المتابعين، فكان يُحسن توظيف لغة الاستنفار ضد العدو الخفي وشحن الجمهور بمزيج من الخوف واليقين البديل، مع الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية الكريمة في غير موضعها. وتلك هي حرفة مهندس الوعي بعينها؛ لا يحتاج إلى أن يكذب، يكفيه أن يعرف ما يقول وما يُضمر وكيف يُرتب الحقائق بعضها فوق بعض حتى تقول له ما يريد.

وأمانة القول تقتضي أن نقف هنا وقفة إنصاف؛ فليس الأمر كله سراباً. ثمة أناس شهدوا تحسناً حقيقياً في أحوالهم الصحية، وبعضهم يقسم أن الله شفاه بهذا النظام، وشهادتهم لا تُردّ ولا يُستهان بها. والأمر لا يحتاج لا إلى معجزة نؤمن بها ولا إلى تكذيب نلوذ به؛ فثمة في توصيات العوضي ما يقف على أرض صلبة من علم التغذية لا يختلف عليه اثنان، من بينها تقليل الغذاء المصنع والدقيق الأبيض والإضافات الكيميائية، وهذه وحدها كافية لأن تُحدث فارقاً حقيقياً في صحة من قضى عمره يأكل مما تصنعه المصانع ويشرب مما تُعبّئه المختبرات. غير أن الأمانة العلمية تفرض علينا إضافة ما لا يقل وزناً: وهو أن قدراً من هذا التحسن لا يعود إلى ما أكله المريض بل إلى ما آمن به؛ وهو ما يسميه الأطباء تأثير الدواء الوهمي وما يسميه علماء النفس الاستجابة للتوقع؛ إذ حين يعتقد المريض اعتقاداً جازماً بأن ما بين يديه شفاء، يُقبل جسده على الاستجابة استجابةً حقيقية قابلة للقياس؛ هرمونات تتغير ومسارات عصبية تنشط ومناعة تتحرك. ومن هنا جاءت نتائج دراسات الدواء الوهمي لتُثبت أن الإيمان بالعلاج وحده قادر على إحداث تحسن موثق في طيف واسع من الأمراض.

والمسألة ليست في من عافاه الله، فتلك نعمة لا يُنازَع فيها صاحبها أياً كان طريقها، بل المسألة في أن هذه الشهادات الحقيقية تُوظَّف دليلاً على صحة ما لا يصح، وتُرفع في وجه كل من يجرؤ على المساءلة أو يطالب بالدليل. وجاءت نهاية العوضي لتُضيف إلى القصة فصلاً لم يكن أحد يتوقعه؛ إذ غادر الرجل المشهد تاركاً وراءه غموضاً في ملابسات رحيله لم يُحسم بعد، لكن هذا الغموض نفسه أدى وظيفة لم يكن أحد يخطط لها: فغدا في أعين أتباعه شهيداً طعنته المنظومة التي قضى حياته يحاربها. وهذا الضرب من التقديس الذي لم يطلبه أحد هو أشد ما عرفته حركات الحنين فتكاً، لأن الرجل ما دام حياً بيننا يمكن الاختلاف معه ومحاججته والطعن في قوله، أما حين يرحل هكذا فقد غدت المساءلة في عيون أتباعه طعناً في الغائب وجحوداً لمن بذل، ويتحول النظام من فكرة تُناقَش إلى تركة تُصان.

وقد أنتج ذلك التوظيف العاطفي لصورة الماضي الطيب في هذا المثال أربعة أنماط يستحق كل منها وقفة:

أولاً: صناعة الإنسان الأداة

نقف هنا أمام ربما أخطر ما تُفضي إليه هندسة الحنين؛ إذ لا يقنع المتأثر بتغيير ما يأكله، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد فيصبح محتسباً يحمل على كتفيه وحده مهمة تطهير المجتمع. ما جرى في شبكات متابعي نظام الطيبات في مراحل اتساعه يقدم شاهداً صريحاً على هذا التحول؛ إذ لم يكتفِ كثير من المتحمسين بتطبيق التوصيات الغذائية والصحية على أنفسهم، بل انتقلوا إلى ما يشبه الشرطة الأخلاقية الغذائية، يحاكمون الآخرين على ما يضعونه في أطباقهم، ويصفون من يتناول الطعام المعالج بالتقصير في حق جسده ودينه وأمته. لم يبق الأمر شأناً شخصياً، بل صار بطاقة العضوية في الفرقة الناجية. هؤلاء لم يكونوا يمارسون هذا التطهير بدوافع الكراهية، بل من فيض الإيمان بالنموذج المثالي المفقود؛ لكن المآل كان واحداً في الحالتين: اختفى الرفاق في البحث عن الحق وحلّ محلهم خصوم ينتظرون التأديب، وهذا هو الأخطر؛ فالمؤمن بعدالة ما يفعله لا تعرف يده متى تتوقف.

