"ليه الإدارة الاستراتيجية موجودة هنا؟ لأن في يوم من الأيام كان بيتم
محاصرة المحكمة الدستورية وفي يوم من الأيام كان بيتم محاصرة مجلس الوزراء، وفي
يوم من الأيام كانوا بيهددوا وزارة الدفاع، وفي يوم من الأيام كانوا بيحاصروا
مدينة الإنتاج الإعلامي عشان تدار الأزمة -أي أزمة- تحت ضغط ضغط كبير قوي، يمكن
يكون
خوف وبالتالي تكون القرارات اللي بتتاخذ تبقى قراررات يمكن تؤدي أحيانا إلى
ضرر كبير أو خراب لبلدنا
مصر" (الجنرال عبد الفتاح
السيسي في حفل افتتاح مركز
القيادة الاستراتيجية الجديد المعرف إعلاميا بـ"الأوكتاجون" أو شعبيا بـ"الكيان"
في 4 تموز/ يوليو 2026).
كما ذكرت في المقال السابق، فقد تأكد وبشكل صارخ أن الجنرال السيسي وهو
يخطط لما يسمى بالقيادة الاستراتيجية الجديدة لم يكن يفكر في نقل قيادات الجيش
فحسب، بل ذهب بعيدا لنقل الدولة بمؤسساتها ومسئوليها إلى العاصمة الجديدة.
والمفاجأة أنه اعترف بأن ذلك لم يكن تفكيرا بحجم الدولة، بل بحجم السلطة التي كانت
تبحث عن مكان آمن تهرب إليه بعيدا عن مطاردة الشعب لها.
يفسر لنا تصريح السيسي ما حاولتُ شرحه عبر المقالات الثلاثة في رحلة الغوص
في طريقة تفكير هذا الجنرال الذي يرى الشعب يطارده، وهذه نقطة مهمة في فهم كيفية
البحث عن طريق للخروج من الأزمة الكارثية التي وضعنا فيها الانقلاب. فأنت هنا لا
تتحدث عن جنرال عسكري قام بانقلاب على الحاكم الذي أتى به، لا بل إنه يحاول
الانقلاب على الشعب الذي قام بالثورة الحقيقية والوحيدة في تاريخ البلاد الممتد
لآلاف السنين، وتأديبه.
من تابع قرارات وتصرفات السيسي يجد أنه في حالة عداء مع الشعب ويراه خطرا على السلطة التي يسميها زورا الدولة، وهو يرى أن معارضة للسلطة تعد معارضة للدولة ومهددة لاستقرارها
من تابع قرارات وتصرفات السيسي يجد أنه في حالة عداء مع الشعب ويراه خطرا
على السلطة التي يسميها زورا الدولة، وهو يرى أن معارضة للسلطة تعد معارضة للدولة
ومهددة لاستقرارها. فالمفروض وعلى الطريق السلفية الجديدة أن يتمتع الحاكم (ولي
الأمر) بالطاعة المطلقة، وألا تتم معارضته لا علنا ولا سرا، بل يتم الدعاء له والانصياع
لأوامره حتى وإن خرج عن الملة. وبالتالي وفي رحلة التشخيص لا بد لنا أن نتوقف عند
المزيج الفكري (إن صح التعبير) للجنرال الحاكم، وهو مزيج من مسحة صوفية للنصب على
الشعوب وبعضا من أدوات القمع التي توحي للعامة بالقوة المفرطة وبأن الحاكم هو من
يتولى تربية الشعوب وليس خدمتها. وقد فعلها السيسي غير مرة حين صرح بأن القروض
والديون ليست مشكلته بل مشكلتنا كلنا، وكذلك الأمر في موضوع سد النهضة الإثيوبي؛
إذ قال: "موضوع المياه بتاعنا كلنا"، وهو ما يعني أنه لا يرى نفسه
مسئولا رغم كونه حاكما، خصوصا عندما يورط الشعب والدولة في أزمات بل كوارث، وقد
قال يوما ما: "كلنا مسئولين وأنا لما بأقول الكلام ده دلوقتي بأقيم الحجة
عليكم، أمام مين؟ أمام الناس وأمام رب الناس. أنا ماليش ذنب، أنا حاولت وباحاول
بكل ما أوتيت من قوة بس بهدوء".
