مستقبل طرق الإمدادات في الشرق الأوسط بعد فشل مفاوضات باكستان

ياسر عبد العزيز
"رغم تعدد البدائل، تبقى الحقيقة الجوهرية أن هذه المسارات لا يمكنها تعويض الدور الكامل لمضيق هرمز"- جيتي
"رغم تعدد البدائل، تبقى الحقيقة الجوهرية أن هذه المسارات لا يمكنها تعويض الدور الكامل لمضيق هرمز"- جيتي
شارك الخبر
مساء الأحد، وقبل ساعات من كتابة هذا المقال، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عزمها فرض حصار بحري على إيران اعتبارا من العاشرة صباح اليوم التالي، وهو ما جعل قائد البحرية الإيرانية شهرام إيراني، يرد بوصف تهديدات القيادة المركزية والرئيس ترامب بـ"السخيفة والمضحكة"، وأن رجاله في القوة البحرية الإيرانية يراقبون ويشرفون على كافة تحركات الجيش الأمريكي في المنطقة.

التصريحات المتبادلة حول المضيق، تأتي في أعقاب انتهاء المارثون التفاوضي الذي جرى في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم السبت الماضي، بالفشل في التوصل لحل لإنهاء الأزمة في الشرق الأوسط، والتي تداعى لها العالم كله بالسهر والحمى، مع استمرار إغلاق أحد شرايين التجارة العالمية المهمة.

الحرب في الشرق الأوسط التي بدأت فجأة في ظل مباحثات بين طهران وواشنطن، فيما يبدو لم تكن كذلك بالنسبة للقيادة في إيران، إذ يبدو رد الفعل الإيراني مدروسا، سواء في الأهداف التي تم الرد عليها بعد بدء الهجوم الأمريكي- "الإسرائيلي" أو الخطوات التي يمكن بها كسب أوراق ضغط لإنهاء الهجوم، كاستهداف حلفاء واشنطن، أو الاستفادة من الموقع الجيواستراتيجي.

خريطة جديدة في المنطقة، وداخل هذه الخريطة تقف إحدى المقاطع المهمة في فهم الشرق الأوسط الجديد الذي يُرسم؛ ألا وهي خريطة الممرات التجارية والطاقة في ظل هذه التوترات الجيوسياسية التي فيما يبدو لن تنتهي سريعا

الحرب في الشرق الأوسط، كما وصفنا في مقالي "مقتل خامنئي ومحاولة إعادة هندسة التوازن الإقليمي" ومقال "جدلية تفكيك القواعد الأمريكية وإعادة تعريف أمن الخليج"، أو في مقال "شظايا أي ضربة أمريكية محتملة لإيران ستتناثر على الخليج"؛ ترسم خريطة جديدة في المنطقة، وداخل هذه الخريطة تقف إحدى المقاطع المهمة في فهم الشرق الأوسط الجديد الذي يُرسم؛ ألا وهي خريطة الممرات التجارية والطاقة في ظل هذه التوترات الجيوسياسية التي فيما يبدو لن تنتهي سريعا، وحتى لو حدث، فإنها خلفت بالفعل حالة يجب أن تحل، حتى لا تتحول إلى مرض عضال يضغط على عصب التجارة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز.

في هذا السياق، تبرز أهمية الممرات البحرية الأخرى مثل قناة السويس وباب المندب، اللذين يشكلان معا العمود الفقري للمسار البديل للنفط والتجارة بين آسيا وأوروبا. لكن هذه الممرات ليست بمنأى عن المخاطر، إذ إن التوترات في اليمن والقرن الأفريقي تجعل باب المندب بدوره نقطة اختناق محتملة، ما يعني أن إعادة توجيه التجارة لا تلغي المخاطر بقدر ما تعيد توزيعها جغرافيا، وهو ما يعظم دور خطوط الأنابيب البرية؛ فمشروعات مثل خط شرق- غرب في السعودية، وخط كركوك- جيهان الذي يربط العراق بتركيا، تمثل محاولات جدية لتقليل الاعتماد على هرمز.

