"أنا لا أعرف أي نوع من البشر هؤلاء (يقصد الشعب
الإيراني)، لقد قمنا
باعتراض رسائل منهم أو بينهم رغم أن القصف يكون قريبا من منازلهم يقولون لنا مع كل
ضربة نضربها: من فضلكم لا تتوقفوا، من فضلكم استمروا في القصف، من فضلكم عودوا
عودوا"، إنهم رغم القصف يريدون الحرية، لأنهم يعيشون في بلد مرعب، إذا تظاهرت
يتم إطلاق النار عليك" (تصريح دونالد
ترامب في مؤتمر صحفي يوم أمس الاثنين).
"قصف البنية التحتية الإيرانية لا يعد جريمة
حرب لأنهم حيوانات".
وأضاف في معرض رده على سؤال صحفي حول ما إذا كان يعتبر قصف البنية التحتية لإيران
جريمة حرب: "تعرف ما هي جريمة الحرب؟ إنها السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي (ترامب
خلال الرد على أسئلة الصحفيين في المؤتمر الصحفي المشار إليه أعلاه).
بعد مرور قرابة أربعين يوما على الحرب الصهيو- أمريكية المدعومة من بعض دول
الخليج العربي، بدت لي الأمور كما لو كنا نعيش مشاهد مكررة من الحرب على غزة والتي
استمرت لما يزيد عن عامين، كان الصمود الفلسطيني متصدرا المشهد وكانت فضيحة دولة
الكيان الصهيوني تتصاعد في جو السماء كلما تصاعد دخان الحرائق التي شبت في كل
أنحاء المدينة الباسلة غزة.
قبل كتابة هذا المقال كان الرئيس البرتقالي (دونالد ترامب) قد توعد بإعادة
إيران إلى العصر الحجري وأنه سوف يقوم بمحوها من على وجه الأرض تماما إذا لم
تستسلم، وقلت هنا غير مرة إن كلمة الاستسلام غير واردة في مفردات النظام في إيران،
فقد خاضت إيران حربا ضروسا امتدت لثماني سنوات مع العراق المدعوم أمريكيا وخليجيا
بمليارات الدولارات، والمفارقة أن دول الخليج التي أنفقت مليارات الدولارات لدعم
العراق في حربه مع إيران هي ذاتها التي أنفقت مثل هذا الرقم أو يزيد لإسقاط الحكم
في العراق على يد الغزو الأمريكي الذي دخل بغداد عاصمة العراق على مسمع ومرأى من
الجميع، وهي ذات الدول التي وقفت مشدوهة فرحة أو قلقة والرئيس العراقي يعلق على
أعواد المشانق في صبيحة يوم عيد الأضحى، في دلالة رمزية لا تخطئها العين وهي "سنذبح
حكامكم في يوم عيدكم وسيفرح لذلك البعض الآخر من الحكام".
في الحرب على غزة وقفت دول الخليج ضد المقاومة بحجة أنها لم تستشر حكامها
وأنها تخوض حربا عبثية، وهي في الأصل ليست حربا بل مقاومة لاحتلال مستمر منذ قرابة
ثلاثة أرباع قرن من الزمان، تعللت دول الخليج بأنها ليست ملزمة بالدفاع عن غزة ولا
فلسطين (فلسطين ليست قضيتي) لأن ما جرى في السابع من أكتوبر كان بتدبير أو اتفاق
مع إيران لمنع التطبيع، وهي حجة تدينهم لأن التطبيع مع الكيان جريمة ومنعه يعد شرفا،
لكن القوم كانوا قد حسموا أمرهم في الجزيرة العربية وعقدوا العزم على الانضمام لاتفاقية
أبراهام، وجاءت الحرب على غزة لتضعهم جميعا في مأزق: هل ينصرون غزة المسلمة السنية
المظلومة أم يساندون عدوهم الظالم؟ ولم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى قرروا دعم
العدوان بكافة أشكال الدعم من دبلوماسي وسياسي إلى اقتصادي وعسكري، ووقفوا ضد
العالم حين فضح ممارساته، ورفضت الجامعة العربية وقتها أن تنضم كما وعدت إلى
إجراءات إدانة العدو أمام محكمة الجنايات الدولية كما فعلت دول أخرى ليست بعربية
ولا مسلمة مثل جنوب أفريقيا.
في الحرب الدائرة لم يستغرق الأمر مدى زمنيا طويلا، وبعد محاولة إخفاء
موقفها من العدوان ظهر مواقف بعض دول مجلس التعاون الخليجي المؤيدة للحرب على
إيران رغم محاولات تلك الدول المستميتة للظهور وكأن الحرب لا تعنيها، والجميع يعلم
أن هذه الدول كانت تحرض ضد إيران منذ توقيع اتفاق 2015، وهو الاتفاق الذي منح
العالم بعض الأمل في وجود دبلوماسية هادئة للتعامل مع الملف النووي الإيراني، لكن
فقط تلك الدول الخليجية ودولة الكيان كانت ضد أن ينعم العالم بسلام وأن يحصل الإيرانيون
على حقهم الطبيعي في برنامج نووي غير مسلح.
