لماذا انتفض مدراء أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية في وجه ترامب؟

حازم عيّاد
جو كينت قدم استقالته احتجاجا على قرار الحرب- جيتي
جو كينت قدم استقالته احتجاجا على قرار الحرب- جيتي
شارك الخبر
بعد أن قدم لهم الإذن مسبقا بالهجوم على محطات الغاز الطبيعي الإيراني بالقرب من حقل بارس في الخليج العربي، لم يكن لدى دونالد ترامب مشكله لفعل كل ما يلزم لتبرير السلوك الإسرائيلي واحتواء تداعياته دوليا وإقليميا، وإن كان على حساب مصداقيته كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية.

فبعد ساعات قليلة من الفوضى التي تسبب بها نتنياهو من على حسابه في منصة تروث سوشال بالقول: إسرائيل، بدافع الغضب مما حدث في الشرق الأوسط، شنت هجوما على حقل الغاز الطبعي الإيراني، مضيفا: لم تكن الولايات المتحدة على علم بهذا الهجوم. وعلق على الهجوم الإيراني على حقول الغاز القطرية بالقول: لن أتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة للرد على الهجمات الإيرانية حال تكرارها ضد دولة قطر.

الشيء ونقيضة في أقل من ساعة، بدأها بالقول: إسرائيل أبلغتنا قبل الهجوم، وبعد توالي ردود الفعل الغاضبة عاد ليقول: لم نكن نعلم بالهجوم. وهو سلوك يثير التساؤلات حول من يصنع قرار الحرب مع إيران؛ الكيان الإسرائيلي أم الولايات المتحدة؟ وتصاعد الجدل بعد التسريبات المتتالية لقادة الأجهزة الاستخبارية في أمريكا وخارجها كان آخرها ما كشفه مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول لصحيفة الغارديان؛ من أن العرض الذي قدمته طهران بشأن برنامجها النووي كان كافيا لمنع الانزلاق إلى حرب، وهو ما تجاهلته إدارة ترامب لتنساق للرؤية والرهانات الإسرائيلية.

كشفت آلية صنع قرار الحرب الذي تجاهل الحقائق الدبلوماسية والاستخبارية على الأرض، والتي تشاركها حلفاء الولايات المتحدة وعلى رأسهم بريطانيا

التسريبات التي كشفت عنها صحيفة الغارديان فسرت إلى حد كبير الموقف البريطاني الرافض للانخراط في الحرب على إيران، إلا أنها في الآن ذاته كشفت آلية صنع قرار الحرب الذي تجاهل الحقائق الدبلوماسية والاستخبارية على الأرض، والتي تشاركها حلفاء الولايات المتحدة وعلى رأسهم بريطانيا، ما دفع الرئيس الأمريكي ترامب لتوجيه انتقادات لاذعة وعلنية لبريطانيا لرفضها إرسال حاملات الطائرات والمشاركة بالحملة العسكرية التي تعثرت بعد إغلاق مضيق هرمز وتوسع نطاق الرد الإيراني ليشمل الإقليم برمته.

الموقف البريطاني وجد له انعكاسا قويا في الموقف الكندي والأسترالي والنيوزلندي، وهي الدول الأعضاء في المجموعة الاستخبارية للعيون الخمس التي تضم أيضا بريطانيا وأمريكا، ذلك أن الدول الثلاث رفضت الانخراط في الحرب لعلمها أن البديل التفاوضي كان حاضرا وبقوة على الطاولة.

فالتقديرات الأمنية والاستخبارية المتحفظة على العملية العسكرية ظهرت جليا بإقصاء مدراء جهازي مخابرات في الولايات المتحدة مثل مدير المخابرات المركزية (CIA) جون راتكليف، ومديرة المخابرات الوطنية تولسي عابارد؛ من عملية اتخاذ قرار الحرب، إذ غابا وغيبا عن الجلسة التي جمعت ترامب بوزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هغسيت ومبعوثيه للتفاوض جاريد كوشنير وستيف ويتكوف، إلى جانب نائب الرئيس جي دي فانس.

تسريبات أمنية متتابعة كشفت الكثير عن آلية صنع قرار الحرب، من ذلك ما كشفه مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت، الذي قدم استقالته احتجاجا على قرار الحرب، قائلا: إن الضغوط الإسرائيلية دفعت الرئيس ترامب إلى شن حرب ضد إيران، بحسب ما نقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز.

ترامب تجاهل التقديرات الأمنية وعمل على إقالة كل المعارضين للحرب والمتحفظين عليها، ومن ضمنهم مدير هيئة الأركان الأدميرال فريد كاتشر قبل ساعات من انطلاق العمليات العسكرية ضد إيران، وهو بذلك انحاز للرؤية الإسرائيلية وخضع لها بالمطلق، أمر تؤكده المجريات اليومية للحرب، إذ لا زال الاحتلال الإسرائيلي من يحدد بوصلة الحرب ونسقها؛ لا إدارة ترامب أو هيئة الأركان في البنتاغون التي تحاول مواكبة الفعل الإسرائيلي على الأرض واحتواء تداعياته،
استهدف البنى التحتية والاقتصادية يؤجج الصراع ويشعل الأسواق العالمية في مظهر جديد من مظاهر الاضطراب في صناعة قرار الحرب ويومياتها، ومؤشر آخر على العجز والانقياد الأمريكية للأجندة الإسرائيلية
وهو ما ظهر جليا يوم الأربعاء باستهداف الكيان الإسرائيلي لأكبر منشأة لمعالجة الغاز الطبيعي في جنوب غرب إيران، والتابعة لحقل بارس، بضوء أخضر أمريكي دون مراعاة لمصالح الشركاء الإقليميين والحلفاء الدوليين.

استهداف المنشاة الاقتصادية والبنى التحتية هو تصعيد إسرائيلي بغطاء أمريكي لإشعال المنطقة وابتزاز الدول العربية والأوروبية والهند والصين لرفضها المساهمة في الحملة الأمريكية، ذلك أن استهدف البنى التحتية والاقتصادية يؤجج الصراع ويشعل الأسواق العالمية في مظهر جديد من مظاهر الاضطراب في صناعة قرار الحرب ويومياتها، ومؤشر آخر على العجز والانقياد الأمريكية للأجندة الإسرائيلية دون مراعاة لمصالح دول المنطقة والدول الأوروبية والقوى الدولية كالصين والهند أو حساب دقيق لردود فعلها، ما يقود وبشكل تلقائي لتصعيد يطيل أمد الحرب ويحولها إلى حرب استنزاف طويلة وبعيدة الأثر جغرافيا وسياسيا.

ختاما.. كل يوم من أيام الحرب ينقضي يتأكد فيه للجمهور الأمريكي والقوى الإقليمية والدولية أن ترامب ليس صانع قرار الحرب، فالقررات تتخذ في الكابينت الإسرائيلي لا في واشنطن، وهذا سبب انتفاضة قادة الأمن والاستخبارات الأمريكية والبريطانية التي تم تجاهلها وتهميش دورها، وهو سبب رفض الدول الأوروبية المشاركة في الحملة العسكرية الأمريكية. فقرار الحرب وكافة القرارات صيغت ملامحها من قبل نتنياهو وهيئة أركانه، ولا زالت كذلك، على نحو فجر قلقا كبيرا عكسته مواقف الأطرف الدولية والإقليمية المستاءة من مسار الحرب ونهاياتها المجهولة.

x.com/hma36





المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل