موبي ديك الإسرائيلية: هل تقود تل أبيب واشنطن إلى الانتحار الاستراتيجي؟

محمد الشبراوي حسن
"هل يمكن القول إن اليقين بالحماية الأمريكية قد مات في شباط/ فبراير 2026، وما نراه الآن هو مجرد مراسم تشييع بطيئة؟"- القيادة المركزية
"هل يمكن القول إن اليقين بالحماية الأمريكية قد مات في شباط/ فبراير 2026، وما نراه الآن هو مجرد مراسم تشييع بطيئة؟"- القيادة المركزية
شارك الخبر
بينما كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية لا تزال نيرانها مشتعلة فوق مياه الخليج العربي، وقف البروفيسور جون ميرشايمر في المركز العربي بواشنطن في التاسع من نيسان/أبريل 2026، لا ليلقي محاضرة روتينية أو يطرح مجرد وجهة نظر أكاديمية حول الحرب، بل بدا وكأنه يضع يده مباشرة على جرح مفتوح في صميم الاستراتيجية الأمريكية.

ميرشايمر، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، تحدث هذه المرة بنبرة أقرب إلى التحذير منها إلى التحليل البارد، وكأن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة، بل مسار قد يقود، إن استمر، إلى ما يشبه تآكل "روما الجديدة" تحت وطأة قرارات لم تعد تُصنع بالكامل في واشنطن.

لم يكن ميرشايمر يتحدث عن جولة صراع جديدة بين الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل عن مسار أوسع، يرى فيه ملامح ما يمكن وصفه، ربما دون مبالغة كبيرة، بـ"انتحار استراتيجي" يتشكل تدريجيا، تمارسه واشنطن بدافع من التزاماتها العضوية تجاه تل أبيب.

على مدى سنوات، كان ميرشايمر ناقدا مزعجا للسياسة الأمريكية، أشبه بما يُسمى مجازا "ذبابة سقراط"، خاصة أن أطروحاته ورؤاه، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، ظلت تثير القلق وتدعو إلى الخوف من الأثمان الباهظة للأخطاء التي ترتكبها واشنطن.

المشهد العبثي والمأساة الحقيقية تكمنان في تلك "التبعية العمياء"، بحيث أصبحت واشنطن منقادة لرغبات تل أبيب. والسؤال هنا: كيف يمكن لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن تُقاد من أنفها نحو حرب استنزاف لا تخدم أي مصلحة قومية أمريكية؟

منذ عقدين، استشرف البروفيسور جون ميرشايمر واقع الحال والمآل الذي يمكن أن تصير إليه أوكرانيا منذ منتصف تسعينيات القرن المنصرم. ومن وجهة نظر كاتب هذه السطور، فإن محاضرة البروفيسور جون ميرشايمر في المركز العربي بواشنطن تعد من أكثر تحليلاته إثارة للجدل، حيث فصّل فيها ما اعتبره "هزيمة استراتيجية تاريخية" للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في أعقاب المواجهة مع إيران، وكعادته في تبني المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، قدّم تشريحا صادما وقاتما للمشهد الحالي.

وانطلاقا من مشهد الحرب على إيران، فإن ثمة سؤالا يصفع وجه المرحلة الآن؛ ليس من انتصر؟ بل هل بقي هناك نظام إقليمي يمكن ترميمه؟

المطاردة العبثية.. هوس "موبي ديك"

في المحاضرة التي استمرت نحو 47 دقيقة، لم يتحدث البروفيسور جون ميرشايمر عن تفاصيل ميدانية صغيرة، بل ركز على "المنطق الاستراتيجي" الذي يفسر تحركات القوى الكبرى في المنطقة. لقد استخدم ميرشايمر استعارة أدبية بليغة لوصف علاقة إسرائيل بإيران، مشبها إياها بمطاردة الكابتن "أهاب" للحوت الأبيض "موبي ديك" في رواية هيرمان ملفيل؛ وهي مطاردة تنتهي دائما بغرق السفينة وطاقمها.

هناك هوس إسرائيلي بتدمير إيران والقضاء عليها سياسيا وعسكريا، وهذا الهوس ليس مجرد حسابات أمنية، بل تحول إلى عقيدة خلاصية جرفت المنطقة بالكامل نحو حافة الهاوية في شباط/ فبراير الماضي.

