كلمة وزير الخارجية
الأمريكي مارك روبيو في مؤتمر ميونيخ الذي عقد بين 13 و15 من شباط/ فبراير الجاري لم
تكن مجرد خطاب أمني، بل كانت إعادة تأطير أيديولوجي للتحالف عبر الأطلسي، ومحاولة لنقل
النقاش عن الفكرة النظرية للقيم الليبرالية العالمية، التي يتبناها الغرب ويبشر بها
منذ عقود إلى نظرية الهوية الحضارية الغربية، في نقد ضمني لليبرالية المؤسسية الأوروبية،
وطرح نظرية أو رؤية أمريكية لنظرية يحاول روبيو فرضها في عهدة جديدة لترامب ومنظريها،
الذي يعد روبيو أحدهم، على الأقل إعلاميا.
في سلسلة مقالات "
العالم
في اليوم التالي لتنصيب ترامب"، حاولنا مبكرا قراءة توجهات
ترامب وإدارته في ولايته
الثانية؛ بداية من إصداره الإجراءات التنفيذية وما تضمنتها من رسائل، مرورا بتصريحاته
وخطاباته التي حملت تحطيما متعمدا للقواعد والأعراف الدولية، في سياق يتفق مع منهج
أتى به الرجل، ويحاول بكل قوة ترسيخه بمشاريع تنفيذية تتخطى تلك القواعد والأعراف،
في رسالة مفادها أن حقبة جديدة على العالم قد دُشنت بوصوله إلى سدة أكبر دولة في العالم
والقطب الأوحد بلا منازع، وهو ما أصّل لحالة ريبة،
انتقد التمسك بقيم "ليبرالية" والنظام العالمي وتقديمه على مصالح الشعوب الغربية، متطرقا إلى جدوى الأمم المتحدة والمنظومة الدولية، التي يرى أنها لا تقدم حلولا فاعلة
بل ونفور من حلفائه، ويأتي خطاب
روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن ليُؤصل للفكرة، ويعمقها على نحو يهدئ من روع الحلفاء
الذين هرعوا إلى تكتلات قد تكون مناهضة في وقت ما لواشنطن ترامب، لا سيما وأن روبيو
رسخ هذه المخاوف في كلمته بقوله: "الولايات المتحدة في عهد ترامب تريد أن تقود
إعادة بناء العالم".
أبرز ما جاء في كلمة
وزير الخارجية الأمريكي أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، ويمكن الوقوف عليه لقراءة توجهات
إدارة ترامب، التي يقودها روبيو وكوشنر فعليا، هو التركيز على تعزيز العلاقة عبر الأطلسي
بين بلاده وأوروبا، وأكد أن واشنطن لا تريد الانفصال عن
أوروبا، بل إحياء تحالف قديم
قوي، مذكرا بالحرب العالمية الثانية، ومشيرا إلى أن مصير أمريكا وأوروبا مرتبطان، ولا
يمكن فصل قضاياهما الأمنية والسياسية، لكن اللافت والأهم هو ارتباطهما، كما يرى روبيو،
تاريخيا وثقافيا ودينيا، وإن كان خطاب روبيو أقل حدة من الخطاب الذي عهدته أوروبا من
ترامب في ولايته الأولى والفترة الماضية من ولايته الثانية، إلا أنه حمل انتقادا لسياسات
الغرب، أو الليبرالية الغربية، باعتمادها سياسات اقتصادية أدت إلى تراجع التصنيع، وشجعت
الهجرة من بلدان لا تمثل الهوية أو الحضارة الغربية، وتهدد تماسك مجتمعاتها، كما انتقد
التمسك بقيم "ليبرالية" والنظام العالمي وتقديمه على مصالح الشعوب الغربية،
متطرقا إلى جدوى الأمم المتحدة والمنظومة الدولية، التي يرى أنها لا تقدم حلولا فاعلة.
