يدور الحديث في
واشنطن هذه الأيام، خلف الأبواب المغلقة، عن تحديات متنامية تواجه القدرة العسكرية
الأمريكية نفسها، وتضع الرئيس دونالد
ترامب أمام واقع بالغ التعقيد، ومعضلة
استراتيجية لم تشهدها الولايات المتحدة الولايات المتحدة منذ انتهاء
الحرب الباردة.
وبحسب ما أشارت
إليه تسريبات صحفية، فإن تقارير داخلية عُرضت أمام البيت الأبيض بشأن المواجهات
العسكرية مع
إيران تكشف أن الكلفة الباهظة للحرب بدأت تضع القدرة الأمريكية أمام
اختبار حقيقي، في ظل الأعباء الاقتصادية المتصاعدة التي تفرضها هذه المواجهات.
ففي ساحات
الاشتباك، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى إطلاق صواريخ اعتراضية من طراز
باتريوت، تبلغ كلفة الواحد منها نحو ثلاثة ملايين دولار، لاعتراض طائرات مسيّرة
بدائية لا تتجاوز كلفة الواحدة منها بضعة آلاف من الدولارات.
المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة في حربها على إيران هي مشكلة تكتيكية وليست تهديدا وجوديا للقوة الأمريكية، ولكن في كل الأحوال يطال الأمر الهيبة الأمريكية
وهنا لم تعد
المسألة مسألة تكلفة مالية فحسب، بل باتت ترتبط بمخزون استراتيجي محدود صُمم في
الأصل لمواجهة خصوم كبار مثل الصين في المحيط الهادئ، لا لخوض معارك استنزاف طويلة
ضد أدوات قتالية رخيصة وسهلة الإنتاج. وبعبارة أكثر وضوحا، لم تعد المشكلة في كلفة
الصواريخ، بل في كلفة استنزاف التفوق نفسه.
صحيح أن الولايات
المتحدة تمتلك أكبر ميزانية عسكرية في العالم، والتي تقدر بأكثر من 800 مليار دولار سنويا، كما أن مخزونها العسكري ضخم مقارنة بأي
خصم إقليمي، وإذا أخذنا ذلك في الاعتبار، فإن المشكلة
التي تواجه الولايات المتحدة في حربها على إيران هي مشكلة تكتيكية وليست تهديدا
وجوديا للقوة الأمريكية، ولكن في كل
الأحوال يطال الأمر الهيبة الأمريكية.
هذا الواقع
المعقد دفع بعض القادة العسكريين الأمريكيين إلى التحدث بقدر غير مسبوق من الصراحة
حول ما تتعرض له القدرات العسكرية الأمريكية من استنزاف تدريجي في مواجهات صغيرة
ومتفرقة، في حين يفترض أن تبقى تلك القدرات محفوظة لصراعات كبرى قد تتحدد على
أساسها موازين القوة العالمية. وفي السياسة الدولية، لا تُعد الهيبة مجرد مسألة
معنوية، بل هي عملة قوة يراقب العالم سعرها يوميا.
قد يرى البعض أن
الحديث عن انهيار الهيبة الأمريكية مبالغ فيه، لكنه يعكس في كل الأحوال نقاشا
حقيقيا داخل واشنطن حول تكلفة الحروب الطويلة.
وفي الجهة
المقابلة، يبدو واضحا أن إيران تمارس نمطا محسوبا من الاستنزاف للمحور الأمريكي
الإسرائيلي. تدرك إيران تماما أن "نقطة ضعف" الغرب هي الحساسية تجاه
الكلفة البشرية والمادية، لذا فهي تدير الصراع بعقلية "لاعب الشطرنج"
الذي يضحي بقطع رخيصة لإرباك القطع الثقيلة للخصم.
ولكي تتضح
الصورة، فإن الأمر لا يتعلق بمحاولة مواجهة الأساطيل الأمريكية بصورة مباشرة، بقدر
ما يتمثل في إبقائها في حالة استنفار دائم ومكلف. فعمليات محدودة وتهديدات متفرقة
كفيلة بإبقاء حالة التوتر قائمة، وهو ما يعني استنزافا مستمرا للموارد والوقت
والأعصاب، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ولا شك أن هذه
المعادلة تضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام تحدٍ متزايد التعقيد، فقد اعتاد
ترامب مخاطبة ناخبيه بلغة الازدهار الاقتصادي، والتأكيد على أن الولايات المتحدة
لن تدفع ثمن مغامرات عسكرية طويلة ومكلفة.
غير أن التصعيد
الجاري في منطقة الخليج، وعلى وجه التحديد في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانا حيويا
لإمدادات النفط العالمية، يدفع بأسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، وهو ما سينعكس
مباشرة على المواطن الأمريكي العادي، وقد يتحول سريعا إلى مصدر ضغط سياسي داخل
الولايات المتحدة نفسها.
من ناحية أخرى،
تراقب قوى كبرى مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية تطورات الحرب الأمريكية
الإسرائيلية على إيران بقدر كبير من الاهتمام. فكل إشارة إلى تراجع الهيبة
الأمريكية تُقرأ في هذه العواصم باعتبارها مؤشرا على تحولات أوسع قد تطال بنية
النظام الدولي، سواء على مستوى موازين القوة العسكرية أو على مستوى النظام المالي
العالمي الذي ظل الدولار الأمريكي يهيمن عليه منذ النصف الثاني من القرن العشرين،
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
كل إشارة إلى تراجع الهيبة الأمريكية تُقرأ في هذه العواصم باعتبارها مؤشرا على تحولات أوسع قد تطال بنية النظام الدولي
وانطلاقا من هذه
الحسابات، يتردد في واشنطن أن الأيام المقبلة قد تكون حاسمة، وأن الخيارات المتاحة
أمام الرئيس ترامب تزداد تعقيدا.
فمن ناحية، فإن التصعيد
العسكري الواسع ينطوي على مخاطر كبيرة ليس فقط على منطقة الشرق الأوسط، بل على
الاقتصاد العالمي برمته، وهو ما قد ينعكس بدوره بصورة مباشرة على الاقتصاد
الأمريكي. ومن ناحية أخرى، تتردد في الكواليس أحاديث عن إمكانية التوصل إلى تسوية
سياسية تهدف إلى تخفيف التوتر، مقابل تفاهمات غير معلنة تتعلق بالنفوذ الإقليمي
وضمان تدفق الطاقة.
إن السؤال الأهم
اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل الأزمة بين واشنطن وطهران، بل بطبيعة القرار الذي قد
يتخذه الرئيس الأمريكي ترامب. فهل يتجه نحو مغامرة عسكرية مفتوحة، أم يفضل منطق
الصفقات الذي يحفظ المصالح الأساسية دون الانخراط في صراع مفتوح لا يُعرف إلى أين
يمكن أن يقود؟
على وجه العموم، لا
يمكن الجزم بالإجابة في هذه اللحظة، لكن المؤكد أن ما يجري في واشنطن اليوم يمثل
مرحلة مفصلية، واختبارا حقيقيا لحدود القوة الأمريكية في عالم يتغير بوتيرة أسرع
بكثير مما كان متوقعا.