نتنياهو يقود الترنح الاستراتيجي الأمريكي بين فنزويلا وإيران

حازم عيّاد
"ترنح وتأرجح في الاستراتيجية الأمريكية التي تراجعت عن احتمالات التصعيد العسكري مع فنزويلا واستبداله بجرعة إضافية من الحصار الاقتصادي والبحري"- جيتي
"ترنح وتأرجح في الاستراتيجية الأمريكية التي تراجعت عن احتمالات التصعيد العسكري مع فنزويلا واستبداله بجرعة إضافية من الحصار الاقتصادي والبحري"- جيتي
شارك الخبر
ما يقلق نتنياهو أن يمضي العام 2025 دون أن تحدد الولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترامب استراتيجية واضحة للتعامل مع إيران، يعزز هذه المخاوف انغماس إدارة الرئيس الأمريكي في تفاصيل الملف الفنزويلي الذي يكاد يشعل البحر الكاريبي، حارفا بذلك اهتمام الولايات المتحدة عن المنطقة العربية وغرب آسيا نحو أمريكا الوسطى والجنوبية.

المخاوف الإسرائيلية والضغوط التي مارسها نتنياهو على إدارة الرئيس ترامب تأتي لاستباق انغماس الولايات المتحدة في أزمات أمريكا الجنوبية، بدعوته المتكررة لتوجيه ضربة استباقية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بما يخدم المصالح الإسرائيلية وأولوياتها، مع ترنح وتأرجح في الاستراتيجية الأمريكية التي تراجعت عن احتمالات التصعيد العسكري مع فنزويلا واستبداله بجرعة إضافية من الحصار الاقتصادي والبحري لشهرين مقبلين من العام 2026، وهي مدة قد تكون كافية إلى حين حسم الأولويات العسكرية الأمريكية إن كانت تبدا بإيران أم بفنزويلا.

المخاوف الإسرائيلية والضغوط التي مارسها نتنياهو على إدارة الرئيس ترامب تأتي لاستباق انغماس الولايات المتحدة في أزمات أمريكا الجنوبية، بدعوته المتكررة لتوجيه ضربة استباقية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بما يخدم المصالح الإسرائيلية وأولوياتها

الاحتلال الإسرائيلي ولإرباك الولايات المتحدة؛ ألمح لإمكانية أن تبادر إيران بضربة استباقية للاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع تورط وانشغال الولايات المتحدة بالتصعيد والحرب في البحر الكاريبي، غير أنها مخاوف لا تقتصر على إيران، فإمكانية أن توسع الصين تحركاتها وتشدد إجراءاتها تجاه تايوان بالتزامن مع الانغماس الأمريكي في فنزويلا أو إيران؛ واردة، بل وإمكانية أن تعمد روسيا إلى التوسع في عملياتها في أوكرانيا، وأن تتشدد في شروطها لوقف الحرب والتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب تصبح معقولة أيضا.

الاستراتيجية الأمريكية تبدو مشدودة إلى عدد كبير من الجبهات، وهي تترنح بقوة بين توجيه ضربة إلى كركاس أو إلى طهران، علما أن الخيارات المطروحة أمام الولايات المتحدة لتوجيه ضربة إلى إيران لن تغير الكثير فيما يتعلق بإمكانية توسيع روسيا نطاق عملياتها العسكرية، أو في أن تتخذ الصين إجراءات أكثر جرأة في تعاملها مع تايوان.

المسألة الأهم أن خيار الحسم السريع لا يبدو متوفرا في الحالة الإيرانية ولا في الحالة الفنزويلية، ذلك أن طهران عمدت وخلال الأشهر الستة الماضية لتطهير جبهتها الداخلية من الطابور الخامس، وتطوير دفاعاتها وتعزيز ترسانتها الصاروخية وتحالفاتها الدولية والإقليمية؛ على نحو يرفع الكلف على الولايات المتحدة في المواجهة المقبلة. الحال ذاته مع فنزويلا التي اختارت تحدي الإدارة الأمريكية بإحياء نزعة المقاومة المسلحة في بلاد تتجاوز مساحتها 900 ألف كم مربع جلها من الغابات، وشريط ساحلي بطول 2,800 كم مفتوح على مسطحات مائية في البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي، فضلا عن تماس غير مباشر مع المحيط الهادئ عبر جارتها كولومبيا.

التردد الأمريكي والتشتت الاستراتيجي يوفر لكاراكاس الوقت لامتلاك قدرات صاروخية دفاعية وهجومية تفوق ما امتلكته حركة أنصار الله الحوثية في اليمن، ما يجعلها تهديدا خطيرا للقطع البحرية الأمريكية في الكاريبي والأطلسي والهادئ، حال قررت فنزويلا أن تدخل مواجهة عسكرية، ولن يستغرب أن يشارك خبراء ومقاتلون من اليمن في هذه المواجهات البحرية حال اندلاعها في الكاريبي.

خصوم الولايات المتحدة في هذا العالم كثر والمتضررون من سياساتها أكثر، وكذلك معارضو سياساتها في القارة الأوروبية، وفي المعسكر الغربي، بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وهي معارضة متنامية تفوق في زخمها وقوتها وفاعليتها ما هو موجود في العديد من دول العالم في آسيا وأفريقيا، حقيقة أسهم الاحتلال الإسرائيلي في تخلّقها بفعل جرائمه في قطاع غزة وعموم فلسطين والمنطقة.