كما أن موانئ خارج الخليج، مثل الفجيرة في الإمارات والدقم في سلطنة عمان، بدأت تتحول إلى مراكز لوجستية بديلة، والأخيران ضربتهما إيران، في رسالة مفادها أن الخطوط البديلة في المنطقة لن تكون بمنأى عن مسيراتها وصواريخها، وبالتالي فإن أحد البدائل القديمة التي يعاد الحديث عنها هو خط أنابيب سوميد، وهو الخط الذي ينقل نفط الخليج عبر البحر الأحمر إلى مصر ليصل إلى البحر المتوسط؛ ومن ثم إلى أوروبا.

غير أن التحول الأهم لا يقتصر على الطاقة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل شبكات النقل والتجارة. ففي خطوة تعكس هذا الاتجاه، أعلن وزير النقل عبد القادر أورال أوغلو التركي، عن مشروع طموح لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط وأوروبا عبر شبكة سكك حديدية تمر بعدة دول عربية. هذا المشروع لا يمثل مجرد بنية تحتية للنقل، بل يعكس رؤية استراتيجية لتحويل المنطقة إلى شبكة متعددة المسارات، تقلل من الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.

المشروع التركي يتقاطع مع مشاريع أوسع، مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية أو المشاريع المدعومة من قوى إقليمية، كذلك الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي جو بايدن عام 2023، وهو الممر الاقتصادي الذي يبدأ من الهند مرورا بالخليج وصولا إلى أوروبا، وهو ما كتبنا عن أهميته في مقالين؛ "القمة الهندية الأوروبية وإعادة رسم الاقتصاد العالمي" و"تأثير القمة الهندية الأوروبية على الاقتصاد العالمي والشرق الأوسط
بدلا من إلغاء نقاط الاختناق، فإن العالم يتجه نحو تعددها، ما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي، ويجعل من الحرب التي تشهد هدنة أراها استراتيجية لبناء القدرات العسكرية؛ ستمتد إلى حين وضع حل جذري لمضيق هرمز سواء بفتحه وتأمينه بالقوة، أو سيكون لطهران حل آخر يخفف الضغط
لذا فإن النتيجة المتوقعة هي الانتقال من نموذج عنق الزجاجة الواحد إلى نموذج الشبكة متعددة المسارات، حيث تتوزع التدفقات بين البحر الأحمر، وبحر العرب، والممرات البرية عبر تركيا وشرق المتوسط.

هذا التحول يعيد رسم موازين القوة الاقتصادية في المنطقة، كما يُدخل أطرافا لم تكن منخرطة في تدفقات التجارة العالمية إلى مساحة لم تكن تتخيلها، وأعني هنا الكيان المحتل، وهناك دول مثل السعودية ومصر وتركيا مرشحة لتعزيز موقعها كدول عبور استراتيجية، وتزداد أهمية مصر بفضل موقع قناة السويس، على الأقل في المستقبل المنظور، في ظل سعي تل أبيب مع الإمارات لنقل التجارة من الخليج عبر قناة بن غورين إلى أوروبا، بينما تسعى تركيا إلى أن تتحول إلى عقدة مركزية لنقل الطاقة والتجارة نحو أوروبا، على الأقل أيضا في المستقبل المنظور، إلى حين إتمام الممر الاقتصادي الهند- أوروبا، في المقابل، تواجه دول تعتمد إلى حد بعيد على مضيق هرمز، مثل الكويت وقطر، تحديات أكبر في ظل هذه التحولات.

لكن رغم تعدد البدائل، تبقى الحقيقة الجوهرية أن هذه المسارات لا يمكنها تعويض الدور الكامل لمضيق هرمز. فالقدرة الاستيعابية المحدودة للأنابيب، والمخاطر الأمنية في الممرات البديلة، وارتفاع تكاليف النقل، كلها عوامل تجعل أي إغلاق للمضيق حدثا ذا تداعيات عالمية كبيرة. وبدلا من إلغاء نقاط الاختناق، فإن العالم يتجه نحو تعددها، ما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي، ويجعل من الحرب التي تشهد هدنة أراها استراتيجية لبناء القدرات العسكرية؛ ستمتد إلى حين وضع حل جذري لمضيق هرمز سواء بفتحه وتأمينه بالقوة، أو سيكون لطهران حل آخر يخفف الضغط، ولا يفقدها أهم أوراق ضغطها لإنهاء العدوان عليها، وإن غدا لناظره قريب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)