مقدمة
لم تكن
الأحداث التي شهدها الساحل السوري مجرد دور تظاهرات مطلبية خرجت عن السيطرة، ولا
يمكن مقاربتها بمنطق أمني أو إنساني معزول. فالسياق الذي رافق هذه التحركات، وسرعة
انتقالها من الشارع إلى القنوات الخارجية، والخطاب الصادر عن الجهات التي تصدرت
المشهد، تؤكد أننا أمام حدث سياسي مدار، استخدم فيه
الاحتجاج كغطاء، بينما كان
الهدف الفعلي هو نقل الصدام من الإطار الوطني إلى المستوى الإقليمي والدولي.
هذه
القراءة لا تنطلق من موقف سياسي مسبق، ولا تسعى إلى نفي الحق في الاحتجاج، بل
تستند إلى تحليل وقائع وخطابات معلنة، بعضها صادر عن الجهات نفسها التي قادت
التصعيد، وتكشف وظيفة ما جرى وحدوده السياسية الحقيقية.
أولا: من
حق الاحتجاج إلى إدارة الصدام
هذا النموذج لا يحمي المكونات ولا يصون حقوقها، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع الدولة، ويعيد إنتاج منطق تسييس الهوية الذي استخدم سابقا، وكانت نتائجه كارثية على وحدة المجتمع والدولة معا
في الدول
التي تمر بمرحلة انتقالية، يعد الاحتجاج السلمي حقا مشروعا، كما يعد ضبطه ضمن
الأطر القانونية شرطا أساسيا لحماية السلم الأهلي ومنع الانزلاق إلى الفوضى. غير
أن ما يميز حالة الساحل السوري هو الانتقال السريع والمنهجي من التعبير الداخلي
إلى التحرك الخارجي، دون المرور بأي مسار مؤسسي وطني أو قانوني.
البيان
الصادر عن المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في
سوريا والمهجر يشكل هنا وثيقة تحليلية
مركزية، إذ يقر بوضوح أن المجلس قام، منذ الساعات الأولى للتظاهرات، بالتواصل مع
جهات دولية ومنظمات حقوقية وإنسانية. هذا
الاعتراف العلني ينقل الحدث من خانة "الاحتجاج" إلى خانة الإدارة
السياسية للأزمة، ويؤكد أن خيار
التدويل لم يكن نتيجة لاحقة، بل مسارا مسبقا جرى
تفعيله منذ اللحظة الأولى.
ثانيا:
التدويل كخيار سياسي لا كضرورة إنسانية
الفارق
الجوهري في التحليل السياسي يكمن بين: توثيق الانتهاكات بعد وقوعها ضمن مسار وطني،
وبين تفعيل القنوات الدولية فورا بوصفها أداة ضغط سياسي.
اللغة
المستخدمة في الخطاب الصادر عن الجهات المنخرطة في التصعيد لم تكن لغة مطالبة
بمساءلة وطنية أو تحقيق داخلي، بل لغة نزاع مهيأة للتدويل: "انتهاكات جسيمة"،
"مسؤوليات قانونية وأخلاقية دولية"، "الحق في الحياة والكرامة".
هذه
المفردات تستخدم عادة في سياقات نقل الصراع إلى الخارج، لا في سياقات إدارة أزمة
داخلية ضمن دولة في طور إعادة بناء سلطتها. وهو ما يؤكد أن الهدف لم يكن الاحتواء
أو المعالجة، بل بناء ملف ضغط سياسي خارجي.
ثالثا:
مصادرة التمثيل وتسييس الهوية
أحد أخطر
أبعاد هذا المسار يتمثل في ادعاء تمثيل مكون اجتماعي كامل، وتحويله من جزء من
الدولة والمجتمع إلى طرف تفاوضي في مواجهتها. شخصيات
دينية بعينها لم تقدم نفسها كأصوات نقدية ضمن المجال العام، بل كـ"مرجعيات"
تتحدث باسم الطائفة، وتمنح نفسها تفويضا سياسيا لا يستند إلى أي أساس دستوري أو
انتخابي.
