لم أشأ
أن يكون عنوان المقال غريبا، ولكني أردت أن أميزه عما كتب خلال الأسبوع الماضي وصفا
أو تحليلا لما يحدث في
إيران من مظاهرات ومصير النظام الإيراني الذي يقبع على قمته
المرشد الأعلى الذي يتخذ من مقره في وسط طهران، والذي يطلق عليه بالفارسية "بيت
رهبري" أو "بيت القيادة" بالعربية، في ظل الحالة التي يعيشها العالم،
ولا سيما وأن مصير الرئيس الفنزويلي قفز إلى مخيلة البعض عند تخمين مصير النظام في
ظل تصاعد
الاحتجاجات.
هناك من
يعول على التظاهرات التي خرجت خلال الأسبوعين الماضيين ضد النظام في طهران، ويرى فيها
نهاية النظام وخلاصا لإيران والمنطقة وإسرائيل ممن يرونه كابوسا حل على المنطقة باندلاع
الثورة الإيرانية في 1979، لا سيما وأن المنطقة خبرت من هذا النظام عدوانية وأطماعا
توسعية بدأتها بعد عام من سيطرته على السلطة بحربه مع العراق، ثم توحشه وانتهازه الفرصة
في ظل حالة السيولة التي عاشتها المنطقة بمد أذرع له في عدد من العواصم العربية، وأثخن
في الدم العربي، وحتى تبجح النائب في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، رضا زاكاني، وقال
إن بلاده باتت تحكم أربع عواصم عربية.
ربما تكون الظروف التي تمر بها إيران هي ما جعلت هذا الفريق -الذي يعول على التظاهرات لإسقاط النظام- يأمل أن تكون هذه التظاهرات نهاية النظام الإيراني.
ربما تكون
الظروف التي تمر بها إيران هي ما جعلت هذا الفريق -الذي يعول على التظاهرات لإسقاط
النظام- يأمل أن تكون هذه التظاهرات نهاية النظام الإيراني. فالحالة الاقتصادية المتردية
والضربة الإسرائيلية- الأمريكية الأخيرة، وإن كانت إيران قد ردت عليها لإثبات الذات،
وتراجع نفوذ إيران في المنطقة بعد غل يد أذرعها في لبنان وسوريا، وحالة الرعب التي
تعيشها مليشياتها في العراق، كل ذلك جعل إيران تأخذ خطوة للخلف، يضاف إلى ذلك كله رغبة
نتنياهو الملحة على ترامب لإسقاط نظام طهران، وعدم ممانعة الأخير في ما تريده إسرائيل،
خدمة لمشروع شرق أوسط، وربما شرق أدنى تقوده تل أبيب، في مقابل رغبة إقليمية من التخلص
من نظام مزعج للمنطقة.
مرت على
النظام الإيراني منذ سيطرته على السلطة عدة احتجاجات، بدأت في عام 1981 احتجاجا على
قرار المرشد الأعلى في حينها، الخميني، بإزالة كل ما له صلة بالفكر الليبرالي في مناهج
التعليم، وما صاحبه من إقالة أساتذة جامعات واحتكاكات بالطلاب الرافضين للقرار، وعزل
على إثرها الرئيس أبو الحسن بني صدر، بقرار من المرشد الأعلى الذي قمع التظاهرات. هدأت
الأمور حتى 1999 لتخرج احتجاجات طلابية على القمع السياسي وسجن الناشطين، وواجهتها
قوات الأمن بقوة كبيرة، وبعد عشر سنوات خرجت احتجاجات ضخمة في الصيف تطالب بالعدالة
والحرية السياسية، رفضا لنتائج الانتخابات الرئاسية والعملية الانتخابية ذاتها، لكنها
قُمعَت بعنف كبير. وفي 2017 خرجت احتجاجات اقتصادية استمرت عاما كاملا، بسبب ارتفاع
أسعار السلع الأساسية والسياسات الاقتصادية، لكنها قمعت وانتهت بلا أثر، لتعود مجددا
فيما عرفت بثورة البنزين بعد رفع النظام أسعاره، لكنها أيضا جوبهت بالقمع وانتهت. وفي
2023 خرجت احتجاجات على إثر وفاة شابة على يد شرطة الأخلاق لعدم ارتدائها الحجاب، لكنها
قُمعت أيضا وانتهت.
يبلغ عدد
سكان إيران 92 مليون نسمة يتركز معظمهم في الشمال والشمال الغربي، وتشمل هذه المناطق
المدن الكبرى (طهران، مشهد، أصفهان، تبريز، شيراز). التقديرات الحديثة تشير إلى أن
الإيرانيين نسيج من خيوط عدة، أغلبها العرقية الفارسية بنسبة تتراوح بين 55 و60 في
المئة، بينما الأذريون ما بين 14 و25 في المئة، ثم تأتي العرقية الكردية بحوالي 9
في المئة، أما العرب والبلوش التركمان وباقي العرقيات الصغيرة، فيمثلون في المجمل ما
يتراوح بين 1 و5 في المئة من إجمالي السكان،
لكن ما يجمعهم هو أن غالبية هذه المكونات بما يقارب الـ95 في المئة منهم هم شيعة اثنا عشرية، ولاؤهم للمرشد
الأعلى وللمذهب، فتتلاشى العرقية على الأغلب أمام المذهب، وإن كانت هناك دراسات
"غربية" تخالف هذه الصورة النمطية لما هو معروف عن الشعب الإيراني.
بعض الدراسات
الاستقصائية -غير رسمية ومن ضمنها استطلاعات عبر الإنترنت- تشير إلى ارتفاع نسب من
يُعرّفون أنفسهم بغير المتدينين، أو اللا أدريين أو حتى ملحدين، وتزيد هذه النسبة لدى
الشباب، مع ذلك فإن استمرار الدعم للنظام الحالي والمرشد في الأطراف كبير، وهو ما يفسر
إفلات النظام الذي أتت به ثورة الخميني من كل الإضرابات والتظاهرات والاحتجاجات خلال
السنوات الأربعين الماضية، كما أن تماسك المنظومة الأمنية والاستخباراتية والجيش حتى
اللحظة يجعل إسقاط النظام الإيراني حتى الآن صعبا، لا سيما مع وجود الحرس الثوري الذي
يدين بالولاء للمرشد مباشرة، وهو القوة الأكبر بين كل الأجهزة الأمنية والعسكرية في
البلاد.
الحديث عن إسقاط النظام الإيراني لا يصب في صالح لا هندسة المنطقة، على الأقل في الوقت الحاضر، إذ إن وجود النظام الإيراني لا يخدم أمريكا فقط، بل يخدم سياسات ترتيب الأوضاع في المنطقة، حتى لمن يشتكون من سياسات طهران أنفسهم
يوم الجمعة
الماضي، ألقى المرشد الأعلى آية الله علي
خامنئي، خطابا مليئا بالتحدي، زاعما أن المتظاهرين
كانوا "مجموعة من المخربين" يحاولون إرضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،
الذي يدغدغ مشاعرهم، ويقويهم بتصريحات من قبيل أنه سيتدخل لحمايتهم في حال استخدم النظام
القوة معهم. وإن كانت هذه التصريحات تشد عضض المتظاهرين، إلا أن هناك مصالح إيرانية
مع الغرب الذي ما زال يعتمد على نفطها، رغم محاولات أمريكا إمداد أوروبا بالغاز الأمريكي
المسال أو من خلال أذربيجان لحرق هذه الورقة، حتى مع تراجع إمدادات النفط الروسي على
خلفية الحرب الأوكرانية، إلا أن الأهم هو حاجة أمريكا والغرب لإيران كورقة ابتزاز للمنطقة
ما يجعل إسقاط النظام الإيراني يتراجع، وهو ما تمكن قراءته من خلال تصريحات الدولة
العميقة على لسان ترامب نفسه، حين صرّح في أكثر من مناسبة بأنه لا يريد إسقاط النظام
الإيراني لجهة تغيير النظام نفسه، لأن ذلك من وجهة نظره قد يؤدي إلى "فوضى"
داخل إيران، وقال إن سياسته تركز على كبح البرنامج النووي الإيراني وتغيير سلوك طهران
عوضا عن الإطاحة بالقيادة.
بالنتيجة،
فإن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني لا يصب في صالح لا هندسة المنطقة، على الأقل في
الوقت الحاضر، إذ إن وجود النظام الإيراني لا يخدم أمريكا فقط، بل يخدم سياسات ترتيب
الأوضاع في المنطقة، حتى لمن يشتكون من سياسات طهران أنفسهم.
مع
ذلك، وفي ظل إدارة ترامب للبيت الأبيض، وفي ظل عملية فنزويلا التي يمكن أن تغره
نتائجها في أن يكررها، فإن "بيت القيادة" أو "بيت رهبري" في
إيران يمر بفترة تجعله على مفترق طرق يمكن في أي وقت أن تصدمه "الوحش"
(سيارة ترامب الرئاسية).