تعود
التهديدات الأمريكية بضرب
إيران وإسقاط
نظامها إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي كلما اشتد التوتر في الشرق الأوسط،
وكأنها لازمة سياسية ترافق كل تحول استراتيجي كبير. غير أن هذه التهديدات، على
كثرتها، لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ الطويل والمعقد للعلاقة بين إيران والغرب،
ولا عن التحولات العميقة التي طرأت على موقع إيران ودورها منذ الثورة الإسلامية
وحتى اليوم.
في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، كانت إيران
إحدى أهم ركائز النفوذ الغربي في المنطقة. حليفًا استراتيجيًا لواشنطن، وشرطيًا
للخليج، ومخفرًا متقدمًا لحماية المصالح الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفييتي.
لم يكن الخلاف بين الطرفين قائمًا، بل كان التعاون السياسي والأمني والعسكري في
ذروته، وكانت إسرائيل جزءًا غير معلن من هذا الترتيب الإقليمي الذي يضمن تفوق
الغرب واستقرار مصالحه.
لا تقف المنطقة على حافة صراع عابر، بل أمام لحظة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة وقواعد الاشتباك. فإيران تختبر حدود الردع، والولايات المتحدة تناور بين الضغط والمغامرة، والكيان الصهيوني يسعى لتكريس حضوره لاعبًا مركزيًا في الإقليم، فيما يدفع الخليج العربي ثمن هذا التداخل الخطير من أمنه واستقراره ومصير أجياله. إن الرهان على الحسم العسكري، أو على إسقاط الأنظمة بالقوة، أثبت فشله وكلفته الباهظة، بينما يظل منطق الاحتواء العقلاني والتفاهمات الإقليمية الخيار الأقل خسارة.
لكن عام 1979 شكّل القطيعة الكبرى. عودة آية
الله الخميني من منفاه في باريس لم تكن مجرد تغيير في نظام الحكم، بل إعلان تمرّد
شامل على منظومة الهيمنة الغربية. ومنذ اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، دخلت
العلاقة مرحلة العداء المفتوح، وتحوّلت إيران من حليف موثوق إلى خصم عنيد، ومن
ركيزة استقرار – وفق الرؤية الغربية – إلى مصدر تهديد دائم.
على مدى العقود التالية، توالت محاولات
الاحتواء والعقوبات والعزل، ثم المواجهة غير المباشرة عبر الحروب بالوكالة. ومع
ذلك، لم تسقط الجمهورية الإسلامية، بل تمكّنت من ترسيخ حضورها الإقليمي، وبناء
شبكة نفوذ تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، وفرضت نفسها لاعبًا لا يمكن
تجاوزه في معادلات المنطقة، رغم كل الضغوط.
اليوم، تعود لغة التهديد الأمريكية بقوة،
مدفوعة بتعثر المسار الدبلوماسي، وتصاعد الدور الإيراني الإقليمي، وخصوصًا التحول
النوعي في قواعد الاشتباك مع إسرائيل. لقد شكّل وصول الصواريخ الإيرانية إلى عمق
فلسطين المحتلة، وإجبار ملايين الإسرائيليين على دخول الملاجئ، لحظة فارقة في
طبيعة الصراع. لم تعد إيران مجرد داعم من الخلف، بل أصبحت طرفًا مباشرًا قادرًا
على كسر احتكار الردع الإسرائيلي، وهي جرأة لن يغفرها الغرب بسهولة.
فالولايات المتحدة وحلفاءها قد يتحملون
كثيرًا من السلوك الإيراني، لكنهم لن يقبلوا بتغيير قواعد اللعبة مع إسرائيل، التي
لا تُعد مجرد حليف، بل مكوّنًا أساسيًا في المنظومة الاستراتيجية الغربية في
المنطقة. وأي مساس بأمنها يُنظر إليه بوصفه مساسًا مباشرًا بنفوذ الغرب ومكانته.
