اعتذار عصام حجي.. حين يعود العالم إلى ميزان الحقيقة

محمد زويل
"أكثر ما يلفت النظر في مراجعة حجي أنه لم يضع نفسه في موقع الضحية فقط. لقد حمّل نفسه جزءاً من المسؤولية"
"أكثر ما يلفت النظر في مراجعة حجي أنه لم يضع نفسه في موقع الضحية فقط. لقد حمّل نفسه جزءاً من المسؤولية"
شارك الخبر
ليس كل اعتذار ضعفاً، كما أن كل اعتذار ليس بالضرورة كافياً. وأحياناً تكون قيمة الاعتذار الحقيقية في أنه يأتي من شخص امتلك من المكانة والقدرة على الصمت ما كان يمكن أن يجعله يتجاهل خطأه، ثم اختار بدلاً من ذلك أن يعود إلى الوراء، ويفتح ملف تجربته أمام الناس، ويقول بوضوح: كنت مخطئاً.

من هنا تحديداً ينبغي أن نقرأ الاعتذار الأخير للدكتور عصام حجي. فالعالم المصري المعروف في مجال علوم الفضاء لم يكتفِ بإعلان مراجعة موقف سابق، بل تحدث عن تجربته داخل مؤسسة الرئاسة المصرية، واعتذر للشعب المصري عن قبوله العمل مستشاراً علمياً للطرطور المؤقت عدلي منصور، متحدثاً عن الطريقة التي تشكل بها وعيه السياسي آنذاك، وعن تأثير الإعلام، وعن اكتشافه أن الصورة التي كان يراها من الخارج لم تكن هي الصورة التي واجهها من الداخل (عربي21⁠). وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

الاعتذار فضيلة.. لكنه ليس نهاية النقاش
اعتذار عصام حجي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإعادة كتابة التاريخ وفق موقف سياسي واحد، إنما قيمته الحقيقية أنه يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل أخطأنا في قراءة تلك اللحظة؟

من السهل جداً أن نصف الاعتذار بأنه شجاعة، ومن السهل كذلك أن نهاجمه باعتباره متأخراً، لكن الإنصاف يقتضي شيئاً ثالثاً: أن نقرأه باعتباره شهادة ومراجعة ومسؤولية في آن واحد. فالإنسان لا يُقاس فقط بقدرته على اكتشاف الصواب، وإنما أيضاً بقدرته على الاعتراف بأنه أخطأ حين كان يظن أنه على صواب.

والدكتور عصام حجي، في شهادته الأخيرة، يقدم نموذجاً نادراً في الحياة العامة العربية: شخص يعترف بأن أدواته في قراءة السياسة لم تكن كافية، وأنه دخل المجال العام محملاً بصورة تشكلت جزئياً عبر الإعلام، ثم تغيرت رؤيته عندما اقترب من مركز صناعة القرار. وقد قال، بحسب ما نقل عن شهادته، إنه اكتشف أن مشاركته في الرئاسة لم تكن كما تصورها، وأنه كان يصدق كثيراً مما يُقال في الإعلام قبل أن يرى الواقع من الداخل (عربي21)⁠. وهذه النقطة تحديداً تستحق التأمل.

أخطر أخطاء المثقف أن يظن أنه لا يُضلَّل

العالِم يستطيع أن يكون عبقرياً في تخصصه، ثم يكون ساذجاً سياسياً. وهذه ليست إهانة، إنها حقيقة إنسانية. فالتخصص العلمي يمنح صاحبه أدوات هائلة لفهم الظواهر التي درسها، لكنه لا يمنحه تلقائياً حصانة من التضليل السياسي أو الإعلامي. ولهذا فإن أحد أهم الدروس في تجربة حجي ليس فقط ما يقوله عن 2013، وإنما اعترافه بأنه لم يكن يمتلك وقتها الأدوات الكافية لقراءة المشهد السياسي.

وهنا تتجاوز القضية شخص عصام حجي لتصبح درساً لكل مثقف: لا تجعل مكانتك العلمية تتحول إلى ثقة سياسية عمياء. فالعالم قد يخطئ، والمثقف قد يُضلَّل، والكاتب قد يقع أسير رواية واحدة، والسياسي قد يرى نصف الحقيقة ويظن أنه امتلك الحقيقة كلها.

ولكن ماذا عن رابعة؟

هنا تصبح المسألة أكثر حساسية. فحجي تحدث عن أحداث رابعة باعتبارها صدمة إنسانية غيّرت نظرته إلى السياسة، وقال إن الدماء لا يمكن تبريرها تحت أي غطاء سياسي (عربي21)⁠.

وهذا الموقف، في جوهره الأخلاقي، لا يحتاج إلى تبرير، فالدم المصري ليس دماً إخوانياً أو مدنياً أو عسكرياً. والإنسان الذي يسقط قتيلاً لا يفقد حقه في الكرامة لأننا نختلف مع جماعته أو موقفه السياسي.

لكن الاعتراف بالخطأ في إدارة فض اعتصام أو في التعامل مع الدماء لا يعني بالضرورة أن كل روايات طرف سياسي أصبحت صحيحة. وهنا يجب أن نكون أكثر دقة: إدانة الدم لا تعني تبني كل رواية سياسية عن الدم. وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول الاعتذار من مراجعة أخلاقية إلى انتقال من رواية أحادية إلى رواية أحادية مضادة.

الحقيقة أكبر من أن تكون ملكاً لفريق، والحقيقة التاريخية لا ينبغي أن تُبنى على الشتائم المتبادلة، وإنما على دراسة الوقائع: حجم الاحتجاجات، شرعية المؤسسات، دور القوات المسلحة، طبيعة القرار الذي اتُخذ، موقف القوى السياسية، ثم ما جرى بعد ذلك.

