قضايا وآراء

صوماليلاند بين صراع القوى ومفهوم الأمن القومي

ياسر عبد العزيز
"موقع الإقليم الجغرافي، لا سيما على البحر الأحمر، غاية في الأهمية، وعقدة استراتيجية، سواء عسكريا أو تجاريا"- جيتي
"موقع الإقليم الجغرافي، لا سيما على البحر الأحمر، غاية في الأهمية، وعقدة استراتيجية، سواء عسكريا أو تجاريا"- جيتي
شارك الخبر
وصل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا، عاصمة أرض الصومال في أول زيارة رسمية له منذ اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بسيادة أرض الصومال، لتأكيد ما سعى إليه ولترسيخ علاقات يبحث عنها الإقليم الانفصالي.

منذ أن أعلنت تل أبيب اعترافها بالإقليم الانفصالي أرض الصومال أو "صوماليلاند"، والذي تم عبر اتصال مصور (فيديو كونفرانس) بين رئيس الكيان الباحث عن اعتراف وبين رئيس الكيان المزروع بفعل الاحتلال، بدأت الأنظار تلتفت جنوبا باتجاه الصومال المنسية، التي مزقتها الحروب الأهلية وموجات الجفاف وحقب المجاعات.

أرض الصومال أعلنت استقلالها عن بريطانيا عام 1960 ونالت اعترافا من ما يزيد على الثلاثين دولة في حينها، ومع حلم وحدة الأراضي الصومالية تراجعت فكرة الاستقلال، لكن مع الحرب الأهلية وما جرّته على الدولة الفيدرالية، عادت أرض الصومال إلى فكرة الاستقلال، ما دفع سياسييها في عام 1990 إلى إعلان الاستقلال، لكنهم هذه المرة لم يجدوا من يعترف بهم ولا بدولتهم المأمولة.

تبلغ مساحة أراضي إقليم أرض الصومال 176,120 كيلومترا مربعا، ويبلغ عدد سكانها حوالي 6.2 مليون نسمة، بحسب آخر إحصائية أجريت عام 2024، لكن ما يميزه هو موقعه الجغرافي، حيث يقع في منطقة القرن الأفريقي على شاطئ خليج عدن شمالي الصومال، تحده إثيوبيا من الغرب وجيبوتي من الشمال الغربي وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن، ما يجعل موقع الإقليم الجغرافي، لا سيما على البحر الأحمر، غاية في الأهمية، وعقدة استراتيجية، سواء عسكريا أو تجاريا.

عرف الفراعنة أهمية هذه الأراضي، وأقاموا علاقات تجارية معها، ومع ظهور الإسلام، في عصر الفتوحات، لم يغفل المسلمون عن أهميتها، سواء عسكريا أو تجاريا، وظلت أراضي الصومال تحظى بهذه الأهمية المدفوعة من موقعها الاستراتيجي على مدار حكم المسلمين، مع تغير الدول والحكام وصولا للدولة العثمانية، التي كانت جزئيا غير مركزية، وتركز على السواحل والموانئ الاستراتيجية، من خلال ولاة لهم ولاء للخليفة في إسطنبول، وارتبط  بذلك أساس الصراع العثماني- البرتغالي في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

في نهاية القرن التاسع عشر، قامت الدول الاستعمارية بتجزئة أفريقيا إلى مستعمرات؛ انقسمت القومية الصومالية المتمركزة في القرن الأفريقي إلى خمسة أجزاء، كان إقليم أرض الصومال من نصيب بريطانيا في حينها، متمسكة بأرض تحمي طريق قوافلها التجارية والعسكرية لأهم مستعمرة لها في الهند، وعندما زال السبب، ومع ضعف المركز، باتت بريطانيا مجبرة على تخفيف الأحمال بعد الحرب العالمية الثانية ونتائجها.

هذا الفهم العميق لأهمية هذه البقعة الجغرافية لم يدركه ترامب، رغم وجود قاعدة أمريكية في الصومال، فأطلق تصريحا مستعجلا على سؤال مباغت، عندما وضع أهمية قضايا أخرى كأولوية لإدارته في الشرق الأوسط، على أهمية اعتراف تل أبيب بدولة جديدة تضع لها موطئ قدم ثان على ممر بحري مهم للتجار والطاقة في العالم. ولعله عندما يعود إلى مستشاريه سيعي هذا السبق الذي قامت به الصين، عدوه القادم، في هذا الإقليم الذي قال عنه: "هل هناك من يعرف إقليم أرض الصومال حقا؟".

