في
المقالات السابقة، قمنا بتشريح العقل البشري وكشف الثغرات التي تجعله عرضة للتلاعب.
من رحم هذه الثغرات يبدأ التحول العميق؛ ففي لحظة ما، وبلا ضجيج أو إعلان، لم يعد
الإنسان يفكر كما خلقه الله، بل يجد نفسه دون وعي يتبنى أفكارا لم يخترها، ويدافع
عن قناعات لم يفحصها، وينساق خلف انفعالات رُسمت له مسبقا. هذا التغلغل لا يحدث
بالقوة المباشرة، بل عبر هندسة دقيقة تتخفى خلف العقائد، والأيديولوجيات،
والعادات، والهوية، وما يُسمى بالضرورة الاجتماعية.
فإذا سألت
مثلا أحد المؤيدين لقانونٍ ما: لماذا تؤيده؟ سيجيبك تلقائيا بالمميزات التي تروجها
الجهة التي أصدرت القانون، بل وربما يردد تفسيرات قانونية أو تقنية معقدة، لا تخرج
إلا من متخصص بارع -لا من مثل هذا المؤيد- هنا، هو واقع تحت تأثير وتلقين جهة أو
شخص ما؛ من مصلحتهم تمرير هذا القانون وإكسابه الشرعية الشعبية اللازمة.
وليست
المشكلة في وجود من يحاول التأثير عليك؛ فالتأثير غريزة بشرية قديمة بقدم الاجتماع
الإنساني، ومرتبطة دائما بالقيادة. المشكلة الحقيقية هي حين يتحول هذا التأثير من
تهذيب للغرائز إلى إعادة برمجة للوعي، ومن توجيه أخلاقي إلى سيطرة عدائية غير
مرئية، تجعلك تعتقد أنك تفكر بحرية؛ بينما أنت تتحرك -دون أن تشعر- داخل مسار لم
ترسمه، وطريق لم تختره. هذا المقال لا يبحث عن مؤامرة غامضة، بل يفتح السؤال
الأخطر: من هو مهندس
الوعي الذي يقف خلف ما نراه بديهيا؟ ومن المستفيد من ذلك؟
يظهر الفارق الجوهري بين الهندسة الأخلاقية والهندسة التقنية العدائية بشكل جلي في البيئات العسكرية. فالعملية التدريبية لأي جيش في العالم هي في جوهرها هندسة وعي مكثفة؛ لتفكيك الشخصية المدنية وإعادة بنائها في قالب عسكر
إن مهندس
الوعي ليس بالضرورة منظمة غامضة تجلس في غرف مظلمة، بل إن هندسة الوعي هي في أصلها
آلية غريزية؛ لممارسة التأثير والقيادة، تبدأ من أبسط دوائرنا الاجتماعية وتنتهي
في أوسع دائرة عالمية. نحن جميعا نمارس دور مهندس الوعي بشكل أو بآخر؛ فكما تستعرض
ذكور الحيوانات في الغابة قدراتها الجسدية لجذب انتباه الإناث في موسم التزاوج،
وذلك لضمان استمرار الحياة، يحاول الأب في بيته ضبط انفعالات الأبناء واحتواء
حماقات الزوجة لضمان استقرار الأسرة، ويسعى المدرس في فصله للسيطرة على شغب الطلاب
لتوفير بيئة صالحة للتعلم، ويعمل المدير في شركته على توجيه إدراك موظفيه لتحقيق
أهداف المؤسسة. هذا النوع من الهندسة هو هندسة أخلاقية تربوية، أو على الأقل هندسة
جزئية للوعي، تستخدم آليات القيادة والتوجيه لتهذيب
المجتمع وتشذيبه لا لاستلابه
والسيطرة العدائية عليه. إن هندسة الوعي في هذا المستوى البسيط؛ آلية تعليمية
تسيطر على الجانب غير المنظم في النفس البشرية، لتمكن القدرات الفكرية الفردية
والقيمية من الظهور والتحقق.
ويظهر
الفارق الجوهري بين الهندسة الأخلاقية والهندسة التقنية العدائية بشكل جلي في
البيئات العسكرية. فالعملية التدريبية لأي جيش في العالم هي في جوهرها هندسة وعي
مكثفة؛ لتفكيك الشخصية المدنية وإعادة بنائها في قالب عسكري خشن ومنضبط، ولكن شتان
بين مهندس وعي يصنع حاميا للوطن؛ وبين من يصنع وحشا بشريا بدون مرجعية قيمية.
وتعتبر
وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لجيوش المسلمين ذروة الهندسة الأخلاقية للوعي؛
حيث وضع ضوابط صارمة تضبط خشونة الجندي في قمة غضبه وانفعالاته القتالية، فكان
يأمر: لا تقطعوا شجرة، ولا تقتلوا طفلا ولا امرأة ولا كبيرا فانيا، ولا تذبحوا شاة
ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تقربوا رهبانا في صوامعهم. وقد جاءت وصايا الرسول صلى
الله عليه وسلم تصديقا لقول الله تعالى: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ". هنا يتدخل مهندس الوعي القائد ليوجه القوة الخشنة حصرا تجاه
من يحاربك، حماية للمجتمع وصيانة للقيم. هو لا يلغي وعي الجندي، ولا يتجاهل طبيعته
البشرية، بل يسلّحه بمرجعية أخلاقية قيمية، تجعله يفرق بين القتال الشريف وبين
البغي والعدوان.
