البيان الثلاثي
المشترك في باريس، في 6 كانون الثاني/ يناير 2026، لم يمنع الاحتلال
الإسرائيلي من
تنفيذ خروقات داخل لأراضي السورية باعتقال مواطنين سوريين وتسيير دوريات تخللها
رفع علم الكيان الإسرائيلي على التل الأحمر بالقرب من الجولان المحتل صباح يوم أمس
الخميس.
الخروقات
الإسرائيلية أكدت أن البيان الثلاثي الذي ضم
سوريا والولايات المتحدة الأمريكية
والكيان الإسرائيلي لا قيمة له ولا ترجمة عملية على الأرض، رغم تأكيده على تشكيل
لجنة دمج مشتركة تمهد الطريق لاتفاق أمني وتطبيع تجاري، ما يطرح تساؤلات مهمة حول
مبررات إطلاق البيان المشترك وغاياته الحقيقية من الجانب السوري.
وبالعودة إلى التوقيت،
يلاحظ تزأمن البيان مع انتهاء المهلة المقدمة من الحكومة السورية لقوات "قسد"
الانفصالية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)،
وتعثر مفاوضات دمج القوات بالجيش السوري وفقا لاتفاق العاشر من آذار/ مارس 2025،
فالبيان المشترك يؤسس للجنة تنسيق أمني مشترك برعاية أمريكا وعلى نحو يحتوي ردود الفعل الإسرائيلية المنحازة للمشروع الانفصالي شرق الفرات، لكنه لا ينهي الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا أو يرقى لمستوى اتفاق أمني أو تطبيعي
ما يعني أن الحكومة السورية تبحث عن وسيلة لمعالجة ملف شرق الفرات تضمن تحييد
الاحتلال الإسرائيلي واحتواء ردود فعله ببيان يتضمن وعودا لا ترقى لاتفاق نهائي،
لكنه يضيّق هامش تحركها عبر فصل المسارات ما بين شرق الفرات والساحل وجنوب سوريا
والسويداء.
فالبيان المشترك
يؤسس للجنة تنسيق أمني مشترك برعاية أمريكا وعلى نحو يحتوي ردود الفعل الإسرائيلية
المنحازة للمشروع الانفصالي شرق الفرات، لكنه لا ينهي الوجود الإسرائيلي في جنوب
سوريا أو يرقى لمستوى اتفاق أمني أو تطبيعي يشرعن العلاقة معها على نحو يتجاهل
التوغلات واحتلال الجولان، مفسرا بذلك إطلاق الحكومة السورية ومباشرة بعد أقل من 24
ساعة من إعلانه؛ عملية عسكرية لتحييد قوات قسد المتحصنة في حي الشيخ مقصود وحي
الأشرفية في مدينة حلب، عملية يمكن أن تتوسع لتشمل شرق الفرات بأكمله خلال الأشهر
المقبلة في حال لم تقدم قيادة قسد تنازلات جوهرية في ملف الاندماج.
العام 2026 يظهر
كعام حسم مع قوات قسد الانفصالية التابعة لتنظيم (PYD)،
في وقت لا تخفي فيه الحكومة السورية رغبتها التعامل مع التهديدات في الساحل السوري
بنشرها ما يقارب 30 ألفا من قوات الجيش والأمن، فضلا عن محاصرة واحتواء التهديدات
القادمة من السويداء عبر مليشيات حكمت الهجري، ما يطرح تساؤل جديد حول مصلحة
الاحتلال في التعاطي مع هذا البيان والمشاركة في إصداره، علما أنه يقيد تحركاتها
ويعيق خطواته التصعيدية الداعمة للانفصاليين في سوريا.
البيان في جوهرة
هدنة تفاوضية للتفرغ للأولويات دون التزامات حقيقية بل وعود، فهو أقل من اتفاق أمني
وأقرب إلى إنجاز إعلامي يخدم حكومة الائتلاف الإسرائيلي الحاكم وإدارة ترامب في الآن
ذاته، مبررا تواصل المفاوضات دون إنجاز كبير عبر إشاعته أجواء سياسية وإقليمية
متفائلة؛ تحتوي على إشارات تطبيع تجاري وتعاون طبي وتقني بما يفتح الباب لإمكانية
تعويم الاحتلال أخلاقيا بعد أن خاض حرب إبادة وتطهير عرقي في قطاع غزة، وعلى نحو
يحرج الحكومة والنظام الجديد في سوريا أمام قاعدته العريضة، ويضعف التوجهات
والتيارات الداعية لمواجهة الاحتلال ومحاصرته في سوريا والاقليم.
لكن وبالعودة إلى
السوابق القريبة فإنه لا يُتوقع أن يقود البيان إلى تطبيع أو انقسام سياسي وإعلامي
داخلي في سوريا، كونه طرح ما يشبهه آلية الميكانيزم المشرفة على وقف إطلاق النار
في لبنان، حيث أعلن عن طموحات لإنشاء حزام تجاري واقتصادي حدودي بين لبنان والكيان
القائم على أرض فلسطين المحتلة عام 48، فضلا عن إشراك مدنيين في الحوارات
والمفاوضات مثلهم الدبلوماسي اللبناني سيمون كرم؛
البيان المشترك يعد آلية وحلا وسطا يسمح للطرفين قطع المرحلة الحالية وكسب الوقت والتفرغ لملفات أشد تعقيدا
خطوات لم تفض إلى شيء في ظل
انعدام التقدم في الملفات الأمنية والحدودية وتواصل الاستهدافات الإسرائيلية
للبنان، لتبقى كاشتراطات الهدف منها استرضاء الرأي العام الداخلي في الكيان
الإسرائيلي وفي الولايات المتحدة، حيث يسعى ترامب إلى ربط خفض التصعيد والاتفاقات
الأمنية بإنجازات أكبر توحي بالسلام ولاستقرار.
في المحصلة
النهائية، فإن البيان المشترك يعد آلية وحلا وسطا يسمح للطرفين قطع المرحلة
الحالية وكسب الوقت والتفرغ لملفات أشد تعقيدا، كملفات قسد والسويداء والساحل السوري،
في مقابل تفرغ الاحتلال لملف لبنان إيران والأهم ملف الضفة والقطاع، والتحضير
لانتخابات إسرائيلية قد تكون مبكرة. والحال ذاته بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية
المنشغلة بملفي فنزويلا وإيران، ومحاصرة النفوذ الروسي والصيني.
ختاما.. إزاء ذلك
يمكن القول إن البيان الثلاثي المشترك منعطف لا زال يخفي أكثر مما يُظهر، كونه يمثل
فرصة وفخ للطرفين السوري والكيان لإسرائيلي، إذ يمكن أن يستفيد منه طرف على نحو أفضل
من الآخر حال تمكنه من حسم الملفات ذات الأولوية سواء الداخلية والإقليمية لصالحة،
وبما يعزز أوراقه التفاوضية وتموضعه الأمني مستقبلا في مواجهة الآخر.
x.com/hma36