ولا يمكن قراءة هذا التصعيد، ولا الردود
الإيرانية المحتملة، بمعزل عن الكلفة الباهظة التي تدفعها المنطقة الخليجية منذ
عقود، رغم أنها لم تكن صاحبة خيار في هذا الصراع ولا طرفًا في جذوره. فمنذ حرب
الأعوام الثمانية بين إيران ونظام صدام حسين، كان الخليج العربي ساحة خلفية مفتوحة
للتوتر، يدفع من أمنه واستقراره واقتصاده ثمن صراع الآخرين، ويعيش تحت هاجس النار
القريبة دائمًا. وتكرّر المشهد بصورة أكثر فجاجة في موقعة الدوحة، حين اختارت
طهران الرد على واشنطن باستهداف محيط القواعد الأمريكية في قطر، في رسالة أكدت مرة
أخرى أن الجغرافيا الخليجية هي الحلقة الأضعف والأكثر تعرضًا للارتدادات. الخليج
لم يختر جواره الجغرافي، ولم يصنع هذا الصراع، ومع ذلك يجد نفسه في قلب نتائجه،
بين التهديد العسكري، وهشاشة الأمن، وتقلبات الاقتصاد والطاقة.
إن تقليص مخاطر الانزلاق نحو حرب جديدة لن يتحقق بالشعارات ولا بالاصطفافات الحادة، بل ببناء موقف خليجي متماسك، ورؤية عربية أكثر استقلالًا، وتنسيق إسلامي أوسع، وانخراط دولي متوازن يقدّم الاستقرار على الفوضى. وحده هذا المسار كفيل بأن يخفف من أثمان الجغرافيا القاسية، وأن يمنح المنطقة فرصة للخروج من دائرة الحروب المفتوحة إلى أفق أكثر أمنًا وعقلانية، في زمن لم يعد يحتمل مغامرات كبرى ولا أخطاء قاتلة.
ويزداد هذا المشهد تعقيدًا مع تصاعد
المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية، وما يتبعها من احتكاك مباشر أو غير مباشر بين إيران
والكيان الصهيوني. فالصراع لم يعد محصورًا بين عواصم بعيدة، بل بات متعدد
المستويات، تتداخل فيه المصالح الأمريكية، والحسابات الإيرانية، والهواجس
الإسرائيلية، على مسرح جغرافي واحد شديد الحساسية. والأخطر أن الكيان الصهيوني لم
يعد مراقبًا من خارج الإقليم، بل أضحى فاعلًا أساسيًا في معادلاته الأمنية
والعسكرية، بما يعقّد فرص الاحتواء ويجعل أي خطأ في الحسابات مرشحًا لأن يتحول إلى
انفجار واسع النطاق، تتجاوز ارتداداته حدود الدول المتصارعة لتطال أمن الخليج
واستقراره ومستقبله.
في المحصلة، لا تقف المنطقة على حافة صراع
عابر، بل أمام لحظة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة وقواعد الاشتباك. فإيران
تختبر حدود الردع، والولايات المتحدة تناور بين الضغط والمغامرة، والكيان الصهيوني
يسعى لتكريس حضوره لاعبًا مركزيًا في الإقليم، فيما يدفع الخليج العربي ثمن هذا
التداخل الخطير من أمنه واستقراره ومصير أجياله. إن الرهان على الحسم العسكري، أو
على إسقاط الأنظمة بالقوة، أثبت فشله وكلفته الباهظة، بينما يظل منطق الاحتواء
العقلاني والتفاهمات الإقليمية الخيار الأقل خسارة.
إن تقليص مخاطر الانزلاق نحو حرب جديدة لن
يتحقق بالشعارات ولا بالاصطفافات الحادة، بل ببناء موقف خليجي متماسك، ورؤية عربية
أكثر استقلالًا، وتنسيق إسلامي أوسع، وانخراط دولي متوازن يقدّم الاستقرار على
الفوضى. وحده هذا المسار كفيل بأن يخفف من أثمان الجغرافيا القاسية، وأن يمنح
المنطقة فرصة للخروج من دائرة الحروب المفتوحة إلى أفق أكثر أمنًا وعقلانية، في
زمن لم يعد يحتمل مغامرات كبرى ولا أخطاء قاتلة.