دعم الولايات المتحدة الأمريكية والإدارتين المتلاحقتين للرئيس السابق جو بايدن والرئيس الحالي دونالد ترامب للمجازر في قطاع غزة؛ بدّد رصيد الولايات المتحدة الإنساني، ومزق صورتها واستنزف قوتها الناعمة التي أطلق عليها دونالد ترامب رصاصة الرحمة بخفض المساعدات الاقتصادية، وتقليص نشاط وزارة الخارجية الأمريكية، وإعادة هيكلتها بما يتناسب مع توجهاته الانعزالية، فازدواجية المعايير استبدلت بالمعايير الأحادية لليمين الأمريكي الأبيض المتطرف الذي أغلق الولايات المتحدة أمام العالم بحجة حماية العرق الأوروبي الأبيض من طوفان المهاجرين والعمال الأجانب.

ضغوط الاحتلال الإسرائيلي وبشكل خاص بنيامين نتنياهو على إدارة دونالد ترامب لإعادة رسم أولويات ادارته تجاه إيران تتزامن مع تقدم الأولويات اليمينية الداخلية والإقليمية لإدارة ترامب، على نحو يشعل الجدل مجددا داخل الولايات المتحدة الأمريكية عن طبيعة العلاقة التي تجمع واشنطن بالكيان الإسرائيلي، والأولويات السياسية والأمنية الواجب تبنيها، جدل يُتوقع أن يتحول إلى القضية الأبرز خلال زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية الأسبوع المقبل، والتي يتوقع أن تمتد إلى ما يقارب العشرة أيام من اللقاءات والنشاطات الإعلامية والسياسية.

وهذا نقاش لا يقل أهمية عن النقاش المتوقع حول الكلف المرتفعة للشراكة والتحالف والرعاية الأمريكية لمشروع الكيان الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، كُلف ارتفعت على نحو خاطف ومتسارع وغير مسبوق في وقت كان يُتوقع أن تنخفض لترتفع العوائد بفعل الاتفاقات الإبراهيمية والتوافقات الإقليمية. فالفشل الاستراتيجي الذي واجهه الاحتلال في إدارة المواجهة مع المقاومة الفلسطينية عقب عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أنهى هذا الحلم باتفاق لم يحسم المعركة مع المقاومة الفلسطينية، بل كرس حضورها الإقليمي، وهدد الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الأمريكي بكارثة استراتيجية تتوسع فيها مساحة المواجهة إلى إيران والبحر الأحمر وإلى الساحة الدولية، حيث أُحكم طوق العزلة حول الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة بفعل المجازر المرتكبة في قطاع غزة.

التسارع والتوسع في المواجهة لم يقتصر على إيران، بل شمل تركيا، الحليف والشريك للولايات المتحدة في الناتو، التي تحولت إلى لاعب مهم تعاظم دوره بعد تمكن أذربيجان من حسم صراعها مع أرمينيا العام 2022، وبعد انفجار الحرب في أوكرانيا (2022)، وسقوط نظام الأسد في سوريا (2024)، وتُوج ذلك باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة 2025 الذي كرّس تركيا كفاعل إقليمي.

معركة أولويات يقودها نتنياهو لتفاقم حالة الانقسام والترنج الداخلي والخارجي الأمريكي، على نحو يدفعها نحو المزيد من المواجهات العسكرية والأمنية غير الحاسمة في إقليم غرب آسيا والبحر الكاريبي وصولا إلى مضيق تايوان فأوكرانيا

المواجهات وصراعات إسرائيلي لم تعد خطوط التماس فيها مقتصرة على إيران بل امتدت نحو تركيا، ولن تتوقف عندها بل تتجه نحو مصر واليمن والعربية السعودية، محولة الحلم الأمريكي بصفقة قرن أمريكية قُدمت العام 2020، إلى كارثة قرن أمريكية في للعام 2026.

الجدل في أمريكا المتفاعل مع زيارة بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة الأسبوع المقبل يتوقع أن يفاقم من حالة الترنج الاستراتيجي الأمريكي بين فنزويلا وإيران، وأن يعزز رهان نتنياهو على الأيديولوجيا لحسمه، بعد أن جند ما لا يقل عن 1000 من الإنجيليين المتطرفين لعقد لقائهم الأول بالقرب من القدس مع توقعات بانضمام 100 ألف آخرين في أمريكا، لتسويق رواية الاحتلال الدينية والأيديولوجية الآخذة في التآكل داخل الولايات المتحدة لدى تياري "ماغا- MAGA" (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) وتيار أمريكا أولا (America First).

معركة أولويات يقودها نتنياهو لتفاقم حالة الانقسام والترنج الداخلي والخارجي الأمريكي، على نحو يدفعها نحو المزيد من المواجهات العسكرية والأمنية غير الحاسمة في إقليم غرب آسيا والبحر الكاريبي وصولا إلى مضيق تايوان فأوكرانيا.

ختاما.. غياب الحسم وترنح الاستراتيجية الأمريكية بين الشرق والغرب هما السمة التي يرجح أن يكتسبها الأداء الأمريكي في العام 2026، فهو عام بدون حسم يكتسب مزيدا من الترنح والتأرجح المكلف للولايات المتحدة الأمريكية بين الجبهات العالمية والإقليمية بدواع جيوسياسية تقودها الأولويات الأمريكية تارة، وأيدولوجية يقودها نتنياهو واللوبي الصهيوني تارة أخرى.

x.com/hma36
التعليقات (0)