"حوّلت
الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على
إيران الإمارات إلى دولة خط أمامي بطريقة لم تكن
تتوقعها تماما. برّرت إيران استهداف الأراضي الإماراتية بالإشارة إلى تحالف أبو ظبي
الاستراتيجي الطويل الأمد مع واشنطن، وهو التصنيف الذي تم تثبيته رسميا عندما سمّت
الولايات المتحدة الإمارات شريك دفاع رئيسي في 2024" (جزء من مقال للكاتب
أمير هاندجاني نشرته مجلة فورين بوليسي بتاريخ 1 أيار/ مايو 2026، بعنوان "المعنى
الحقيقي لانسحاب الإمارات من أوبك"، وكان عنوانه الفرعي إعادة الاصطفاف
الجيوسياسي أعمق بكثير من مجرد أسواق النفط).
فهل تحولت
الإمارات فعليا إلى دولة مواجهة، ومع مَن أو ضد مَن؟
على مدار أشهر
خلت والمنطقة تعيش على أخبار صِدام بين
السعودية والإمارات في اليمن، وكيف تمكنت
السعودية من إخراج الإمارات أو تقليص نفوذها وإحباط مخططاتها في اليمن، ومن قبلها
شاهدنا لحظات الصدام بينهما في السودان على خلفية دعم ومساندة دولة الإمارات
الشقيقة للمتمردين في السودان؛ بحجة حماية استثماراتها هناك تارة وبحجة أن لها يد
طولى وعضلات تستطيع أن تضرب بها خصومها في أي مكان وخصوصا الإخوان المسلمين تارة
أخرى، لكن هذه حجة غير مقنعة، فالتستر خلف الحرب على الإخوان بات أمرا مكشوفا، إذ
تبين للجميع أن الإمارات تسعى للسيطرة على البحر الأحمر من جانبيه الشرقي والغربي،
لم يكن الإخوان هم الهدف الرئيس أو الوحيد بل كان إحكام الحصار على السعودية مستقبلا، وقد يكون ذلك خلال عقد من الزمان أو أقل هذا ليس مهما، المهم هو أن الخطة هكذا كانت
وأنها كانت تسعى من خلال وجودها في اليمن للسيطرة على مضيق باب المندب والسيطرة
على موانئ الصومال، وبالتالي لم يكن الإخوان هم الهدف الرئيس أو الوحيد بل كان
إحكام الحصار على السعودية مستقبلا، وقد يكون ذلك خلال عقد من الزمان أو أقل هذا
ليس مهما، المهم هو أن الخطة هكذا كانت.
أثر خروج الإمارات
من اليمن بهزيمة سياسية على طريقة تفكير حكام الامارت وبدأوا البحث عن مشاريع أخرى
لإيذاء السعودية التي تنتج ما يقدر بعشرة ملايين برميل من النفط أو يزيد عند
الحاجة، فقررت الخروج من كافة المنظمات التي تقيد حريتها في زيادة إنتاج النفط وعلى
رأسها الأوبك وأوبك-بلس والمنظمة العربية للدول المصدرة للنفط أوابك. وهكذا وكما
قال مقال الفورين بوليسي؛ لم يكن الأمر مجرد
صراع على كعكة النفط بل إعادة تموضع
استراتيجي أو جيوسياسي استعدادا لما هو قادم فما هو القادم؟
في الثامن
والعشرين من نيسان/ أبريل الماضي دعت دولة الإمارات نحو ألف من الشخصيات العربية
والخليجية المؤثرة في الرأي العام، ونعني بهم الكتاب والمدونين وكتّاب
السيناريوهات والمؤلفين واليوتيوبرز والفنانين، ومقدمي ومعدي برامج التوك شو في
بعض المحطات، وبعض قدامى الوزراء في منطقة الخليج العربي لمناقشة دعم وتعزيز
وترسيخ الرواية/ السردية الإماراتية فيما جرى ويجري من أحداث في المنطقة. لم يكن
الأمر اعتباطا، بل جاء في إطار خطة الإمارات الشاملة للمواجهة مع السعودية، ولم
يكن المؤتمر سوى منصة للهجوم على مجلس التعاون الخليجي وعلى الجامعة العربية وعلى
كل دولة لم تبادر بدعم الإمارات خلال الحرب على إيران، وكاد الأمر أن يصل ببعض
المتحدثين إلى اتهام من تأخّر أو تلكأ بأنه ناكر للجميل يجب معاقبته لاحقا.
كانت السعودية
حاضرة بشكل واضح في هذا المؤتمر ليس كصديق ولا كحليف ولا دولة كبرى جارة ولا
كمنافس بل كعدو مرتقب، لذا فكان الحديث منصب على تعزيز الرواية الإماراتية بخصوص
الحرب ضد إيران وتوجيه اتهامات بشكل خفي للسعودية التي ترفض مواجهة إيران وترفض
اعتبارها عدوا، بل وغمز بعضهم بالقول إن الإمارات لديها خطاب واحد وهي لا تتواصل
من تحت الطاولة مع إيران، أما الهدف الثاني فكان إظهار قدرة ومكانة الإمارات للعزف
منفردة في كل القضايا المطروحة وعدم النظر إليها باعتبارها دولة ضغيرة، فالعبرة
ليست بحجم الدول ولكن بقدرتها على التأثير الفعال.
