ليست المشكلة في بناء مقر قيادة استراتيجية حديث فكل دولة
تحترم أمنها القومي تطور مؤسساتها العسكرية، وتستثمر في وسائل القيادة والسيطرة،
وتستعد لأسوأ السيناريوهات.. لكن المشكلة تبدأ عندما يكشف الخطاب السياسي عن طبيعة
هذا "السيناريو الأسوأ" في افتتاح الأوكتاغون؛ لم يكن الحديث عن حرب
وشيكة، ولا عن غزو خارجي، ولا عن تهديد عسكري مباشر، بل برزت الإشارة إلى ضرورة
وجود مركز قيادة لا يمكن عزله أو حصاره إذا تكررت ظروف شبيهة بما شهدته البلاد عام
2011. وهنا يتغير السؤال كله..
إذا كانت أهم منشأة عسكرية في الدولة تُبرَّر -ولو جزئياً-
بالاستعداد لاحتمال اضطرابات داخلية، فإن القضية لم تعد مجرد هندسة عسكرية بل
أصبحت تعبيراً عن فلسفة في الحكم هي كيف تنظر السلطة إلى مجتمعها؟ وهل يُنظر إلى
المواطن الغاضب بوصفه مواطناً يجب الاستماع إليه، أم باعتباره سيناريو أمنياً يجب
الاستعداد له؟
إذا كانت أهم منشأة عسكرية في الدولة تُبرَّر -ولو جزئياً- بالاستعداد لاحتمال اضطرابات داخلية، فإن القضية لم تعد مجرد هندسة عسكرية بل أصبحت تعبيراً عن فلسفة في الحكم هي كيف تنظر السلطة إلى مجتمعها
الدول الواثقة من شعوبها تبني الجسور بينها وبين
المواطنين، أما الدول التي يهيمن عليها هاجس الاضطراب، فقد ينصرف جزء من تفكيرها
إلى ضمان استمرار مؤسساتها حتى في حال اتساع الاحتجاجات، وهنا تكمن المفارقة..
فالسلطة التي تطمئن إلى شرعيتها تستثمر أولاً في بناء الثقة، لأن الثقة هي خط
الدفاع الأول عن الدولة، أما إذا أصبح الحديث عن الحصار الداخلي حاضراً في تبرير
المشروعات الاستراتيجية، فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن: لماذا يحتل هذا السيناريو
هذه المكانة في التفكير الرسمي؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن يبني جيشها مقراً
جديداً، وإنما أن تتسع المسافة النفسية بين السلطة والمجتمع، فالمقرات يمكن
تحصينها بالخرسانة لكن الشرعية لا تُحصَّن إلا بالرضا العام، وغرف العمليات يمكن
أن تُؤمَّن بأحدث التقنيات لكن الاستقرار الحقيقي لا تصنعه الجدران بل تصنعه الثقة..
التاريخ يعلمنا أن الدول لم تسقط لأن مقرات قيادتها كانت قديمة، وإنما حين ضعفت
العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحين تحولت السياسة إلى إدارة للمخاوف بدلاً من
إدارة للثقة. ولهذا، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً ليس: كم بلغت تكلفة الأوكتاغون؟
بل: لماذا بدا في الخطاب أن هاجس الاضطراب الداخلي حاضر عند تبرير هذا المشروع؟
إذا كانت الدولة تستعد لكل الاحتمالات، فهذا أمر مفهوم من
منظور إدارة المخاطر، لكن يبقى سؤال السياسة حاضراً: هل يُنظر إلى الاحتجاجات
بوصفها أعراضاً لمشكلات ينبغي علاجها، أم بوصفها سيناريو ينبغي ضمان استمرار
مؤسسات الدولة أثناء وقوعه؟
إن الدولة التي يطمئن إليها شعبها لا تحتاج إلى أن تجعل
المواطن جزءاً من أخطر سيناريوهاتها، فأقوى حصن للدولة ليس الخرسانة المسلحة ولا
المقرات العملاقة ولا مراكز القيادة المحصنة، وإنما شعب يرى أن دولته تحمي حقوقه
كما تحمي حدودها (حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر)، وعندما يصبح المواطن شريكاً
في الدولة (أمنزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة)، فإنه يكون أول
من يدافع عنها، أما إذا أصبح المواطن -في المخيال السياسي أو في الخطاب العام- أحد
السيناريوهات التي يُستعد لها، فإن القضية لم تعد قضية مبنى، بل قضية رؤية كاملة
للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
عندما يصبح الشعب هو السيناريو الأخطر
إذا كانت الجيوش تُبنى لمواجهة الأخطار الخارجية، فإن
أخطر ما يمكن أن يكشفه خطاب سياسي هو أن يصبح الهاجس الداخلي حاضراً في تبرير
إنشاء أهم منشأة عسكرية في البلاد. فعندما يُقال إن مقر القيادة الاستراتيجية
الجديد يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة إذا تعرضت العاصمة للحصار أو الاضطرابات،
فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن المبنى، بل عن طبيعة التهديد الذي يُنظر إليه
باعتباره الأكثر احتمالاً.
فهل كانت الرسالة أن الخطر الأول هو جيش أجنبي؟ أم أن
الاحتمال الذي استدعى هذا التصميم هو تكرار مشاهد الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها
البلاد في عام 2011؟
بناء منشآت آمنة قد يكون قراراً مفهوماً من منظور إدارة المخاطر، لكن قوة الدولة في نهاية المطاف لا تُختزل في تحصين المقرات
إذا كان المقصود هو الاحتمال الثاني، فإننا نكون أمام
تحول لافت في فلسفة إدارة الدولة؛ إذ يصبح التفكير في كيفية استمرار السلطة أثناء
اضطرابات داخلية جزءاً من تبرير مشروع استراتيجي بهذا الحجم. وهذا يفتح نقاشاً
مشروعاً حول العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحول ما إذا كانت معالجة أسباب
الاحتقان تحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها الاستعدادات المؤسسية للتعامل مع
نتائجه.
إن الدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية
مؤسساتها، بل أيضاً بقدرتها على تقليل احتمالات الانقسام والاحتقان عبر سياسات
تعزز الثقة، وتتيح قنوات للمشاركة، وتستجيب للمطالب العامة. فإذا أصبحت سيناريوهات
الاضطراب الداخلي عنصراً أساسياً في التخطيط، فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن: هل
يُنظر إلى الاحتجاج باعتباره مؤشراً على مشكلات تحتاج إلى حلول أم مجرد ظرف يجب
ضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة خلاله؟
إن بناء منشآت آمنة قد يكون قراراً مفهوماً من منظور
إدارة المخاطر، لكن قوة الدولة في نهاية المطاف لا تُختزل في تحصين المقرات.
فالدول لا تستمد استقرارها من الخرسانة وحدها، بل من قوة مؤسساتها وثقة مواطنيها.
ولهذا، فإن الجدل الحقيقي ليس حول حق الدولة في تطوير
قدراتها أو حماية مؤسساتها، وإنما حول الرسائل التي تحملها مبررات هذه المشروعات،
وما إذا كانت تعكس تصوراً يرى في المواطنين شركاء في حماية الدولة، أم يرى أن أسوأ
السيناريوهات التي ينبغي الاستعداد لها قد تأتي من الداخل لا من الخارج.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.