من "رجل الأقدار" إلى صناعة الفرعون

محمد زويل
"في كل مرة يُرفع الحاكم فوق مستوى البشر، يُخفض الوطن إلى مستوى الرعية"- جيتي
"في كل مرة يُرفع الحاكم فوق مستوى البشر، يُخفض الوطن إلى مستوى الرعية"- جيتي
شارك الخبر
ليس أخطر على الأوطان من تحويل السياسة إلى عقيدة، والحاكم إلى أسطورة، والتاريخ إلى نشرة دعائية. حين يقرأ المرء وصف الرئيس بأنه "رجل الأقدار"، يُدرك أنه لم يعد أمام كتاب في السياسة أو التاريخ، وإنما أمام نص من أدبيات صناعة الزعيم الملهم الذي لا يخطئ، والذي تتجسد فيه إرادة الوطن، بل وإرادة السماء.

هذه اللغة ليست جديدة؛ فقد عرفتها شعوب كثيرة، وكانت دائماً مقدمة لكوارث سياسية. ففي كل مرة يُرفع الحاكم فوق مستوى البشر، يُخفض الوطن إلى مستوى الرعية.

التاريخ لا يعرف "رجال الأقدار"، وإنما يعرف حكاماً أصابوا وأخطأوا، ويعرف شعوباً دفعت ثمن أخطائهم قبل أن تجني ثمار نجاحاتهم. أما تحويل شخص إلى قدر، فمعناه أن النقد يصبح خيانة، وأن المعارضة تصبح جريمة، وأن الوطن يختزل في فرد، ثم يحدثوننا عن "منجزات أقرب إلى المعجزات"؛ حقاً؟

يوجد رجل يصنع وطناً وحده، ولا يوجد وطن ينهض بالدعاية، ولا توجد دولة تستقر لأن كتباً صدرت في مديح الحاكم؛ الدول تستقر حين يشعر المواطن أن كرامته مصونة، وأن رزقه محفوظ، وأن صوته مسموع، وأن القانون يسري على الجميع. أما صناعة الأساطير، فقد نجحت في تجميل صور الحكام عبر التاريخ، لكنها لم تنجح يوماً في إنقاذ دولة من أزماتها

هل أصبحت المعجزة أن تستدين الدولة مئات المليارات لتبني مشروعات لا تزال محل جدل اقتصادي؟ وهل أصبحت المعجزة أن يعيش المواطن تحت ضغوط معيشية متزايدة، بينما يُطلب منه أن يكتفي بالنظر إلى الجسور والأبراج والمدن الجديدة؟

الدول لا تقاس بارتفاع الأبراج، وإنما بارتفاع مستوى الإنسان، ولا تقاس بعدد الكيلومترات المعبدة، وإنما بعدد المواطنين الذين يشعرون بالأمان الاقتصادي، وبقدرتهم على التعبير عن آرائهم دون خوف، وبحقهم في المشاركة في صناعة مستقبلهم.

"الجمهورية الجديدة"

كل نظام سياسي من حقه أن يطلق على نفسه ما يشاء من الأسماء، لكن الأسماء لا تصنع الحقائق. فالجمهورية الجديدة لا تُبنى باللافتات، وإنما تُبنى حين يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن السلطة خادمة للشعب لا وصية عليه.

أما الحديث عن "الدولة المدنية الديمقراطية"، فهو يصبح سؤالاً مفتوحاً قبل أن يكون إجابة جاهزة. فالديمقراطية ليست وصفاً يمنحه الإعلام، بل ممارسة يومية تقوم على التعددية، والتنافس الحقيقي، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، واحترام حق المواطنين في الاختلاف.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه وصف عام 2013 بأنه "تحرير لإرادة الوطن" في مصر، بينما يغيب تماماً السؤال الأهم: وهل تظل الإرادة محررة إذا لم يكن للمواطن الحق في الاختيار الحر، وفي محاسبة السلطة، وفي تداولها سلمياً؟

إن أخطر ما تصنعه الدعاية أنها لا تكتفي بتجميل الواقع، بل تحاول إعادة تعريفه؛ فتصبح الأزمة إنجازاً، ويصبح الاعتراض خيانة، ويصبح الفقر ثمناً واجب الدفع، ويصبح الصمت فضيلة وطنية، ثم يصبح الحاكم "رجل الأقدار".

لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك؛ لا يوجد رجل يصنع وطناً وحده، ولا يوجد وطن ينهض بالدعاية، ولا توجد دولة تستقر لأن كتباً صدرت في مديح الحاكم؛ الدول تستقر حين يشعر المواطن أن كرامته مصونة، وأن رزقه محفوظ، وأن صوته مسموع، وأن القانون يسري على الجميع. أما صناعة الأساطير، فقد نجحت في تجميل صور الحكام عبر التاريخ، لكنها لم تنجح يوماً في إنقاذ دولة من أزماتها.

سيقرأ الناس ما يُكتب اليوم، لكن التاريخ سيكتب غداً روايته الخاصة، والتاريخ لا يجامل، ولا يتقاضى أجراً من أحد، ولا يخضع لهيئة وطنية، ولا ينتظر إذناً بالنشر. والفرق بين الدعاية والتاريخ، أن الدعاية تكتب ما تريده السلطة، أما التاريخ فيكتب ما عاشه الناس.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)