هدنة واشنطن وحق إيران في الدفاع: من يصنع ضعف الشرق الأوسط؟

محمد الشبراوي حسن
"كسر توازنات القوة لصالح طرف واحد (إسرائيل) لا يجلب استقرارا، بل يزرع ألغاما ستنفجر في وجه الجميع"- الأناضول
"كسر توازنات القوة لصالح طرف واحد (إسرائيل) لا يجلب استقرارا، بل يزرع ألغاما ستنفجر في وجه الجميع"- الأناضول
شارك الخبر
خلف ستار التصريحات الدبلوماسية الرنانة التي تخرج من واشنطن ويطلقها الرئيس الأمريكي ترامب، وتباكي تل أبيب بكلمات بنيامين نتنياهو للعالم الغربي، تكمن حقيقة لا يمكن القفز فوقها بكلمات معسولة: المنطقة تعيش صراعا وجوديا عنوانه "ممنوع لغيرنا أن يملك القوة". فعندما نتحدث عن التهدئة والتصعيد، نحن لا نتحدث عن طرفين متكافئين اختلفا على حدود، بل عن قوى استعمارية وحديثة ترى في امتلاك أي دولة في المنطقة -وعلى رأسها إيران- لأدوات الدفاع عن نفسها "تهديدا وجوديا" يجب سحقه.

التفاوض تحت التهديد: هل هي فرصة أم فخ؟

عندما تتحدث الإدارة الأمريكية ويطلق ترامب تصريحاته عن "نافذة للتفاوض" وأنه قرر تأجيل توجيه الضربات على إيران لأيام معدودة، فهنا واشنطن لا تمارس سياسة ضبط النفس، بل تمارس "الابتزاز السياسي" وبصورة واضحة لا مجال فيها للالتباس.

الرسالة الضمنية من الإدارة الأمريكية وحليفتها المدللة إسرائيل واضحة: "تخلوا عن مخالبكم، وسنمنحكم الهدوء". الحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لا تقبلان بدولة ندّية في المنطقة؛ بل تريدان شرقا أوسطيا "أليفا"، ثرواته مستباحة وقراره مرهون، وأي محاولة لكسر هذا القيد تُصنف فورا كـ"عدوان" أو "إرهاب".

رفض طهران للمفاوضات المباشرة في ظل التهديد لا يمكن فهمه على أنه عناد سياسي، بل هو إدراك بأن التفاوض على حق الدفاع عن النفس هو انتحار بطيء للدولة الإيرانية

لذا، فإن رفض طهران للمفاوضات المباشرة في ظل التهديد لا يمكن فهمه على أنه عناد سياسي، بل هو إدراك بأن التفاوض على حق الدفاع عن النفس هو انتحار بطيء للدولة الإيرانية.

أسطورة "إدارة الفوضى" وتكريس العجز

ما يجري اليوم من الخطأ اعتباره "إدارة للفوضى" بالمعنى العشوائي، بل هي الفوضى المنظمة بعينها، والتي تهدف إلى استنزاف مقدرات الدول في المنطقة ومنعها من مراكمة القوة.

إن إسرائيل، وبدعم أمريكي غير محدود، تريد أن تظل "ا القوة المهيمنة" الوحيدة في المنطقة، التي تضرب متى تشاء وأينما تشاء دون أن يجرؤ أحد على الرد.

إن النفاق الدولي يبدو في أجلى صوره، فهل يُعقل أن ينطلي على أحد أن امتلاك إسرائيل لترسانة نووية هو "حماية للديمقراطية"، بينما امتلاك دولة إقليمية لصاروخ دفاعي هو "تهديد للسلم العالمي"؟! هذه الازدواجية هي المحرك الحقيقي للفوضى!

وإذا نظرنا إلى تراجع أسعار النفط أو القلق على ممرات التجارة كـ"مضيق هرمز"، فإن هذا ليس إلا انعكاسا لخوف القوى الكبرى من أن الطرف المعتدى عليه قد يقلب الطاولة فعلا. هم يريدون نهب خيرات المنطقة دون دفع ضريبة أفعالهم، لكن الواقع يقول إن "زمن الضرب من طرف واحد" قد انتهى، وهذا ما يسبب لهم هذا الصداع الجيوسياسي.

