من أخطر مظاهر الارتباك في الوعي السياسي أن تختلط
المفاهيم حتى يصبح نقد الحكومة عداءً للدولة، ويصبح تغيير النظام تهديداً للوطن
ويُصوَّر بقاء الحاكم وكأنه شرط لبقاء البلاد. وهذا الخلط ليس مجرد خطأ لغوي، بل
هو أحد أهم أسباب الاستقطاب السياسي وتعثر الإصلاح وإضعاف المؤسسات. فالدول
الحديثة لا تُبنى على الأشخاص وإنما على مؤسسات مستقرة وقواعد حاكمة تضمن استمرار
الدولة مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت الأنظمة.
الدولة.. الكيان الذي يجب أن يبقى
الدولة هي الكيان
القانوني والسياسي الذي يضم الأرض
والشعب والمؤسسات والسيادة، وهي الوعاء الجامع لكل المواطنين على اختلاف توجهاتهم،
ولهذا فإن الجيش والقضاء والإدارة العامة والبنك المركزي والجامعات والهيئات
الرقابية هي مؤسسات دولة وليست مؤسسات حكومة أو حزب أو رئيس.. والدولة الرشيدة
تُبنى بحيث تستمر وتؤدي وظائفها مهما تغيرت القيادة السياسية.
وقع بعض المعارضين أيضاً في الخطأ نفسه، فخلطوا بين مقاومة النظام ومعاداة مؤسسات الدولة والنتيجة أن الجميع خسر.. الأنظمة قد تتغير، والحكومات تتبدل، لكن الدولة إذا ضعفت دفعت الأمة كلها الثمن
والحكومة ليست الدولة، وإنما فريق إداري وسياسي يتولى
إدارة الدولة لفترة محددة. قد تُحسن الإدارة أو تسيء إليها، قد تنجح في الاقتصاد
أو تفشل قد تحظى بتأييد الناس أو تفقده، لكنها في جميع الأحوال ليست الوطن ولا
يجوز أن تُختزل الدولة فيها. وفي الديمقراطيات المستقرة، تتغير الحكومات بصورة
دورية بينما تستمر الدولة بكامل مؤسساتها دون اضطراب.
والسلطة هي ممارسة القرار وإلزام المجتمع به وفي الدولة
الحديثة تُوزع
السلطة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية حتى لا تحتكر
جهة واحدة القرار، أما عندما تتركز السلطة في يد شخص أو مؤسسة واحدة، فإن قدرة
المجتمع على الرقابة والمحاسبة تضعف، حتى لو بقيت مؤسسات الدولة قائمة شكلياً.
والنظام هو الطريقة التي تُدار بها الدولة فهو يحدد: كيف يُختار الحاكم، وكيف يُحاسب، وكيف تنتقل السلطة، وما حدود الحريات، وما
العلاقة بين مؤسسات الدولة
لذلك قد تبقى الدولة المصرية نفسها، بينما تتغير أنظمة
الحكم من مَلكية إلى جمهورية، أو من نظام أكثر انفتاحاً إلى نظام أكثر مركزية، دون
أن يعني ذلك زوال الدولة.
التجربة المصرية.. بين الدولة والنظام
شهدت مصر خلال العقود الماضية مراحل اختلطت فيها هذه
المفاهيم لدى قطاعات من المجتمع، فعندما وُجه النقد إلى سياسات حكومية اعتبره
البعض استهدافاً للدولة، وعندما طالب آخرون بإصلاح النظام السياسي صُوِّر الأمر
وكأنه دعوة لإسقاط مؤسسات الدولة.
وفي المقابل وقع بعض المعارضين أيضاً في الخطأ
نفسه، فخلطوا بين مقاومة النظام ومعاداة مؤسسات الدولة والنتيجة أن الجميع خسر.. الأنظمة
قد تتغير، والحكومات تتبدل، لكن الدولة إذا ضعفت دفعت الأمة كلها الثمن.
ماذا تعلمنا من التاريخ؟
يخبرنا التاريخ أن الدول القوية ليست تلك التي لا يتغير
فيها الحكام وإنما التي لا تتوقف مؤسساتها عن العمل عند تغير الحكام. ففي كثير من
الدول الديمقراطية تتغير الحكومات بصورة منتظمة، لكن الجيش يبقى جيش الدولة
والقضاء يبقى قضاء الدولة والإدارة العامة تواصل عملها لأن ولاءها للدستور
والقانون لا للأشخاص. وفي المقابل فإن الدول التي تربط بقاءها ببقاء الحاكم تدخل
غالباً في أزمات عميقة عند أي انتقال للسلطة.
لا يملك رئيس الدولة الدولةَ ولا تملك الحكومة مؤسساتها ولا
يحتكر النظام الوطن، فالدولة ملك لجميع مواطنيها، حاضرهم ومستقبلهم، وأي محاولة
لاحتكارها باسم حزب أو تيار أو قائد تُضعفها وتُفقدها حيادها. ولهذا فإن الدولة
القوية هي التي تقف على مسافة واحدة من الجميع وتسمح بتداول السلطة وتحمي الحقوق
وتضمن استقلال المؤسسات.
الوعي السياسي الحقيقي
النضج السياسي يبدأ عندما يدرك المواطن أن بإمكانه أن:
- يحب وطنه ويعارض الحكومة.
- يدافع عن الدولة
ويطالب بإصلاح النظام.
- يحترم المؤسسات ويطالب بمحاسبة
المسؤولين.
- يرفض الفساد دون أن يهدم
الدولة.
- يسعى إلى التغيير دون أن يدفع
البلاد إلى الفوضى.