ثانياً: صناعة العقل التابع

وهنا يظهر التناقض في أشد صوره وضوحاً؛ إذ يُقدَّم للمتحمس عالم مقسوم بسيف واحد: ما كان قبل الحداثة طيب في جوهره، وما جاءت به الحداثة فاسد في أصله. وهذه الثنائية تريح صاحبها من عبء التفكير الذي يستلزم التمييز والموازنة والشك. ولعل أوضح تجلٍّ لهذا الانتقاء ما آل إليه النقاش حول الطب الحديث في بعض دوائر هذه الحركة؛ إذ ذهب بعضهم إلى توجيه ريبة متصاعدة نحو اللقاحات والأدوية التركيبية والجراحة، باعتبارها من منتجات عالم فاسد، في حين أسبغوا القداسة على وصفات الأقدمين وأعشابهم بلا تمحيص ولا فرز. فالمعيار لم يكن الدليل بل كان الزمن وحده: ما أتى من قبل فهو صحيح بحكم أصله، وما جاء من الحاضر فهو مشبوه بحكم مصدره. ردّد أتباع هذا النمط قناعاتهم باطمئنان من يمتلك الحقيقة الكاملة، وحين واجهتهم وقائع طبية تفند بعض الادعاءات لم يتوقفوا، بل أعادوا توصيف الواقعة بوصفها مؤامرة من الصناعة الدوائية أو انحيازاً لمصالح الشركات الكبرى.

وفي هذا الانغلاق وحده ما يكفي للكشف أن المعركة لم تكن منذ البداية عن الصحة والغذاء، بل هي معركة هوية يصطف فيها المرء مع أجداده في مواجهة عالم يبدو له فاسداً في عروقه، ومن يخوض هذه المعارك لا يتعلم كيف يقبل الهزيمة.

ثالثاً: صناعة النفس الهشة

خلف لافتات الفطرة والطبيعة والأصالة؛ تدور في صمت طاحونة لا تتوقف لترسيخ شعور واحد: أننا مستهدَفون. ويتشرب المنتسب يوماً بعد يوم قناعةً واحدة: أن كل ما أصابه من مرض أو إخفاق أو ضياع له عنوان واحد، هو العدو الذي يطاله في صحته وعقله وأبنائه، وأن البقاء داخل الجماعة هو الحصن الوحيد في وجه هذا المخطط. ويبرز هذا البناء العاطفي في طريقة تأطير الرسائل التي كانت تُوزَّع على شبكات المتابعين؛ حيث تبدأ بحقائق طبية صحيحة عن أضرار الغذاء المصنّع ومخاطر الكيمياء الزراعية، ثم تقفز قفزاً سريعاً إلى استنتاجات مؤامراتية تربط كل ذلك بأجندات دولية تستهدف أبناء هذه المنطقة تحديداً، ثم تنتهي برسالة تحريض على الحلول الجماعية التي تستعيد السيادة الغذائية والصحية في مواجهة المستهدِفين.

وهذا التصعيد المتواصل يزرع في صاحبه حالة من التأهب الدائم لا تفارقه، يصبح معها عاجزاً عن أن يأمن لمعلومة لا تأتيه من داخل الدائرة، ويُصبح كل اعتراض من خارجها دليلاً إضافياً على المؤامرة، وكل طبيب لا يوافق على الرسالة عميلاً لشركات الدواء. وعند هذه النقطة يصبح الحوار ضرباً من العبث، لأن من أغلق الباب من الداخل لا يسمع الطرق.

رابعاً: صناعة الكائن الوظيفي

ولا يقف الأمر عند تبديل ما يأكله الفرد أو ما يشربه، بل يمضي في صوره الأكثر خطورة إلى ما يمكن أن نسميه بالرجعية المتطرفة؛ رفض للحاضر من أوله إلى آخره دون أن يبقى منه شيء، وسعي لاسترداد نموذج لم يكن كما يُتصور بوسائل لا تكتفي بالكلام. ويبدو هذا النمط جلياً في المسار الذي تسلكه كثير من هذه الحركات حين تطول الطريق وتتراكم خيبات الأمل من المقاومة السلمية الهادئة؛ فيبدأ الخطاب يرفع صوته بالقوة والاسترداد ونبذ المنظومة الفاسدة كلها، وتضيق العبارات بكل استثناء. لا يُقال ذلك صراحةً في الغالب، لكنه يتسرب في الحشود من تحت الباب؛ غمزة هنا، وإيحاء هناك، واستحضار لصفحة من التاريخ اقتُطعت من سياقها وأُعيد توظيفها في غير موضعها، حتى يبدو الأجداد وكأنهم كانوا يأكلون على نظام الطيبات، ويبدو فجر الإسلام نموذجاً غذائياً لا حضارةً إنسانية شاملة قامت على العقل والاجتهاد والانفتاح على ما أنتجه الآخرون.