هذا
النموذج لا يحمي المكونات ولا يصون حقوقها، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع الدولة،
ويعيد إنتاج منطق تسييس الهوية الذي استخدم سابقا، وكانت نتائجه كارثية على وحدة
المجتمع والدولة معا.
رابعا:
صناعة قضايا رمزية قابلة للتسويق الخارجي
التركيز
المكثف على حالات اعتقال محددة، وتقديمها بوصفها جوهر الحدث، يندرج ضمن نمط معروف
في إدارة الصراعات السياسية، يقوم على: اختزال مشهد معقد في "قضية رمزية"،
تكثيف الخطاب الحقوقي حولها، وتجهيزها للتداول في المحافل الدولية.
هذا
الأسلوب لا يهدف إلى تحقيق العدالة بقدر ما يهدف إلى تحويل الصدام إلى ورقة تفاوض
وضغط خارجي، بمعزل عن السياق الكامل للأحداث، وعن مسؤولية الجهات التي دفعت باتجاه
التصعيد بدل الاحتواء.
خامسا:
الدولة بين الاختبار المشروع والابتزاز السياسي
تواجه
الدولة السورية الجديدة تحديا مركزيا يتمثل في الفصل الواضح بين: الاختبار المشروع
الذي تخضع له أي سلطة انتقالية، وبين محاولات
الابتزاز السياسي عبر الشارع
والتدويل.
الدولة
التي تسمح بتجاوز مؤسساتها، أو تقبل بتحويل أي اضطراب داخلي إلى ملف خارجي، تفقد
تدريجيا قدرتها على فرض السيادة. أما الدولة التي تضبط الأمن وفق القانون، وتفتح
مسارات مساءلة وطنية شفافة، وترفض نقل أزماتها إلى الخارج، فهي دولة تؤسس لشرعيتها
ولا تهددها.
الخط
الأحمر السيادي
ما تواجهه سوريا اليوم ليس مجرد اضطراب عابر، بل اختبار سيادي حقيقي: إما ترسيخ منطق الدولة الواحدة الجامعة، أو فتح الباب لمسارات لا تخدم إلا الفوضى
إن
الاحتجاج السلمي حق، لكن تحويل الشارع إلى أداة تدويل يمثل تجاوزا خطيرا لا يمكن
القبول به في أي دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها.
كما أن
مصادرة تمثيل المكونات، وبناء أطر موازية للدولة، واستدعاء الخارج بوصفه حَكَما أو
وصيّا، هي مسارات تضعف الدولة وتقوض السلم الأهلي، ولا يمكن التعامل معها كخلافات
سياسية عادية. هذا هو الحد الفاصل بين النقد المشروع والفعل التفكيكي.
خلاصة
استراتيجية
ما جرى في
الساحل السوري لم يكن حدثا أمنيا معزولا ولا حراكا حقوقيا صرفا، بل محاولة واعية
لاستخدام الصدام كأداة سياسية خارجية. والأخطر في هذه المحاولة أنها استندت إلى
خطاب ديني-طائفي مسيّس، وسعت إلى بناء أطر موازية للدولة، بدل الانخراط في مشروعها
الوطني الجامع.
إن حماية
السلم الأهلي لا تتحقق بتدويل الأزمات، ولا بمصادرة تمثيل المكوّنات، بل بتثبيت
منطق الدولة، حيث: الحقوق تصان بالقانون، الخلافات تدار داخليا، والسيادة تمارَس
ولا تستجدى.
في لحظات
التحول الكبرى، لا تقاس قوة الدول بغياب الأزمات، بل بقدرتها على منع تحويل
الأزمات إلى أدوات تفكيك. وما
تواجهه سوريا اليوم ليس مجرد اضطراب عابر، بل اختبار سيادي حقيقي: إما ترسيخ منطق
الدولة الواحدة الجامعة، أو فتح الباب لمسارات لا تخدم إلا الفوضى.