لكن الخطاب الأخير ونتمنى أن يكون الأخير، والذي ظهر فيه السيسي مرتديا
بزته العسكرية المحاكة بطريقة توحي بالقوة والجبروت الفرعوني والنياشين التي زينت
صدره؛ رغم أنه لم يخض معركة عسكرية واحدة في حياته الممتدة لأكثر من سبعين عاما
قضى منها ستين عاما في الجيش منذ التحاقه المدرسة الثانوية الجوية عام 1971، هذا
الخطاب كشف عن الجانب المظلم في شخصية الجنرال خصوصا عندما يبلغ قمة الفشل في
إدارة الدولة ومؤسساتها ويفكر في مواجهة الشعب. وهو رغم فشله، بارع في الخروج على
الناس، ويبدو أنه تلقى ويتلقى تدريبا وتعليما في الجوانب المتعلقة بالاتصال وخصوصا
الاستراتيجي منه. في هذه المرة خرج بشكل مغاير وبخطاب مغاير، فالشكل عاد به إلى
مرحلة ما قبل الترشح حين كان كما يفعل الشيطان يغري ويغوي الناس بأنه القوي الأمين
وبأنه قادر على إغناء الناس وحل مشكلاتهم في عامين، كما صرح في لقاء تلفزيوني له
في حملته للترشح (الوهمي) للرئاسة، وقال بالنص ردا على سؤال المذيعة لميس الحديدي
متى يشعر المواطن بتحسن: "سنتين"، فردت على الإجابة لعله يعيد النظر
فقال: "أيوة سنتين"، وهو ما لن يتحقق ولو بعد خمسين عاما.
حين حاصره الفشل خرج ببزته العسكرية لعل فيها ما يعيد لبعض من خرجوا في 30
يونيو بعض الذكريات الجميلة، ولِم لا، ألم ينقذهم من الإخوان! هكذا تصور الجنرال
ولكن فات الميعاد.
البدلة العسكرية التي ارتداها للمرة السادسة لم تأت بما كان يتوقع، فلا
الناس أشادوا به كجنرال ولا اعتبروا مركز القيادة الاستراتيجية إنجازا حقيقيا،
وزاد الطين بلة حين قام بتفسير وتبرير إنفاق ما يزيد عن 45 مليار دولار على
العاصمة كلها من جيب المواطن أو على حسابه عبر القروض التي برع السيسي في اقتراضها،
دون أي دراسة للجدوى لأي مشروع كما صرح هو بنفسه قبل ذلك، فأدان نفسه وكشف خوفه
ورعبه وهلعه من
الثورة وليس من الإخوان فقط.
الخروج بالبزة العسكرية التي وعد بخلعها -ولم يفعل- كأداة رعب وتهديد لم
تفلح هذه المرة في جمع ما تفرق من المنتفعين بالانقلاب، لأنهم أدركوا أن كل ما جرى
من قبل 30 يونيو وحتى 3 يوليو قد دبر بليل لصالح شخص واحد، وها هو يعترف على الملأ
بأن فكرة العاصمة الجديدة هي فكرة للهروب وليست للتنمية والتحضر وإظهار مصر في شكل
الدولة المتجددة.
خطاب السيسي بدا لي كما لو كان جزءا من خطابات مبارك الأخيرة قبل إعلانه
التنحي أو إجباره عليه، خصوصا وهو يعطي تعليماته لتابعيه بفتح ملف حرية التعبير
والصحافة والإعلام، والكل يعلم أنه لو فتح المجال لحرية التعبير لانتهى النظام في
التو واللحظة. أما حديثه عن توفيق أوضاع أكبر شركة عسكرية استولت على مقدرات الشعب
المصري الزراعية (مستقبل مصر) فلم يكن حديث الباحث عن خروج الجيش من السيطرة على
لقمة عيش الشعب، بل اضطر إليه أضطرارا تحت ضغط صندوق النقد الدولي.
