ماذا بعد الحرب؟ سؤال المستقبل أم معركة التبرير؟

محمد زويل
"أخطر ما بعد الحرب ليس الهزيمة، ولا حتى الخسائر، بل أن تنتصر ثقافة التبرير على ثقافة التعلم"- جتي
"أخطر ما بعد الحرب ليس الهزيمة، ولا حتى الخسائر، بل أن تنتصر ثقافة التبرير على ثقافة التعلم"- جتي
شارك الخبر
ما إن تقترب الحروب من نهاياتها، أو تُعلن الاتفاقات ووقف إطلاق النار، حتى تبدأ معركة أخرى لا تقل ضراوة عن المعركة التي سبقتها، لكنها هذه المرة ليست معركة في الميدان، بل معركة على الوعي والرواية والذاكرة.

فجأة ينشغل الجميع بالسؤال الأسهل: من انتصر؟ وتختفي الأسئلة الأصعب: ماذا تعلمنا؟ ماذا خسرنا؟ كيف نستعد للمستقبل؟ أين أخطأنا؟

تتحول الساحات إلى محاكم، والفضائيات إلى منصات اتهام، ووسائل التواصل إلى ساحات تصفية حسابات. يبدأ كل فريق في جمع الأدلة التي تثبت أنه كان على حق، لا الأدلة التي تساعده على ألا يكرر الخطأ. وفي خضم ذلك يضيع السؤال الوحيد الذي يهم الأجيال القادمة: ماذا بعد؟

الحقيقة القاسية أن كثيراً من الأمم لا تهزمها الحروب، بل تهزمها طريقة تعاملها مع نتائج الحروب. فالخسارة العسكرية يمكن تعويضها، والخسارة الاقتصادية يمكن إعادة بنائها، وحتى الخسارة السياسية قد تتغير مع الزمن، لكن الخسارة التي يصعب تعويضها هي أن تتحول الأمة إلى أسيرة للماضي، تدور حول تفسير ما جرى بدلاً من الاستعداد لما سيجري.

القرارات المصيرية التي دفعت الشعوب ثمنها تُناقش غالباً داخل دوائر ضيقة، ثم يُطلب من الجماهير لاحقاً أن تقتنع بالرواية الرسمية أياً كانت، وأن تصفق للنتائج أياً كانت، وأن تتحمل التكاليف أياً كانت

بعد كل أزمة كبرى يفترض أن تبدأ فوراً عمليات لملمة الصف الداخلي، وإعادة بناء الثقة، واستخلاص الدروس، وإعادة التموضع الإقليمي، وبناء أوراق قوة جديدة، وصياغة استراتيجية للمرحلة المقبلة، لكن ما يحدث غالباً هو العكس. فبدلاً من بناء المستقبل تبدأ ورشات تبرير الماضي، وبدلاً من مراجعة القرارات يبدأ الدفاع عنها، وبدلاً من دراسة الأخطاء يبدأ البحث عن متهمين يمكن تحميلهم المسؤولية كاملة، أو أبطال يمكن إعفاؤهم من أي مسؤولية.

وهكذا تتحول المراجعة إلى دعاية، والنقد إلى خصومة، والتعلم إلى معركة ولاءات. الأخطر من ذلك، أن القرارات المصيرية التي دفعت الشعوب ثمنها تُناقش غالباً داخل دوائر ضيقة، ثم يُطلب من الجماهير لاحقاً أن تقتنع بالرواية الرسمية أياً كانت، وأن تصفق للنتائج أياً كانت، وأن تتحمل التكاليف أياً كانت.

يدفع الناس ثمن الحرب، ثم يُحرمون من المشاركة في تقييمها، يدفعون ثمن القرارات، ثم لا يشاركون في مراجعتها، يدفعون ثمن الفشل أحياناً، ثم يُطلب منهم الاحتفال به باعتباره نجاحاً تاريخياً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالمشكلة ليست في أن تخطئ القيادات؛ فالخطأ جزء من العمل البشري والسياسي والعسكري، المشكلة أن تُحتكر المعرفة بالخطأ، ويُحتكر القرار، وتُحتكر المراجعة، بينما يُترك المجتمع في موقع المتلقي الذي لا يملك إلا دفع الفاتورة.

إن الأمم الحية لا تقاس بقدرتها على الانتصار فقط، بل بقدرتها على التعلم، ولا تقاس بحجم شعاراتها، بل بجرأة مراجعاتها، ولا تقاس بعدد من يدافعون عن قراراتها، بل بعدد من يستطيعون نقدها دون خوف.

لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد أي حرب أو اتفاق ليس من الذي كسب الجولة؟ بل: هل خرجنا منها أكثر وعياً أم أكثر انقساماً؟ أكثر قوة أم أكثر استنزافاً؟ أكثر استعداداً للمستقبل أم أكثر غرقاً في تبرير الماضي؟

التاريخ لا يرحم الذين يقضون أعمارهم في شرح ما حدث، بينما خصومهم منشغلون بالاستعداد لما سيحدث. ولهذا فإن أخطر ما بعد الحرب ليس الهزيمة، ولا حتى الخسائر، بل أن تنتصر ثقافة التبرير على ثقافة التعلم، وأن تتحول معركة المستقبل إلى مجرد نقاش طويل حول من أخطأ أولاً. عندها فقط تكون الأمة قد خسرت مرتين: مرة في الميدان، ومرة في الوعي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)