هذه ليست تناقضات بل هي جوهر الدولة الحديثة، وإن الدول
لا تنهار عندما تتغير الحكومات وإنما تنهار عندما تُختزل في الحكومات ولا تضعف
عندما يُنتقد النظام وإنما تضعف عندما يُمنع النقد والمراجعة والإصلاح.. إن الدولة
أكبر من أي رئيس وأقدم من أي حكومة وأبقى من أي نظام سياسي، وحين يدرك المجتمع هذا
المعنى يصبح الخلاف السياسي منافسة على خدمة الدولة، لا صراعاً على امتلاكها.
فالوطن لا يُختزل في حاكم والدولة لا تُختزل في حكومة
والسلطة ليست غاية والنظام ليس مقدساً، وإنما جميعها وسائل لخدمة الإنسان وصيانة
الوطن وتحقيق
العدل والاستقرار.
الرؤية الإسلامية.. التمييز بين الأمة والدولة والحاكم
هذا التمييز يجد أساساً قويا في التراث الإسلامي،
فالفقهاء فرّقوا بين الأمة والدولة وولي الأمر ولم يجعلوا
شخص الحاكم مرادفاً لكيان الأمة أو الدولة، ولهذا فإن نصح الحاكم أو محاسبته أو
المطالبة بإصلاح نظام الحكم لا يساوي الطعن في الوطن أو هدم الدولة، بل قد يكون من
مقتضيات حفظ المصلحة العامة إذا تم بالوسائل المشروعة.
فإذا كانت العلوم السياسية الحديثة تفرق بين الدولة
والحكومة والسلطة والنظام فإن التراث الإسلامي سبق إلى التمييز بين مفاهيم متقاربة
وإن اختلفت المصطلحات، فالقرآن الكريم يجعل الأصل هو الأمة، قال تعالى: "إِنَّ
هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"،
بينما الحاكم فردٌ من الأمة، يتولى وظيفةً لتحقيق مصالحها، وليس تجسيداً لها ولذلك
لم يكن الخلفاء الراشدون يرون أنفسهم أصحاب الدولة، وإنما أمناء عليها.
وقد لخّص أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا المعنى في أول
خطاب له حين قال: "أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي
عليكم". وهي قاعدة تؤكد أن شرعية الطاعة مرتبطة بالحق والعدل، لا بمجرد
المنصب.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم
إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها". وهو إعلان مبكر بأن النقد
والنصيحة ليسا خروجاً على الدولة، بل وسيلة لإصلاحها.
ومن هنا ميّز الفقهاء بين الإمامة باعتبارها
وظيفة، وبين الأمة باعتبارها صاحبة المصلحة، وبين بيت المال باعتباره مال المسلمين لا مال الحاكم، وبين القضاء الذي يجب أن يكون مستقلاً
عن إرادة السلطان. كما قرر علماء السياسة الشرعية، وفي مقدمتهم الماوردي وأبو
يعلى الفراء وابن تيمية وابن خلدون، أن الإمامة وُجدت لتحقيق
مقاصد الدين والدنيا، وحفظ الأمن، وإقامة العدل، وصيانة الحقوق، لا لتحويل السلطة
إلى غاية في ذاتها.
ولذلك فإن الإسلام لا يربط بقاء الدولة ببقاء الحاكم بل
يربط بقاء الدولة بقيام العدل. وقد نُقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله المشهور: "إن
الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة". ومع أن هذه العبارة ليست حديثاً نبوياً فإنها تعبر عن قاعدة قررها في أكثر من موضع،
وهي أن العدل أساس العمران وبقاء الدول.
المشروع الإسلامي الحقيقي لا يُقاس بحجم حزب، ولا بعدد المقاعد، ولا ببقاء قيادة، وإنما بقدرته على ترسيخ قيم العدل والحرية والشورى وصيانة الكرامة الإنسانية وبناء مؤسسات قوية تخدم المجتمع كله
ومن أعمق ما كتبه ابن خلدون أن الدول لا تسقط أولاً بسبب
هجوم أعدائها، وإنما يبدأ سقوطها من داخلها عندما يفسد الحكم، ويضعف العدل،
وتُستنزف موارد الأمة، وتتحول السلطة من خدمة الرعية إلى خدمة أصحاب النفوذ.
ومن ثم، فإن الولاء في التصور الإسلامي يكون لله ورسوله ثم
للأمة ومصالحها العامة، أما الحاكم فله السمع والطاعة في المعروف ويُناصَح ويُحاسَب
ضمن الضوابط الشرعية دون أن يُختزل الدين في شخصه أو تُختزل الدولة في بقائه. وهكذا
يلتقي الفكر السياسي الإسلامي مع التجربة الدستورية الحديثة في حقيقة جوهرية؛ وهي
أن الدولة كيان دائم وأن السلطة أمانة وأن الحاكم وكيل لا مالك، وأن بقاء الأوطان
مرهون بقوة مؤسساتها وعدلها لا بدوام الأشخاص في مواقعهم.
نحو وعي سياسي راشد
إن المشروع الإسلامي الحقيقي لا يُقاس بحجم حزب، ولا بعدد
المقاعد، ولا ببقاء قيادة، وإنما بقدرته على ترسيخ قيم العدل والحرية والشورى
وصيانة الكرامة الإنسانية وبناء مؤسسات قوية تخدم المجتمع كله.
فالدولة ليست ملكاً للحاكم وليست ملكاً للحزب، بل هي ملك
للأمة تُدار بالقانون وتُصان بالعدل وتُراقَب بالمحاسبة وتُبنى بالشراكة. وهكذا
يلتقي الفقه السياسي الإسلامي مع أفضل ما أنتجته التجارب الدستورية الحديثة؛ أن
قوة الدولة لا تكون في قداسة الأشخاص أو التنظيمات السياسية وإنما في قوة
المؤسسات، وسيادة القانون، وحرية الأمة في المشاركة والمساءلة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.