كلمة روبيو حملت منهجا
ورؤية، وتحتاج الوقوف عند مفرداتها، لأن كلا منها تحمل إشارات يمكن البناء عليها في
فهم توجهات أكبر دولة في العالم تملك من أوراق الضغط ما يمكنها من تمرير ما تريده،
وتحول مواقف الدول إلى حيث ترى هي، حتى ولو خالف ذلك مصلحة تلك الدول، وهو ما لا يمكن
أن يسعه مقال واحد، فاسمح لي عزيزي القارئ أن تقسم قراءتنا لكلمة روبيو في أكثر من
مقال، لما تحمله من مكاشفة مهمة للمفاهيم التي تنطلق منها الإدارة الأمريكية، ولنكتفي
في هذا المقال بما كان من ردة فعل من القادة الأوروبيين على كلمة روبيو، وتحليل ردود
الفعل هذه.
حملت كلمة روبيو رسائل
طمأنة للأوروبيين، فاستخدم عبارات مثل "نريد من أوروبا أن تكون قوية، ونؤمن بضرورة
استمرارها" أو "لا نريد أن يكون حلفاؤنا ضعفاء؛ لأن هذا سيضعفنا"، وربط
مصير بلاده بمصير أوروبا، فقال: "نريد من أوروبا أن تكون قوية؛ لأن مصيرنا مشترك".
وعن مصير حلف
ناتو الذي كثر الحديث عنه بعد تصريحات ترامب القوية تجاهه،
حاول روبيو طوال الوقت اللعب على وتر التاريخ، من حيث الشراكة الدفاعية في الملمات، والعزف على وتر الهوية والحضارة والدين من جهة أخرى، في محاولة لاستثارة غريزة التوحد بالجماعة لدى الأوروبيين واستقطابهم قبل الهروب نحو تحالفات، قد تغير شكل العالم
قال روبيو:
"الولايات المتحدة لا تسعى إلى تقسيم ناتو، بل إلى تحفيزه"، ورأى في هذا
الحلف ضرورة للحفاظ عن الهوية والحضارة المشتركة بين أوروبا وأمريكا فقال: "يجب
أن يتمكن التحالف بين الولايات المتحدة وأوروبا من الدفاع عن حضارتنا وحماية مصالحنا
ورسم مصيرنا".
كل هذه العبارات وجدت
لها صدى لدى قادة أوروبا، حيث وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين
خطاب روبيو بأنه طمأنة مهمة في ظل التوترات السابقة بين واشنطن وبروكسل، فيما رآه وزير
الخارجية الألماني يوهان فاديفول أنه خطاب إيجابي، ويؤصل لأساسيات الشراكة عبر الأطلسي
ويجب البناء عليه، لا سيما وأنه يبني على تاريخ التعاون المشترك.
وعلى الرغم من هذه
النبرة المتفائلة، والتي يشارك فيها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ووزيرة خارجية
فنلندا إيلينا فالتونين، نظراءهما الأوربيين، إلا أن هناك انتقادا خفيفا أو عدم ارتياح
كان صداه واضحا من قبل المراقبين الأوروبيين، إذ رأوا أن الرسالة التي حملها روبيو
في خطابه، رغم طمأنتها، لا تزال تحمل انتقادات حول سياسات أوروبا ومنطلقاتها الليبرالية،
حيث رأوا أن خطاب وزير الخارجية الأمريكي الذي حمل مفاهيم تتقاطع مع المفاهيم الأوروبية،
قد تسحب القارة إلى حالة تبعية أيديولوجية، حتى مع تأكيده في الخطاب على استقلالية
أوروبا، بغض النظر عن محاولات أوروبا الانفكاك من الهيمنة الدفاعية الأمريكية، والتي
طالما ذكّرهم بها ترامب، لذلك حاول روبيو طوال الوقت اللعب على وتر التاريخ، من حيث
الشراكة الدفاعية في الملمات، والعزف على وتر الهوية والحضارة والدين من جهة أخرى،
في محاولة لاستثارة غريزة التوحد بالجماعة لدى الأوروبيين واستقطابهم قبل الهروب نحو
تحالفات، قد تغير شكل العالم.