في ظل هذه الصورة القاتمة للوضع في مصر، طرحتُ سؤالا في المقال السابق: هل
هذا وضع يمكنه الاستمرار؟ والإجابة هي وبكل أسف: نعم، سوف يستمر الوضع على ما هو
عليه، بمعنى أنه لن يتم تغيير عقل الجنرال ولا طريقة تفكيره ولن يتم إكراهه على
تحويل المسار؛ لأنه وكأي عسكري وككل عسكري يؤمن بأنه قادر وبأنه ملهم. ولو كان
مبارك ذا عقل ورشد بعد أن تجاوز التسعين من عمره لاستجاب للشعب على مدار العشر
سنوات الأخيرة، ولكنه ترك الأمور لسيطرة ابنه (ولي العهد المتوقع آنذاك)، واعتقد
أن الأمور بسيطة وأن "الشعب سيأكل البلوظة"، فوقعت واقعة تزوير انتخابات
العام 2010 وهي فضيحة كبرى نتج عنها الانفجار المدوي في ثورة 25 يناير 2011.
لا نسلّم ولا نستسلم، ولكننا يجب ألا نفكر بعقلية المضطر والمستغيث بل بعقلية الصابر القابض على الجمر، لا يجب أن نفكر والحال هكذا والاضطراب واضح في تصرفات الجنرال؛ في التنازل , التراجع أو التراجع أو حتى التصالح مع مثل هذا النظام، بل يجب أن نتركه يمضي في مشروعه
أريد أن اقول إن هذا النظام الفردي العسكري الخائف من شعبه الهارب من قدره
سوف يلاقيه، وأن أي محاولات للترقيع أو الإصلاح الشكلي سيقضى عليها من السيسي نفسه؛
كما فعل مع الحوار الوطني الذي سمع من خلاله بعض الانتقادات التي اعتبرها مسيئة
لشخصه وليست منتقده لسياساته؛ لأنه يرى نفسه وسياساته شيئا واحدا لا يجوز الاقتراب
منها ولا توجيه النقد إليها، لذا خرج على الناس وهو يصرخ فيهم بأن ما قدموه له من
مقترحات لا يليق بطالب في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بل نهى الخبراء أن
يعودوا مرة ثانية لمثل ذلك.
وللتدليل على ما أقول، فقد فرح بعضهم بقرار الجنرال اختيار شخص غير معروف
شعبيا ليكون المستشار السياسي له، والحقيقة أنه ومنذ تعيينه لم يطل على الشعب
بلقاء تلفزيوني ولم يخرج على الناس بتصريح أو مقال تُشتم منه رائحة السياسة،
والموضوع باختصار هو عبارة عن زرار في كم بدلة الرئيس يتباهي به أمام الخارج الذي
يعنيه وليس ليعينه أمام الداخل الذي لا يعنيه.
أكرر ما قتله هو أن نظام السيسي لن يتغير إلا بكسره والقضاء عليه؛ إما
بانتهاء أجله أو باقصائه بقوة الثورة أو بفعل المتغيرات الإقليمية وعدم انسجام
الجنرال في منظومة ما بعد الحرب على إيران، أما محاولات الإصلاح فالجنرال غير قابل
للإصلاح وغير قابل لتغيير سلوكه الذي تربى عليه، وغير قابل لنسيان أنه كان في لحظة
ما قاب قوسين أو أدنى من الخروج من موقعه كوزير للدفاع لولا أن الموساد طالبه
بالتعجيل بالانقلاب، رغم أن الرئيس الشهيد عليه رحمة الله قد وافق على كل ما طالبت
به المعارضة قبل 30 يونيو، وأنه جلس مع السيسي ورئيس الوزراء وتوافقوا، لكن
الجنرال المنقلب ومن حرّضه من خارج مصر كان لهم رأي آخر على النحو الذي عايشناه
جميعا.
ويبقى السؤال: هل معنى ذلك أن نسلّم بما يجري أو نرضى بما هو قائم؟
والإجابة هي أننا لا نسلّم ولا نستسلم، ولكننا يجب ألا نفكر بعقلية المضطر
والمستغيث بل بعقلية الصابر القابض على الجمر، لا يجب أن نفكر والحال هكذا
والاضطراب واضح في تصرفات الجنرال؛ في التنازل , التراجع أو التراجع أو حتى التصالح مع مثل هذا النظام، بل
يجب أن نتركه يمضي في مشروعه الذي أراه مشروع "تدمير ذاتي" (self-destructive) كما في كل
المشاريع المماثلة عبر التاريخ؛ من موسوليني وهتلر وفرانكو وحتى جمال عبد الناصر
نفسه ومبارك كآخر العسكريين الأغبياء.
نكمل الأفكار الجديدة للخروج في المقال القادم بإذن الله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.