عند لحظة وصوله للسلطة في 2016 قام ترامب وتحت ضغط من دولة الكيان وبعض دول
الخليج بتمزيق الاتفاق واعتبره وكأن لم يكن، وساعتها كان العالم يتساءل: لماذا
وإيران ملتزمة بما تم الاتفاق عليه، وخبراء المنظمة الدولية للطاقة يراقبون
ويرفعون تقاريرهم بانتظام وليس هناك ثمة خروقات؟ كانت الإجابة هي أن المطلوب هو
رأس إيران، ولا أعني بالرأس السلطة الحاكمة بل دولة إيران. ومنذ 2016 والعالم
ينتظر متى سيغلق الملف الإيراني، وحتى بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض عام2020
لم يتحرك الملف الإيراني في انتظار عودة ترامب من جديد، وقد حدث وقام ترامب بغلق
الملف في غزة على النحو الذي رأيناه والعالم العربي لم يحرك شيئا بل انصاع للعدو
وطلباته وأوامره، وانتهت الحرب بمؤتمر شرم الشيخ في مصر، والذي كانت مهمته الرئيسة
هي إنقاذ سمعة الكيان، وكأن حربا غير مشروعة لم تشن، وكأن جرائم حرب لم تقع، وكأن
جرائم ضد الإنسانية وممارسات وحشية لم تحدث.
المشهد اليوم يتكرر، فالمطلوب كما أوعز نتنياهو لترامب هو تدمير إيران
مثلما فعل الصهاينة في غزة حرفيا، ولم يستدرك عرب الخليج على ترامب كما لم يفعلوا
مع نتنياهو في غزة، لم نسمع صوتا عربيا واحدا يندد بهذه التصريحات ولا أن يعتبرها
إبادة شاملة ولا جرائم حرب، وحتى ترامب حين سئل عن ذلك قال إنهم يستحقون ذلك لأنهم
مجموعة حيوانات، وكأن عقاب أي نظام قاتل أو مستبد وفقا لتعريف ترامب هو محو البلاد
من على وجه الأرض أو الخريطة العالمية.
الإنذار الأخير الذي تم مده ليوم الثلاثاء (7 نيسان/ بريل 2026) وأنا أكتب هذا المقال؛ قد يراه البعض إنذارات تكتيكيا للضغط على الإيرانيين من أجل الموافقة على ما يريده، والحقيقة أن ما يريده ترامب غير واضح
الإنذار الأخير الذي تم مده ليوم الثلاثاء (7 نيسان/ بريل 2026) وأنا أكتب
هذا المقال؛ قد يراه البعض إنذارات تكتيكيا للضغط على الإيرانيين من أجل الموافقة
على ما يريده، والحقيقة أن ما يريده ترامب غير واضح، فهو مثلا يريد تغيير النظام
وهذا لم يتم وربما لن يتم الآن أو مستقبلا، وهو يريد منع إيران من امتلاك سلاح
نووي وإيران قد وافقت في المفاوضات التي قصفها نتنياهو ودفع بترامب لدخول الحرب
بدلا من التوقيع على الاتفاق؛ على عدم امتلاك سلاح نووي ووضع منشآتها تحت المراقبة
الجولية، ووافقت أيضا على تسليم اليورانيوم المخصب لتحالف آسيوي- أمريكي. ومع
إغلاق المضيق الذي كان محرما على سفن الشحن والنفط الإيرانية العبور منه بفعل
العقوبات الاقتصادية، طالب ترامب بفتح المضيق وقال إنه قد يشرف مع إيران على إدارة
المضيق. وبالأمس وفي المؤتمر الصحفي قال إنه رجل أعمال يريد النفط الإيراني، وهو
أمر رحبت به الدوائر القريبة من السلطة وأعني وزير الخارجية الإيراني السابق جواد
ظريف في مقال له نشر في الفورين أفيرز قبل ثلاثة أيام، واقترح فيه على إيران أن ترحب
بالشراكة والتعاون مع الشركات الأمريكية وسلاسل الشحن العالمية، فماذا يريد ترامب
بعد كل هذا؟
لا نعرف ماذا يريد ترامب على وجه الدقة، وهذا التشويش على المطلوب يعني أن الإجابة
قد تكون ولا قدر الله هي تدمير إيران والبحث عن إجابة للسؤال الأشهر: ماذا سيحدث
لو تم تدمير البنية التحتية لإيران؟
إيران قد وضعت قائمة بالأهداف في حيفا بفلسطين والسعودية والكويت والإمارات
والبحرين، وهي أهداف نفطية، وبالتالي سيتم رفع كلفة الحرب على الجميع انتظارا
للحظة تاريخية؛ إما غزو بري (صهيو- أمريكي مدعوم من بعض دول الخليج) لإيران، أو
الوصول إلى اتفاق على وقف هذه الحرب المجنونة عبر إطالة زمن الهدنة تدريجيا بحثا
عن اتفاق يحفظ ماء وجه ترامب التائه حرفيا، والذي لا يعرف ماذا يريد بالضبط، لكن
قرار وقف الحرب وبكل تأكيد لن يشفي غليل مصاص الدماء ومجرم الحرب نتنياهو وبعض
رفاقه في الخليج.
الاتفاق أو الدمار ثنائية لن تحسم الأمر ولن تنهي العداء ولن توقف الحرب ما
لم يدرك إخوتنا وأهلنا في الخليج أن استمرار الحرب على إيران لن يغير النظام ولا
الشعب ولا التاريخ في إيران والمنطقة، وأن ما يغيرها فعليا هو العودة إلى التفاوض
بنية حسنة وليس التفاوض بغرض استهلاك الوقت من أجل إعادة الكرة كل عام أو بضعة
أعوام.
المنطقة في انتظار قرار نسأل الله أن يجعله بردا وسلاما على قلوب المؤمنين.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.