لكن المشهد العبثي والمأساة الحقيقية تكمنان في تلك "التبعية العمياء"، بحيث أصبحت واشنطن منقادة لرغبات تل أبيب. والسؤال هنا: كيف يمكن لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن تُقاد من أنفها نحو حرب استنزاف لا تخدم أي مصلحة قومية أمريكية؟ هنا تبرز معضلة "اللوبي" التي فصلها ميرشايمر وزميله ستيفن والت سابقا في كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية".

لكن معضلة اللوبي الإسرائيلي في عام 2026 لم تعد مجرد ضغط سياسي على الإدارة الأمريكية، بل أصبحت "شيكا على بياض" لارتكاب ما وصفه ميرشايمر صراحة بـ"النزعة المتزايدة للإبادة الجماعية".

مضيق هرمز.. حين تتحول الجغرافيا إلى عامل حاسم

لقد كشفت الحرب الأخيرة على إيران عن حقيقة استراتيجية مُرّة لصناع القرار في البنتاغون، وهي أن التفوق الجوي، مهما بلغ، ليس كافيا لتركيع الجغرافيا، فقد وجدت واشنطن نفسها أمام خصم يمتلك "أوراقا رابحة" لا يمكن تحييدها بالطيران.

من ناحية أخرى، أثبتت طهران أن السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي ليست مجرد ورقة ضغط سياسية، بل هي "مقصلة" معلقة فوق عنق الاقتصاد العالمي، وقنبلة شديدة الانفجار قادرة على إحداث دمار هائل يتجاوز الخليج إلى باقي العالم. لقد استطاعت إيران أن تفرض واقعا جديدا عبر إغلاق مضيق هرمز وتهديد محطات تحلية المياه في الخليج، وهي أهداف مكشوفة وحساسة.

ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تُمنّي النفس بـ"صدمة وترويع" تؤدي إلى انهيار النظام في طهران، وجد العالم نفسه أمام نقص حاد في الأسمدة وارتفاع فلكي في أسعار الطاقة؛ إذ يمر ثلث الإنتاج العالمي من الأسمدة، ونحو 20 في المئة من الطاقة، عبر هرمز. فهل يُعقل أن الاستراتيجية الأمريكية لم تضع في الحسبان أن الجوع العالمي قد يبدأ من مضيق ضيق يحرسه "الحرس الثوري"؟

تشير التقارير الاستخباراتية المسربة، والتي عززتها تحقيقات "نيويورك تايمز"، إلى أن القرار الأمريكي بدخول المواجهة الشاملة مع إيران لم يكن وليد دراسة مستفيضة في أروقة "الدولة العميقة"، بل كان نتاج ما يمكن اعتباره "خديعة" استراتيجية قادها مدير الموساد ديفيد برنياع وبنيامين نتنياهو. لكن سؤالا بديهيا يطرح نفسه: ألم يتعلم صانع القرار في واشنطن من دروس التاريخ في العراق وأفغانستان؟ وهل غاب عن ترامب وفريقه أن "تغيير الأنظمة" بالقوة الجوية وحدها، مهما بلغت قدرتها، هو محض مقامرة فاشلة؟

إن الاستخفاف الأمريكي بقدرة طهران لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل كان خطيئة استراتيجية كبرى، دفع ثمنها الجنود الأمريكيون في 13 قاعدة تعرضت للتدمير أو الشلل التام، كما دفع ثمنها حلفاء تقليديون في المنطقة لم يكونوا شركاء في قرار الحرب.

الاستنزاف الاستراتيجي وتحول الأولويات

لا شك أنه بينما كانت واشنطن تنشغل بإرسال منظومات "ثاد" و"باتريوت" لترميم الردع الإسرائيلي المتآكل في مواجهة الصواريخ الإيرانية، كانت بكين تراقب بابتسامة باردة. وهنا يمكن القول إن "الاستدارة نحو آسيا" (Pivot to Asia) التي بشرت بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة قد دُفنت في رمال الشرق الأوسط لأجل عيون إسرائيل.

تشير البيانات الميدانية إلى أن مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية بلغت مستويات "حرجة" لا تسمح بخوض مواجهة متزامنة في بحر الصين الجنوبي، فقد أدت حرب الاستنزاف الحالية بين أمريكا وإيران إلى استهلاك مخزون الذخائر المتقدمة الأمريكية بوتيرة تفوق قدرة المصانع على التعويض بمراحل.

