رباعية أنطاليا.. هل انتهى زمن الأمن المستورد في الشرق الأوسط؟

محمد الشبراوي
"هل نحن أمام محاولة لتأسيس نمط جديد مما يمكن أن نطلق عليه الأمن الإقليمي التفاعلي"- الخارجية السعودية
"هل نحن أمام محاولة لتأسيس نمط جديد مما يمكن أن نطلق عليه الأمن الإقليمي التفاعلي"- الخارجية السعودية
شارك الخبر
يخبرنا التاريخ أنه في لحظات التحول الكبرى التي تمر على الأمم، لا تُعلن السياسة عن نفسها بالضرورة عبر بيانات صاخبة أو قمم قد تكون استثنائية، بل كثيرا ما تتسلل السياسات في شكل اجتماعات هادئة قد تبدو في ظاهرها بروتوكولية، لكنها في عمقها تحمل بذور تحولات أعمق من تلك العناوين العاجلة التي تتصدر الأخبار.

هذا الذي صدرنا به هو ما يمكن قوله عن الاجتماع الرباعي الذي جمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في مدينة أنطاليا التركية، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الأخيرة، والذي عُقد في لحظة إقليمية تبدو فيها منطقة الشرق الأوسط في حالة سيولة تاريخية، وكأنها تقف على حافة إعادة تشكيل غير معلنة لموازينها. لقاء وزراء الدول الأربع لا يمكن للمراقب السياسي اعتباره مجرد "صورة تذكارية" لوزراء تجمعهم جغرافيا مضطربة، بل بدا كأنه إعلان غير مكتوب عن انتهاء صلاحية الرهان الكامل على المظلات الدولية لحماية المصالح الحيوية في المنطقة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، في هذا التوقيت، ليس فقط: ماذا حدث في أنطاليا؟ بل: لماذا الآن تحديدا؟ ولماذا هذه الدول الأربع دون غيرها؟ والسؤال الأهم هو: هل نحن أمام محاولة لتأسيس نمط جديد مما يمكن أن نطلق عليه "الأمن الإقليمي التفاعلي"، بدلا من الاعتماد التقليدي على المظلات الدولية والأمن المستورد الذي حكم المشهد لعقود؟

من الدبلوماسية الرمزية إلى الدبلوماسية الوظيفية
الدول الأربع التي التقت في أنطاليا (مصر والسعودية وتركيا وباكستان)، لا تتحرك بدافع الرفاه الدبلوماسي، بل تحت ضغط مباشر من بيئة إقليمية يهيمن عليها تصاعد التوتر العسكري، واضطراب طرق التجارة، وتآكل القدرة على التنبؤ بمسارات الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران

لفترة طويلة، ظلت منطقة الشرق الأوسط تعيش تحت ما يمكن أن نطلق عليه "الأمن المستورد"، أي الاعتماد شبه الكامل على القوى الكبرى -مثل الولايات المتحدة الأمريكية- في توفير الحماية وضبط الإيقاع الإقليمي، سواء عبر التحالفات العسكرية أو عبر هندسة التفاهمات الكبرى.

لكن المشهد اليوم في المنطقة يبدو مختلفا، فالدول الأربع التي التقت في أنطاليا (مصر والسعودية وتركيا وباكستان)، لا تتحرك بدافع الرفاه الدبلوماسي، بل تحت ضغط مباشر من بيئة إقليمية يهيمن عليها تصاعد التوتر العسكري، واضطراب طرق التجارة، وتآكل القدرة على التنبؤ بمسارات الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

وبالنظر إلى الواقع، ووفق بيانات حديثة صادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 15 في المئة و30 في المئة على بعض الخطوط الحيوية، مع تأثير مباشر على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة عالميا. هذه الأرقام لا يمكن التعامل معها فقط كهوامش اقتصادية، بل كعوامل ضغط استراتيجي تفرض على العواصم الأربع ضرورة التحرك سريعا بعيدا عن انتظار "المنقذ" الخارجي المنتظر.

الجغرافيا تعود إلى مركز القرار

ما يلفت الانتباه في هذا التقارب بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، أنه لا يقوم على تطابق أيديولوجي، بل على تقاطع جغرافي-اقتصادي صارخ. إن التوازي بين المصالح المصرية في قناة السويس، والمصالح السعودية في نيوم، والمصالح التركية في المتوسط، خلق حالة من "التناظر الاستراتيجي" الذي جعل الخلافات الأيديولوجية تبدو كترف قديم لا مكان له في عالم ما بعد حرب غزة وتصعيد البحر الأحمر.

بالنسبة لبلد كمصر، فإن القاهرة تنظر إلى قناة السويس باعتبارها شريانا اقتصاديا لا يحتمل الاضطراب، وقد كان للحرب الأخيرة تبعات كارثية على القناة، حيث تشير البيانات إلى تراجع في العائدات وصل في بعض الفترات الأخيرة إلى ما يقارب 40-50 في المئة نتيجة التوترات في البحر الأحمر.

أما السعودية، فإنها تتحرك ضمن مشروع اقتصادي ضخم، والمتمثل في رؤية المملكة العربية السعودية 2030، وهي خطة تحول اقتصادي شاملة تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد متنوع ومستدام، وهذا يتطلب بيئة إقليمية مستقرة.

وبخصوص تركيا، فإن أنقرة تبحث عن تثبيت موقعها كمركز لوجستي وطاقة بين آسيا وأوروبا، بحيث تصبح مركزا رئيسيا لمرور الطاقة (الغاز والنفط) وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، بما يرسخ مكانتها كممر لوجستي مؤثر في حركة الاقتصاد العالمي، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إذا تحول الخليج العربي والبحر الأحمر إلى ساحات حرب مفتوحة.