الحنين إلى الماضي المثالي لم يكن وسيلة للنهوض، بل كان ذريعة لشرعنة التمييز والإقصاء في الحاضر؛ فمن يأكل الطعام الفاسد فاسد، ومن يثق بالطب الحديث مخدوع أو عميل، ومن يعترض على نظام الطيبات شريك في الجريمة. وما بُني استبداد في التاريخ إلا على هذا المنطق أو ما يشبهه

وعلى هذا النحو تكتمل الدائرة: الحنين إلى الماضي المثالي لم يكن وسيلة للنهوض، بل كان ذريعة لشرعنة التمييز والإقصاء في الحاضر؛ فمن يأكل الطعام الفاسد فاسد، ومن يثق بالطب الحديث مخدوع أو عميل، ومن يعترض على نظام الطيبات شريك في الجريمة. وما بُني استبداد في التاريخ إلا على هذا المنطق أو ما يشبهه.

وفي هذه القصة بُعد آخر لا تكتمل الصورة بدونه، وإن كان مما يصعب إثباته ويحتاج شجاعة في التناول. فقد لفت انتباهنا أن الاهتمام الإعلامي بالعوضي ونظامه لم يكن ثابت المنسوب ولا بريء التوقيت؛ بل كان يرتفع منسوبه في لحظات بعينها يحتاج فيها الفضاء العام إلى ما يملؤه بعيداً عن استحقاقات أكثر إيلاماً. والمتابع للإعلام السياسي المصري يعرف أن منظومة الذباب الإلكتروني لا تشتغل فقط بالمديح والهجوم، بل تُجيد كذلك فن الضخ والتضخيم لكل موضوع كفيل بأن يشغل الناس عما هو أهم، سواء أكان الموضوع محل تأييد أم جدل أم فضيحة، يكفي أن يملأ الفراغ ويستهلك الطاقة. ووجد نظام الطيبات في هذه المعادلة تربةً خصبة؛ فهو بطبعه موضوع لا يمر عليه أحد مرور الكرام؛ يستفز ويستنفر ويدفع إلى التعليق والمشاركة والجدل المتواصل، وهذه بالضبط مواصفات الموضوع المثالي لمن يريد أن يُدير الانتباه لا أن ينتج الوعي.

وما نطرحه هنا ليس اتهاماً بمؤامرة مدبرة، بل هو رصد لنمط يتكرر في إدارة الفضاء العام، يجد في الموضوع المستفز وقوداً جاهزاً بصرف النظر عن نوايا أصحابه. وليس في هذا ما يعني أن العوضي كان شريكاً في هذا التوظيف أو راضياً عنه، والغالب أنه لم يكن يعلم شيئاً، لكن أدوات هندسة الوعي لا تطرق الباب قبل أن تدخل. وتلك هي المفارقة: رجل آمن بما دعا إليه وأخلص له، فوجد نفسه دون أن يدري حطباً في نار أشعلها غيره لأغراض لم تخطر له على بال. وهذا يعني في المحصلة أن هذه القضية انطوت على طبقات متعددة من هندسة الوعي تداخلت فيها أيدٍ لم تلتقِ ولم تتفق.

والخروج من هذا الفخ لا يكون بالتنكر للماضي والقطيعة معه، فذاك وقوع في خطأ مقابل، بل يكون بأن تعرف الفرق بين أن تشتاق وأن تُستعبَد بشوقك. وهنا يقف القرآن بمنهجه الذي يتخطى الاثنين معاً؛ فهو لم يأمر بنسيان الماضي ولا بعبادته، بل كلّف بما هو أشق منهما: أن تحمل الماضي مصباحاً لا قيداً وأنت تمشي في الحاضر. يضع القرآن أمامنا المعيار الفاصل في قوله تعالى: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ". والعلم هنا ليس ما يتراكم في الذاكرة، بل هو القدرة على الرؤية الكاملة التي لا تقف عند حد ولا تنحاز إلى زمن. وفي هذه الآية وحدها ما يكفي لتفكيك منطق الماضي المثالي الوهمي؛ فالذين لا يعلمون هم من يقيمون في صورة ويحسبون أنهم يقيمون في حقيقة، سواء أكانت هذه الصورة ماضياً مثالياً مصنوعاً أم مستقبلاً لامعاً مزيفاً.

والخروج من فخ الحنين للبساطة لا يحتاج فيلسوفاً ولا متخصصاً، بل يحتاج إنساناً عادياً يملك شيئاً واحداً: شجاعة أن يفكر بعقله هو؛ أن يحب ماضيه دون أن يعبده، ويعيش حاضره دون أن يستسلم له؛ أن يعرف أن الحنين حين يبقى شعوراً يُدفئ القلب فهو نعمة، لكنه حين يتحول إلى برنامج يُدير الرأس فهو مصيدة. والفارق بين الاثنين ليس في قوة الشوق بل في سؤال واحد يطرحه المرء على نفسه: هل أنا من يشتاق، أم أن أحداً يوجّه شوقي إلى حيث يريد؟ من عرف الجواب أفلح، ومن لم يسأل ظل يحسب أنه يسترد ماضيه وهو لا يسترد شيئاً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)