فعلى العكس من ترامب، ترى الصين في إقليم أرض الصومال إحدى المحطات المهمة في مشروع الصين العظيم الذي أُطلق عام 2013 ويحمل اسم "الحزام والطريق"، وهو المشروع الذي سيغير شكل توزيع النفوذ في الممرات المائية في العالم، ومن ثم في غرب آسيا وشرق أفريقيا، وصولا للسوق الأوروبية، وهو ما فطنت له عدد من الدول؛ منها تركيا التي استعادت الإرث الاستراتيجي العثماني، وبادرت قبل غيرها بمد يد العون للصومال من خلال الدبلوماسية الإنسانية أولا، تدرجا إلى تدريب وتأهيل الحكومة الجديدة التي استطاعت فرض الاستقرار في الصومال، وصولا إلى تثبيت قدمها العسكرية في قاعدة تركسوم جنوب العاصمة مقديشو.

هذه الخطوات المتسارعة سواء من تل أبيب، ومن قبلها تركيا والإمارات يفتح الباب أمام فهم صراع القوى على مسار التجارة العالمية بين الشرق والجنوب من جهة الشمال، والغرب من جهة أخرى في العالم، وهو ما قد أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن فيما عرف بـ"الممر الاقتصادي"، وهو الممر الذي يربط الخليج العربي والهند بتل أبيب وصولا إلى البحر المتوسط عبر قناة بن غوريون الذي يحلم الكيان الإسرائيلي بإنشائها كبديل لقناة السويس.

وهنا يأتي الحديث عن الأمن القومي ومفاهيمه، التي يبدو أنها تغيرت مع تغير المصالح والفهم لواقع الصراع وتحديد الأهداف والمصير المشترك، إذ لم يعد بمقدور الناظر إلى الواقع الجيواستراتيجي للأمة العربية أن يقرأ القرارات الاستراتيجية للأنظمة العربية إلا من خلال نظرة مصلحية ضيقة لهذه الأنظمة، مقابل الأمن القومي العربي، فيما لو بقي هذا المصطلح حيا في أذهان هذه الأنظمة. إذ إن أهمية الدول العربية قاطبة تكمن في سيطرتها على الممرات البرية والبحرية الرابطة لطرق التجارة، وبالتالي طرق الإمداد والتموين، التي يعد الوسيلة الرئيسية التي تحافظ على القدرة القتالية، ومن ثمن أمن الجيوش واتصالها بالمركز، وهو ما يعني بالنتيجة، نجاح مهامها في حماية المصالح الخارجية لهذه الدولة.

ولما كان الأمن الاستراتيجي العربي في تعريفه هو قدرة الدول العربية مجتمعة على حماية أراضيها، ومواردها، وممراتها الحيوية، ومن ثم هويتها السياسية من التهديدات الداخلية والخارجية، فإن فكرة الأمن الجمعي العربي قد تحولت عن هذا التعريف والمفهوم، إلى مفهوم الأمن القُطري الذي يضيّق واسعا، في نظرة تتجاوز خريطة الممرات البحرية الاستراتيجية التي وهبها الله لهذه الأمة.

تشمل هذه الخريطة خمس عُقَد حاكمة، أولها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20–30 في المئة من نفط العالم، والذي يعني إغلاقه أزمة طاقة عالمية، ثم باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، والذي يعني أمن مصر والخليج، وثالث هذه العقد الحاكمة هي قناة السويس، التي تعد شريان التجارة العالمية وركيزة الأمن القومي المصري والعربي، ورابع هذه العقد الحاكمة هي مضيق جبل طارق، بوابة البحر المتوسط إلى الأطلسي ورابط الجنوب الأوروبي بشمال ووسط إفريقيا الغنية بالخيرات، وأخيرا القرن الأفريقي، المتمثلة في الصومال التي تعد خاصرة الأمن العربي الجنوبية.

وفي الوقت الذي يتحدث فيها العالم عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، ما يعني إعادة رسم خريطة الأمة العربية والإسلامية، وهو ما يمكن قراءته في الصراعات التي باتت تندلع من وقت لآخر بين الهند وباكستان، وأفغانستان وباكستان، تأتي أزمة صوماليلاند لتظهر ليس فقط حالة الصراع القوى الإقليمية والدولية، بل وتظهر قراءة جديدة لمفهوم الأمن القومي..

يحكى أن ثلاثة ثيران (أبيض، وأحمر، وأسود) كانت تعيش متعاونة، فتمكن الأسد من التفريق بينها، فبدأ بأكل الثور الأبيض بعد أن أوهم الآخرَين أن ذلك في مصلحتهما، وبعد أن التهمهم واحدا تلو الآخر، قال الثور الأسود عبارته الشهيرة نادما: "أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض".
التعليقات (0)

خبر عاجل