أما باكستان، فهي تواجه وضعا داخليا هشا نسبيا يجعلها سريعة التأثر بأي اضطرابات خارجية، نتيجة ضغوط اقتصادية مستمرة، وتحديات سياسية داخلية، واعتماد كبير على الاستيراد والطاقة، ما يزيد من انكشافها أمام التقلبات الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، لا تبدو الجغرافيا مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى فاعل سياسي صامت يفرض منطقه على الجميع. وهنا يمكن القول إن البحر الأحمر والخليج العربي وشرق المتوسط لم يعودوا "مسارح صراع"، بل "اختبارات بقاء اقتصادي".

إيران والولايات المتحدة.. إدارة صراع بلا حسم

في قلب هذا المشهد الساخن، تقف العلاقة بين واشنطن وطهران، ليس كصراع ثنائي فقط، بل كمنظومة تأثير لا تقف عند حدود الطرفين، بل تمتد إلى كامل الإقليم. فالمفاوضات بين واشنطن وطهران، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، لا تقف عند حدود خفض التصعيد فحسب، ولكنها تنعكس بوضوح على إعادة توزيع النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.

لكن ما يثير القلق الإقليمي هو أن كثيرا من هذه التفاهمات تُصاغ دون مشاركة فعلية من الدول الأكثر تأثرا بها، وهنا تحديدا يظهر القلق الذي يمكن وصفه بـ"قلق الإقصاء الاستراتيجي".

وهنا يطرح السؤال نفسه، وهو: هل يمكن لمنطقة بحجم الشرق الأوسط أن تُدار بتفاهمات بين خصمين دوليين فقط، بينما تُترك الأطراف الإقليمية في موقع المتلقي؟ هذا السؤال وحده كفيل بتفسير جزء من ديناميكية التقارب الرباعي في أنطاليا. فالدول الأربع لم تعد تكتفي بمراقبة "الرقص فوق الحبال" بين واشنطن وطهران، بل قررت بناء "أرصفتها" الخاصة بعيدا عن المظلات الدولية.

ويمكن القول إن الدول الأربع تحاول أن تكون "الضامن" في المنطقة، خاصة أنها تمتلك مجتمعة أكثر من 2.5 مليون جندي نظامي، وقوة نووية (باكستان)، وثقلا ماليا هائلا (السعودية)، وعمقا حضاريا وتاريخيا (مصر)، ونفوذا عسكريا وتكنولوجيا (تركيا).

البحر الأحمر.. من ممر تجاري إلى عقدة استراتيجية

إذا كان هناك ملف واحد يلخص جوهر التحول الجاري في المنطقة، فهو البحر الأحمر دون شك. فوفق تقديرات ملاحية حديثة، شهدت بعض الممرات البحرية الرئيسية في المنطقة ارتفاعا في كلفة التأمين البحري بأكثر من 25 في المئة خلال فترات التوتر الأخيرة، إضافة إلى إعادة توجيه جزئي لسلاسل الشحن نحو مسارات أطول.

هذا التحول لا يهدد فقط التجارة العالمية، بل يعيد تعريف قيمة الجغرافيا نفسها. ولعل الأهم هنا أن الدول الأربع ترى في البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، بل مساحة أمن قومي ممتد، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن الاستراتيجي.

هل نحن أمام "ناتو إقليمي ناعم"؟
شبكة الأمان هذه لا تهدف إلى خوض الحروب، بل تعمل على منعها من التوسع خارج السيطرة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "دبلوماسية التحوط الجماعي"

قد يكون مغريا توصيف ما يحدث الآن بين الدول الأربع باعتباره نواة لتحالف إقليمي جديد، لكن الواقع في حقيقته أكثر تعقيدا من ذلك. فعلى أرض الواقع، لا توجد التزامات دفاعية، ولا بنية عسكرية مشتركة، ولا حتى إعلان سياسي مؤسس. ومع ذلك، هناك شيء آخر أكثر أهمية، يتمثل في التنسيق غير المعلن بين الدول الأربع حول إدارة المخاطر.

ولذلك يمكن القول إن ما يجري هو أقرب إلى "شبكة أمان سياسية مرنة" منه إلى تحالف تقليدي. شبكة الأمان هذه لا تهدف إلى خوض الحروب، بل تعمل على منعها من التوسع خارج السيطرة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "دبلوماسية التحوط الجماعي". في هذا السياق، يمكن تلخيص معضلة الإقليم في عبارة دالة، وهي: "إن الشرق الأوسط لا يعاني من نقص الفاعلين، بل من فائض الاعتماد على الآخرين".

خاتمة

بعد ما سبق، فإن هناك سؤالا يطرح نفسه، وهو: هل يولد نظام أمن جديد في منطقة الشرق الأوسط من رحم الفوضى بعد رباعية أنطاليا؟

الإجابة هي: ربما لا تكون "رباعية أنطاليا" حدثا مؤسسا لنظام إقليمي جديد، لكنها بالتأكيد مؤشر على شيء أعمق، وهو أن المنطقة بدأت تدرك أن انتظار الحلول الخارجية لم يعد خيارا مضمونا.

لكن ما زال السؤال مفتوحا، وربما أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل تستطيع هذه الدول تحويل الضرورة إلى مشروع جامع، أم ستبقى دوما أسيرة إدارة الأزمات من محطة إلى أخرى؟

في الشرق الأوسط، لا يمكن أن تُقاس التحولات بما يتم الإعلان عنه، بل بما يتراكم بصمت تحت السطح. وربما هذا ما يجعل اجتماع أنطاليا أكثر دلالة مما يبدو عليه للوهلة الأولى، وهذا ما لا يمكن أن تغفل عنه عين المراقب للأحداث.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)