دبلوماسية "الرسائل" وتآكل الثقة

إذا نظرنا إلى الدول التي تحاول التوسط مثل مصر وعُمان وتركيا، وباكستان وغيرهم، فإنها بلا شك تجد نفسها في مهمة مستحيلة. كيف تقنع طرفا معتديا بأن يتوقف، بينما هو يرى أن أمنه لا يتحقق إلا بتجريد جاره من سلاحه؟ وكيف تقنع طرفا معتدى عليه بأن يتوقف عن الدفاع عن نفسه ضد معتد يريد سحقه بالكلية؟ تحذيرات وزير الخارجية المصري الأخيرة وغيره من المسؤولين في المنطقة من "الفوضى الشاملة"؛ هي في الحقيقة صرخة في وجه السياسة الأمريكية التي تدفع المنطقة نحو الانفجار بسبب انحيازها الأعمى لإسرائيل.

من ناحية أخرى، نجد أن روسيا والصين، في مواقف متقاربة، حذرتا من "تداعيات كارثية" لأي توسع في العمليات العسكرية. وتأتي هذه التحذيرات لتعكس إدراكا بأن الصراع لم يعد إقليميا بحتا، بل بات يحمل أبعادا دولية واضحة.

إن التاريخ القريب في العراق وسوريا أثبت أن كسر توازنات القوة لصالح طرف واحد (إسرائيل) لا يجلب استقرارا، بل يزرع ألغاما ستنفجر في وجه الجميع عاجلا أم آجلا.

الاقتصاد العالمي.. الرهينة الذي صنعته يد المعتدي
إما الإذعان لمنطق "سيد وعبيد" الذي تحاول أمريكا وإسرائيل فرضه، أو المضي قدما في بناء قوة ردع حقيقية تجبر المعتدي على احترام السيادة"

من المضحك أن تتباكى وكالة الطاقة الدولية أو الأسواق العالمية على إمدادات النفط، بينما تصمت عندما تُستهدف البنى التحتية والمنشآت السيادية للدول. هم يريدون اقتصادا مستقرا على جثث سيادة الدول الإقليمية، والحقيقة هي أن العالم لن ينعم بالأمن الاقتصادي طالما ظلت واشنطن وتل أبيب تمارسان سياسة "العربدة العسكرية". فمن حق أي دولة تتعرض للعدوان أن تستخدم أوراق قوتها، والنفط والجغرافيا هما من أفتك هذه الأوراق.

ختاما.. لا سلام بلا توازن

الشرق الأوسط يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإذعان لمنطق "سيد وعبيد" الذي تحاول أمريكا وإسرائيل فرضه، أو المضي قدما في بناء قوة ردع حقيقية تجبر المعتدي على احترام السيادة".

إن إدارة الفوضى الحالية التي تمارسها واشنطن وتل أبيب هي مجرد محاولة لتأجيل الانفجار الكبير، لكن السلام الحقيقي لن يأتي من طاولات المفاوضات التي يُطلب فيها من الضحية تسليم سلاحه، بل سيأتي عندما تدرك واشنطن أن تكلفة حماية الاعتداءات الإسرائيلية أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال.

لكن هناك نقطة هامة تتعلق بالواقع الميداني الذي فرض نفسه، إذ لم يعد بإمكان أي قوة إقليمية أو دولية، مهما بلغت غطرستها، أن تضمن عدم تلقي ضربة موجعة في عقر دارها إذا تمادت في عدوانها على الآخرين.

إن ما نقوله هو محاولة لقراءة الواقع على حقيقته، وليس وضع الرؤوس في الرمال والتعامي عن حقائق واضحة وضوح الشمس في كبد السماء.

إن القراءة الواقعية للأحداث تتطلب شجاعة للنظر في عين الشمس، بعيدا عن "المكياج" الدبلوماسي الذي تحاول الآلة الإعلامية الغربية تسويقه.




المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)