ولذلك فإن اعتذار عصام حجي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإعادة كتابة التاريخ وفق موقف سياسي واحد، إنما قيمته الحقيقية أنه يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل أخطأنا في قراءة تلك اللحظة؟

الاعتذار الحقيقي لا يبحث عن كبش فداء

أكثر ما يلفت النظر في مراجعة حجي أنه لم يضع نفسه في موقع الضحية فقط. لقد حمّل نفسه جزءاً من المسؤولية، وهذه نقطة مهمة. فكثيرون عندما يراجعون مواقفهم السياسية بعد سنوات يقولون: "لقد خدعونا"، "الإعلام ضللنا"، "لم نكن نعرف".. لكن السؤال الذي يجب أن يأتي بعدها هو: وأين كانت مسؤوليتنا نحن؟

الإعلام قد يضلل، نعم، والسلطة قد تخفي معلومات، نعم، والتنظيمات السياسية قد تمارس الدعاية، نعم، لكن المثقف يظل مسؤولاً عن أدوات التحقق التي يستخدمها. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نأخذه من اعتذار حجي هو ليس اتهامه للإعلام، وإنما اعترافه بأن الإنسان نفسه يمكن أن يكون جزءاً من عملية التضليل عندما يتوقف عن البحث والتدقيق.

من المؤسف أن يتحول الاعتذار في ثقافتنا إلى مناسبة للشماتة، فإذا أخطأ الإنسان ثم تمسك بخطئه، قلنا إنه مكابر. وإذا اعترف بخطئه، قلنا: لماذا الآن؟ وإذا اعتذر، قلنا: ما مصلحته؟

بهذه الطريقة نغلق باب المراجعة تماماً، والنتيجة أن الناس يتعلمون ألا يعترفوا، وهذا أخطر على المجتمع من الخطأ نفسه. فالسياسة التي لا تسمح بالاعتذار تتحول إلى دين جديد، والمثقف الذي يخاف من الاعتراف يتحول إلى أسير صورته القديمة، أما الشجاعة الحقيقية فهي أن يقول الإنسان: كنت أرى الأمر بطريقة، ثم اكتشفت أنني كنت مخطئاً.

لكن الاعتذار لا يمنح صاحبه حصانة من النقد
بعد الاعتذار تأتي الشهادة، وبعد الشهادة تأتي الأدلة، وبعد الأدلة تأتي المراجعة، وبعد المراجعة يأتي الإنصاف. والإنصاف وحده هو الذي يستطيع أن ينقذ ذاكرة مصر من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين روايات متصارعة

في المقابل، يجب ألا يتحول احترام الاعتذار إلى إعفاء من المساءلة الفكرية. فإذا كان حجي قد اكتشف اليوم أن بعض ما كان يعتقده في 2013 لم يكن صحيحاً، فمن حق المجتمع أن يسأله: ما الأدلة التي اكتشفتها؟ ما الوقائع التي غيرت رؤيتك؟ ما الذي كنت تعتقده آنذاك وتراجعت عنه اليوم؟ هل تراجعك عن بعض المواقف يعني تراجعاً عن مواقف أخرى؟ وهل لديك اليوم قراءة مكتملة للمرحلة، أم أنك تنتقل فقط من موقف إلى موقف؟

هذه ليست أسئلة عدائية، إنها بالضبط الأسئلة التي تجعل الاعتذار مراجعة فكرية وليس مجرد موقف عاطفي.

الدرس الأكبر

ربما لا تكون القيمة الكبرى في كلام عصام حجي أنه أصبح مع هذا الطرف أو ذاك، القيمة الأكبر أنه يقول لنا جميعاً: لا تسلموا عقولكم لأحد. فالعقل الذي يطلب الحقيقة يجب أن يبقى قادراً على مراجعة نفسه، وهذه الرسالة هي التي تستحق أن تبقى.

لقد قال حجي في ختام رسالته إن الاعتذار والمراجعة ليسا نقطة ضعف، وإنما بداية الطريق الصحيح (عربي21)؛ وأنا أتفق معه في ذلك لكنني أضيف: الاعتذار بداية الطريق، وليس نهايته. فبعد الاعتذار تأتي الشهادة، وبعد الشهادة تأتي الأدلة، وبعد الأدلة تأتي المراجعة، وبعد المراجعة يأتي الإنصاف. والإنصاف وحده هو الذي يستطيع أن ينقذ ذاكرة مصر من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين روايات متصارعة.

كلمة أخيرة لعصام حجي

إذا كان اعتذارك نابعاً من مراجعة حقيقية، فلا تتراجع عنه تحت ضغط الهجوم، ولا تسمح كذلك أن يتحول اعتذارك إلى خصومة مع شعب أو تيار أو دولة؛ استمر في تقديم ما لديك من معلومات وشهادات ووقائع، قل للناس: ماذا رأيت؟ وماذا اكتشفت؟ وأين أخطأت؟ ومن أخطأ؟ وما الذي تستطيع إثباته؟

التاريخ لا يحتاج إلى أبطال معصومين، التاريخ يحتاج إلى شهود صادقين، والمجتمع لا يحتاج إلى مثقفين لا يخطئون إنما يحتاج إلى مثقفين يملكون شجاعة أن يقولوا: أخطأت عندما لم أبحث بما يكفي، وأخطأت عندما صدقت رواية واحدة، وأخطأت عندما ظننت أن موقفي السابق كان الحقيقة كلها.

وهنا فقط يتحول الاعتذار من موقف شخصي إلى قيمة عامة، فالذي يراجع نفسه لا يُهزم.. والذي يرفض مراجعة نفسه قد ينتصر في معركة، لكنه يخسر الحقيقة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)