لم تسكت السعودية
وأظنها لن تسكت عن تحركات الإمارات وخططها التي لا تتوقف في محاولة للعبث مع
المملكة، فقد صرح وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان (شقيق ولي العهد محمد بن
سلمان) قائلا: "سأحرص على أن كل من يقامر في سوق النفط سيتألم ألما شديدا"،
وكان تصريح الرئيس الجزائري بن تبون قويا وواضحا حين قال تعليقا على خبر خروج
الإمارات من المنظمات النفطية: "لا حدث فالسعودية الشقيقة هي الركيزة
الأساسية في الأوبك، انتهى الخطاب وطوي الكتاب".
التصريحات التي
تخرج من المؤثرين الإماراتيين ومن بعض المحسوبين على الشيخ محمد بن زايد نفسه،
والتي تنال من السعودية وتصفها بأنها كالنعامة التي تدس رأسها في التراب عند كل
أمر جلل مثلما جرى في حرب إيران، بينما يصف هذا المؤثر بلاده الإمارات بأنها
كالصقر الذي يحلق في السماء. هذه التصريحات أمر غير مألوف ولم نعهده لعقود خلت،
فقد ظلت دول الخليج كتلة واحدة على من سواها لدرجة أنه لم يسمح لمواطن أو مقيم في
أي دولة خليجية بالنيل من أي دولة خليجية أخرى ولو بالإشارة، بل لقد تم تحويل بعض
الخليجيين للمحاكمة على خلفية نشر تعليقات أقل حدة وسخرية مما ينشره المؤثرون
"الجدد" في دولة الإمارات.
وهنا تحضرني قصة
إمام وخطيب مصري في دولة الكويت، إذ كتب على فيسبوك يشيد بجهود ملك السعودية في
موضوع بعيد كل البعد عن السياسة، فإذا بأجهزة الأمن الكويتية تستدعيه للتحقيق معه
حول دوافعه للكتابة هذا البوست، فقال: من باب حبي وتقديري لجهود الملك، فرد المحقق:
وهل الملك كان عائلتك أو أنت من أقاربه؟ فقال: لا ولكنه ملك السعودية، فنهره وقال
له: امسح البوست ولا تعد لمثل ذلك، فالملك ليس بحاجة إلى إشادة منك". هذه قصة
حقيقية سمعتها بنفسي من صاحبها في منتصف عام 2000 تقريبا.
نعود إلى الموضوع
الرئيس وهو هل تسعى الإمارات فعلا للخروح من مجلس التعاون باعتباره أصبح حيّزا
ضيقا لا يتحمل خططها التوسعية في ظل وجود السعودية (الأخ الأكبر)؟ أم أنها تسعى
لأمر بعيد المدى وهو أن تصبح جبهة متقدمة لتحالف استراتيجي بينها وبين أمريكي ودولة
الكيان في ظل تصنيف الإمارات لإيران على أنها دولة إرهابية، على غير ما ترى
السعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي؟
أمر مزعج للسعودية ولغيرها لأن إزالة النظام الإيراني يعني الفوضى الشاملة، خصوصا مع إحضار الكيان الصهيوني للمنطقة ما يعني اختراق صهيوني جديد إلى دول مجلس التعاون تحت غطاء الحرب على إيران
الإمارات تريد
تصوير نفسها وتعيد تقديم ذاتها بأنها جزء من تحالف جديد مع دولة الكيان، وأن هذا
التحالف أولى من الشراكة مع الدول العربية، وأن التحالف معها مفيد لحماية أمنها
على النحو الذي نشرته وكالات الأنباء حين قامت دولة الكيان بإرسال منظومة دفاعية
مضادة للصواريخ لدعم الإمارات، وهو أمر لم تخجل منه الإمارات واعتبره مؤثرون
إماراتيون بمثابة دعم من صديق لم يأت من أخ أو شقيق. هنا تكمن المشكلة وهي أن
الإمارات تستحضر دولة الكيان في كل أزمة سياسية مع السعودية، فقد جلبت الإمارات
دولة الكيان إلى اليمن ودفعت قادة الجنوبي إلى الترحيب بفكرة الاعتراف بدولة
الكيان، ونفس الشيء فعلته الإمارات في ما يعرف بصومالي لاند، فقد رفضت إدانة
اعتراف دولة الكيان بهذه الدولة التي لم يعترف بها أحد إلا الكيان الصهيوني الذي
يخطط لبناء قواعد عسكرية مشتركة مع الإمارات في الجانب الآخر من مضيق باب المندب
بعد طرد الإمارات من دولة الصومال.
وفي الحرب على
إيران نجد أن الإمارات جلبت دولة الكيان إلى الخليج العربي لكي تقف معها في هذه
الحرب التي ربما لا تنتهي قريبا أو لن تنتهي، فإعلام الإمارات يروج لفكرة نهاية
عصر آيات الله وأن النظام الإيراني إلى زوال وأن الإمارات وبلا خجل تسعى إلى
إزالته بكل ما أوتيت من قوة، وهذا أمر مزعج للسعودية ولغيرها لأن إزالة النظام
الإيراني يعني الفوضى الشاملة، خصوصا مع إحضار الكيان الصهيوني للمنطقة ما يعني اختراق
صهيوني جديد إلى دول مجلس التعاون تحت غطاء الحرب على إيران.
المخاوف السعودية
متزايدة والإصرار الإماراتي على تحدي السعودية يزيد من تلك المخاطر، وقد يجلب
الدمار والخراب إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فمن ينتصر في النهاية؛ الإمارات
بتحالفها المعلن مع دولة الكيان أم السعودية بتجاربها وخبراتها المتراكمة في
التعامل مع الدول المتمردة في الخليج العربي؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.