وهنا تبرز المفارقة؛ فلأجل حماية حليف إقليمي، تضحي واشنطن بقدرتها على ردع خصمها الاستراتيجي الأول عالميا. أليس هذا هو التعريف الأكاديمي لـ"الفشل الاستراتيجي"؟

السيناريو الأخطر.. حين يضيق هامش الخيارات

أخطر ما ورد في تحليل ميرشايمر، والذي يتردد صداه في أروقة الاستخبارات اليوم، هو القلق من "اليأس الإسرائيلي".

في التاريخ العسكري، عندما تفشل الأدوات التقليدية في تحقيق "النصر المطلق"، تبرز غريزة البقاء بشكل متطرف، ليس لأنها مفضلة، بل لأنها تُرى كخيار أخير. وإذا أسقطنا ذلك على إسرائيل، التي ترى في إيران تهديدا وجوديا، فإن تل أبيب قد تجد في "خيار شمشون" النووي الملاذ الأخير لمنع طهران من امتلاك رادعها الخاص.

والسؤال الأكثر حساسية: في حال تصاعدت الأمور، هل تمتلك واشنطن القدرة أو الإرادة لكبح جماح حليفتها إسرائيل إذا قررت استخدام السلاح النووي؟ الإجابة، بناء على التواطؤ الأمريكي الحالي في غزة، تبدو قاتمة.

إن اللغة التي استخدمها ترامب في منشوراته الأخيرة في نيسان/ أبريل 2026، والتي هدد فيها بمحو "الحضارة الإيرانية"، تعكس انتقال "عدوى الإبادة" من تل أبيب إلى البيت الأبيض. وبالقياس على الصمت الأمريكي تجاه "إبادة غزة"، فإن هناك ضوءا أخضر ممنوحا ضمنيا لأي تصعيد قادم، مهما بلغت بشاعته.

تآكل الثقة في المظلة الأمريكية ومقولة كيسنجر

بعيدا عن ساحات القتال، هناك تأثير لا يقل أهمية: كيف يرى الحلفاء ما يحدث؟
إن الدرس الأكبر من الحرب على إيران هو أن "الغطرسة" ليست استراتيجية، وأن الواقعية السياسية تفرض نفسها في النهاية، مهما حاول المقامرون تجاهلها

في الخليج وأوروبا، بدأت تظهر مؤشرات -ولو حذرة- على إعادة تقييم، ليس بالضرورة قطيعة، بل محاولة تنويع الخيارات. لقد بدأت دول الخليج، التي وجدت نفسها في "مرمى النيران" بسبب سياسات واشنطن، تدرك حقيقة تاريخية مريرة: أن المظلة الأمنية الأمريكية "تُثقب" عند أول اختبار جدي للمصالح الإسرائيلية.

توقع ميرشايمر أن تتجه العواصم الإقليمية نحو "تصفير المشاكل" مع طهران، وفك الارتباط العضوي بالاستراتيجية الأمريكية، والبحث عن ضمانات أمنية بديلة، ربما في بكين أو موسكو. فهل يمكن القول إن اليقين بالحماية الأمريكية قد مات في شباط/ فبراير 2026، وما نراه الآن هو مجرد مراسم تشييع بطيئة؟

إن مقولة هنري كيسنجر الشهيرة بأن "التحالف مع أمريكا أمر قاتل" لم تعد مجرد طرفة سياسية، بل أصبحت دستور عمل للعديد من العواصم.

ختاما

إن الدرس الأكبر من الحرب على إيران هو أن "الغطرسة" ليست استراتيجية، وأن الواقعية السياسية تفرض نفسها في النهاية، مهما حاول المقامرون تجاهلها.

ربما لا تكون الصورة مكتملة بعد، وربما تحمل الأشهر القادمة مفاجآت تعيد ترتيب المشهد، لكن ما طرحه ميرشايمر يظل مهما لأنه يسلط الضوء على مسار، لا على لحظة.

والسؤال ليس فقط ما حدث، بل إلى أين يمكن أن يقود هذا المسار؟ وهنا تحديدا تكمن خطورة الفكرة: أن الاستراتيجيات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيا إلى أن يصبح التراجع أمرا واقعا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل