لم يكن إدراج
إلغاء قانون
قيصر ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2026 إجراء
تقنيا عابرا، بل عكس تحوّلا سياسيا-اقتصاديا عميقا في مقاربة الولايات المتحدة
لسوريا، وفي فهمها الأوسع لكيفية إدارة الاستقرار في الشرق الأوسط. فبعيدا عن
المسار الدستوري الذي لم يُستكمل بعد، تشير المؤشرات السياسية وتوازنات المصالح
داخل واشنطن إلى أن مرحلة "
العقوبات بوصفها أداة مركزية" تقترب من
نهايتها، وأن
سوريا تدخل، بحذر، مرحلة إعادة التقييم والانخراط المشروط.
هذا
التحوّل لا ينفصل عن الاستراتيجية الأمريكية الأشمل، التي باتت تميل إلى تقليص
إدارة الأزمات المزمنة، والانتقال نحو بناء مساحات استقرار
اقتصادي قادرة على
تقليل الفوضى، واحتواء النفوذ المنافس، ومنع تحوّل الفراغات الاقتصادية إلى
تهديدات أمنية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، تعود سوريا لتظهر بوصفها عقدة
جيوسياسية-اقتصادية لا يمكن تجاهلها في معادلة المشرق.
الولايات المتحدة تسعى إلى استقرار يمنع عودة الفوضى، وسوريا تحتاج نموا اقتصاديا يعيد بناء الدولة والمجتمع. هذه التقاطعات لا تلغي الخلافات، لكنها تفتح نافذة واقعية للتعاون المشروط
من منطق
العقوبات إلى اختبار الجدوى الاقتصادية
أظهرت
سنوات تطبيق قانون قيصر أن العقوبات القصوى، رغم قسوتها، لم تُنتج التحولات
السياسية المرجوة، بل أسهمت عمليا في إعادة تشكيل الاقتصاد السوري على نحو أكثر
هشاشة. فقد توسّع اقتصاد الظل، وتراجعت قدرة المؤسسات الرسمية، وتشوهت آليات
السوق، وبرزت شبكات الاحتكار والتهريب بوصفها البديل القسري للاقتصاد المنظّم.
في
المقابل، بدأت واشنطن تدرك أن الاستقرار لا يُصنع بالعزل المفتوح، وأن النفوذ
المستدام لا يُبنى فقط عبر الضغط، بل عبر خلق حوافز اقتصادية مشروطة بالإصلاح. ومن
هنا، فإن مرحلة ما بعد قيصر لا تمثل مكافأة سياسية بقدر ما تمثل انتقالا إلى
اختبار جديد: هل يمكن تحويل سوريا من عبء اقتصادي وأمني إلى مساحة إنتاج واستقرار
نسبي؟
الاقتصاد
السوري: من التعافي إلى إعادة التأسيس
الاقتصاد
السوري اليوم لا يقف عند حدود التعافي التقليدي، بل أمام لحظة إعادة تأسيس بنيوي.
فالتجارب التاريخية للدول التي تحولت إلى قوى اقتصادية مؤثرة لم تُبنَ على الموارد
وحدها، بل على مؤسسات قادرة، وحوكمة فعالة، واقتصاد إنتاجي مندمج في الأسواق
العالمية.
وهنا تكمن
المفارقة السورية: فعلى عكس الاقتصادات الريعية، تمتلك سوريا بنية اقتصاد متنوع،
يقوم على الزراعة، والصناعة، والتجارة، ويستند إلى موقع جغرافي مفصلي يربط شرق
المتوسط بعمقه الآسيوي. هذا الموقع، إذا ما أُدير ضمن رؤية حديثة، يمكن أن يحوّل
البلاد إلى عقدة لوجستية وتجارية إقليمية، بدل أن تبقى هامشا معاقَبا في النظام
الدولي.
القطاعات
القادرة على قيادة التحول
يمثل قطاع
الطاقة نقطة الانطلاق لأي مسار اقتصادي جدي. فإعادة تأهيل البنية التحتية
الكهربائية، وتطوير حقول الغاز والنفط، والاستثمار في الطاقات المتجددة، لا تعني
فقط تحسين الخدمات، بل خلق قاعدة صناعية قادرة على العمل والتصدير. إلى جانب ذلك،
تملك سوريا قاعدة صناعية قابلة لإعادة التشغيل، من الصناعات التحويلية إلى
الصناعات الثقيلة، فضلا عن إمكانات زراعية تؤمّن الأمن الغذائي وتفتح أسواق
التصدير.
أما
الموقع الجغرافي، بحدوده البرية والبحرية، فيمنح البلاد فرصة التحول إلى مركز عبور
إقليمي، في لحظة تعيد فيها القوى الكبرى رسم سلاسل الإمداد العالمية وتقليل
الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية.
اقتصاد
الظل: من نتيجة للعقوبات إلى تحدٍّ قابل للمعالجة
إلغاء قانون قيصر، متى اكتمل، لن يكون نهاية المسار، بل بدايته. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة سوريا الجديدة على التحول إلى دولة مؤسسات، واقتصاد منتج، وشريك اقتصادي قابل للاندماج في النظام الدولي
أحد أخطر
إرث العقوبات كان تضخم الاقتصاد غير المنظم، بما يحمله من تشويه للمنافسة،
واستنزاف للموارد العامة، وتعميق للفجوة الاجتماعية. غير أن الانتقال إلى مرحلة
جديدة يفتح الباب أمام معالجته تدريجيا عبر تشريعات مرنة، وأنظمة رقابة حديثة،
وإعادة دمج النشاط الاقتصادي غير الرسمي ضمن الدورة القانونية، بما يعيد بناء
الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.
الاستثمار
الدولي: من المخاطرة إلى الشراكة المشروطة
فتح السوق
السورية أمام الاستثمارات الكبرى لا يعني التفريط بالسيادة الاقتصادية، بل بناء
شراكات طويلة الأمد في الإعمار، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا. فالمؤسسات
المالية الدولية تمتلك الأدوات والخبرة لدعم هذا التحول، شرط توفر بيئة قانونية
شفافة ومؤسسات قادرة على الإدارة الرشيدة.
وهنا
تتقاطع المصالح: الولايات المتحدة تسعى إلى استقرار يمنع عودة الفوضى، وسوريا
تحتاج نموا اقتصاديا يعيد بناء الدولة والمجتمع. هذه التقاطعات لا تلغي الخلافات،
لكنها تفتح نافذة واقعية للتعاون المشروط.
لحظة
اختبار لا لحظة احتفال
إن إلغاء
قانون قيصر، متى اكتمل، لن يكون نهاية المسار، بل بدايته. فالمرحلة المقبلة ستختبر
قدرة سوريا الجديدة على التحول إلى دولة مؤسسات، واقتصاد منتج، وشريك اقتصادي قابل
للاندماج في النظام الدولي.
إنها لحظة
تأسيس حقيقية، لا لحظة احتفال. وفي السياسة كما في الاقتصاد، الفرص لا تتكرر، ومن
لا يُحسن إدارتها يدفع ثمن ضياعها طويلا.