في الجزء الأول من مقال "
قراءة في كلمة روبيو أمام مؤتمر ميونيخ وأبعادها"
تحدثنا عن الرسالة التي أراد روبيو أن يوصلها إلى القادة الأوروبيين المجتمعين من أجل
أمنهم في ميونيخ، وركوبه صهوة جواد الحضارة والدين من أجل إعادة تجميع
أوروبا التي
بدأ زمام أمرها يفلت من بين أيادي صانع القرار ومتخذه في واشنطن، مع ذلك انتقد روبيو
الغرب لاعتماده سياسات اقتصادية أدت إلى تراجع التصنيع، وشجعت الهجرة من بلدان لا تمثل
الهوية أو الحضارة الغربية، وهو ما يهدد تماسك مجتمعاتها. لقد حملت كلمة روبيو مكاشفة
مهمة للمفاهيم التي تنطلق منها الإدارة الأمريكية، والتي تريد بها أن تعيد تشكيل الجبهة
الغربية على خلفية أيديولوجية.
في أمريكا كان لصعود الإنجيليين الجدد انعكاس واضح على سياسيات الإدارات الأمريكية
خلال السنوات العشرين الماضية، وكان أبرزهم الرئيس جورج بوش الأب، إذ ارتبط بخطاب ديني،
منطلقا من خلفيته الإنجيلية، فكان خطابه قبيل غزو العراق يحمل صبغة دينية، حتى إنه
وصف الحرب بأنها إحدى جولات الحرب الصليبية، وعلى نهجه الآن ترامب الذي لم يعرف بتدينه،
لكنه اعتمد سياسيا على القاعدة الإنجيلية المحافظة، ولقي قبولا منها بدعمه المطلق للاحتلال
الإسرائيلي، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017 ونقل السفارة إليها، ما وافق
الإنجيليين من منظور عقائدي.
أغلب الدول الأوروبية الحديثة تقوم على مبدأ العلمانية أو الفصل بين الدين والدولة،
لكن بدرجات مختلفة، ففي فرنسا هناك نموذج صارم يسمى اللائكية، يحد بقوة من حضور الدين
في المجال العام، وفي بريطانيا الكنيسة الإنجليكانية كنيسة رسمية للدولة، ومع ذلك النظام
السياسي علماني عمليا في ألمانيا، ويوجد تعاون بين الدولة والمؤسسات الدينية، مع ذلك،
لا يمكن الحديث عن أن الدولة دينية في ألمانيا، فأوروبا بعد الحربين العالمية الثانية
تحديدا اتجهت نحو الدولة المدنية الليبرالية، ومن ثم فإن الدين أصبح مسألة شخصية أكثر
منه مشروعا سياسيا تتبناه الدولة، مع ذلك، فإن السنوات العشر الأخيرة شهدت صعودا مضطردا
لليمين المحافظ، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا.
يمكن قراءة الظاهرة في إطار أسباب عدة منها موجات الهجرة الكبيرة التي شهدتها
أوروبا في الأعوام الثلاثين الماضية، وكانت ذروتها بعد الحرب في سوريا، التي دفعت بملايين
السوريين إلى أوروبا، وهو ما أدى إلى رد فعل عكسي، أحدث مخاوف أهلها على هوية القارة
المسيحية، بعد لجوء الملايين الذين يمكن أن يغيروا التركيبة الديمغرافية للقارة، فظهرت
الأحزاب اليمينية مستفيدة من هذه المخاوف، وتزامن مع ذلك أزمة اقتصادية، أحدثتها الهجرة
وفاقمتها أزمة وباء كورونا، وعلى الرغم من أن بعض المراقبين لا يرون في ذلك صعودا للدين،
إلا أن الواقع يشي بغير ذلك.
التاريخ يؤكد أن الصعود الحالي للأحزاب اليمينة، بل والمسيحية، في أوروبا، يرجع
إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ بدأت تظهر هذه الأحزاب من رحم سؤال: كيف نمنع
عودة الفاشية؟ وكيف نواجه الشيوعية السوفييتية؟ وذلك بعد خروج أوروبا مدمرة أخلاقيا
وسياسيا، قبل دمار عماراتها، هنا ظهرت أحزاب الديمقراطية المسيحية، مثلا الاتحاد الديمقراطي
المسيحي في ألمانيا، تيارات مسيحية سياسية في إيطاليا، ولاحقا مظلة أوسع مثل حزب الشعب
الأوروبي. وعلى الرغم من أن هذه الأحزاب لم تكن تريد دولة دينية، إلا أن منطلقاتها
في الحفاظ على الأسرة والعدالة الاجتماعية جعلتها مرجعية أخلاقية، تغازل هذه المخاوف
الشعبية وتجذبها.
مع الهجرات المتتالية منذ 2015 بعد الأزمة السورية خصوصا في ألمانيا، أثير نقاشا
حول الهوية الثقافية للبلاد وبالتالي للقارة، وتعاظم دور الجمعيات الإسلامية في أوروبا
ونشاطها الواسع، والقبول الذي لاقته أنشطتها في المجتمعات التي تعمل فيها. صارت قضية
الهوية محل اهتمام نخبوي تحول عبر الإعلام إلى اهتمام شعبي، فلم يكن التحول الديني
المتصاعد في أوروبا تحولا إيمانيا بقدر ما هو محاولة لتحسس الهوية التي مسختها العلمانية،
فبدأ يتحول الخطاب من قيم إنسانية أو مجتمعية إلى البحث عن "جذور مسيحية"،
وهو ما أحدث صداما بين مجتمعات ذات توجه محافظ، وغالبا ما كانت مجتمعات دول شرق أوروبا،
وبين مؤسسات الاتحاد الأوروبي المتبنية لليبرالية العلمانية، ما جعل تلك الحكومات تنحاز
للخيار الشعبي، فاستخدمت المسيحية لإثبات السيادة الوطنية.
من هذا المنطلق يمكن فهم المفردات التي وردت في خطاب روبيو أمام قادة الغرب
في مؤتمر ميونيخ، مثل أن الولايات المتحدة وأوروبا تنتميان إلى بعضهما البعض، وأنه
فخور بإرث بلاده والأوربيين المشترك، هذا المنطق الذي يمكن من خلاله فهم دوافعه في
القول بأن التحالف بين بلاده وأوروبا مهم من أجل الدفاع عن حضارتهما، ومن ثم يرى أنه
ينبغي أن تكون أوروبا قوية؛ لأن مصير بلاده والقارة العجوز مصير مشترك، ثم يضع في خطابه
خريطة أولويات فيقول: "الولايات المتحدة والصين أكبر اقتصادين وقوتين في العالم،
ومن الخطأ ألا نتحدث مع الصينيين"، وهو فيما يبدو تأجيل لصراع، لأولوية يمكن فهمها
من خلال دعم واضح للاحتلال في الشرق الأوسط، يصاحبه تحركات عسكرية أمريكية لنفس المنطقة،
مع إخضاع شبه كامل للقرار فيها من أجل تمكين هذه الحضارة التي يبشر بعودتها روبيو في
كلمته أمام القادة الغربيين.