ويبدو أن
منظومة العالم الحديث، قد أحست بضرورة الرجوع قليلا عن هندسة الوعي التقنية -غير
الأخلاقية- في البيئات العسكرية، وذلك بعد كلفة باهظة من الحروب المنفلتة، من خلال
وضع مرجعية قيمية للجنود، مثل اتفاقيات جنيف، التي أقرت حماية المدنيين، وتجريم
استهداف غير المقاتلين، وضمان معاملة إنسانية للأسرى. ورغم أنها صيغت بلغة قانونية
علمانية، ولم تُصرّح بجذورها؛ إلا أن مقاصدها تتقاطع بوضوح مع الضوابط التي أرستها
الشريعة الإسلامية -منذ أكثر من 1400 عام- لتنظيم القتال، والتي جعلت تقييد القوة
شرطا لإنسانيتها. غير أن الفارق الجوهري أن هذه القواعد الحديثة، حين تُفصل عن
مرجعيتها القيمية، تظل قابلة للتعطيل كلما تعارضت مع مصالح القوة، بينما تبقى في
المنظور الأخلاقي للشريعة الإسلامية التزاما عقديا لا يسقط بتغير الموازين.
من هنا
نفهم أن المسألة ليست في الفعل بل في المرجعية القيمية؛ فبينما يسعى مهندس الوعي
الأخلاقي للبناء، ينهمك مهندس الوعي التقني -غير الأخلاقي- في التعامل مع المجتمعات ككتل صلصال صماء قابلة للتشكيل
القسري. هذا المهندس المحترف يعبر عن تحالف معقد يضم ثلاث فئات رئيسية، تتأرجح
علاقتها بين العمل المنفرد والتعاون المتداخل، لكنها تشترك جميعا في تجريد العملية
من أي بعد قيمي وهي:
أولا:
المهندس السياسي، وهو الذي يعمل لصالح المنظومات العالمية، الحكومات أو الأحزاب،
أو أي قوى طامحة للسلطة والسيطرة؛ هدفه ليس إقناعك ببرنامج سياسي عقلاني، بل صناعة
شرعية متوهمة عبر التلاعب بالعواطف، أو شيطنة الخصوم؛ لضمان الولاء الأعمى. هو لا
يريد مواطنا شريكا في القرار، بل يريد قطيعا يصفق للقرار دون فهمه، وقد وصف الله
تعالى بعضا تقنياتهم في القرآن الكريم من قوله تعالى: "إِنَّ ٱلَّذِينَ
أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ
بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ
فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ * وَمَآ
أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ". هنا يحاول المجرمون عمل هندسة وعي
سياسية -غير أخلاقية- لمجتمع المؤمنين، باستخدام بعض الاستراتيجيات النفسية مثل
(السخرية، والتغامز، والوصم بالضلال.. الخ)، والتي سيأتي تفصيلها في مقالات قادمة.
ثانيا:
المهندس التجاري الرأسمالي، وهو الذي يعمل لصالح الشركات الكبرى ومراكز النفوذ
المالي؛ مهمته تحويلك من إنسان له احتياجات حقيقية، إلى مستهلك تقوده رغبات لا
تنتهي، وذلك لضمان استمرار سلاسل الربح والقيمة والتدفق النقدي في النظام
الرأسمالي. المهندس هنا يمكن أن يستخدم ثغرات كالهوية مثلا؛ ليقنعك بأن قيمتك كبشر
مرتبطة بما تمتلكه لا بما تؤمن به، ومثال ذلك ما نراه في هندسة الوعي الموجهة
لترويج البراندات والماركات الفاخرة؛ حيث لا يتم بيع السلعة لذاتها، بل يتم بيع
قيمة اجتماعية متوهمة، تمنح حاملها شعورا بالتفوق الطبقي والتميز المجتمعي،
مستخدما علم النفس والاجتماع والخوارزميات لدراسة خريطة ضعفك السيكولوجي وحاجتك
للتقدير؛ لتحويلها إلى أرباح ضخمة، بحيث يصبح استهلاكك للبراند هو المعرف الأساسي
لهويتك ومكانتك الاجتماعية بين الناس.
ثالثا:
المهندس الأيديولوجي، وهو الذي يعمل لصالح تيارات فكرية أو تنظيمات؛ تسعى لتغيير
البنية العميقة لقيم المجتمع. هدفه الرئيسي صناعة المؤمن الأعمى، الذي يرى العالم
من ثقب إبرة، وأيديولوجية واحدة، بتحويل المعتقدات من أدوات بناء وتزكية؛ إلى
أدوات صدام وتجييش جمعي. وخير مثال على ذلك هو ما فعلته الشيوعية في القرن الماضي،
حيث استخدمت هندسة وعي أيديولوجية جبارة لحشد الجماهير؛ عبر اختزال الصراع
الإنساني كله في صراع طبقي مادي، وصياغة وعي جمعي يرى في الآخر عدوا يجب سحقه،
محولة الشعارات الفكرية الفضفاضة والمصطلحات اللغوية الفارغة؛ إلى وقود للصدام
الاجتماعي والسياسي، لضمان السيطرة المطلقة على عقول الجماهير، وتوجيه حركتها بما
يخدم بقاء المنظومة الأيديولوجية وتمددها.
قد يبدو
هذا التقسيم الثلاثي وكأنه مجرد تصنيف نظري، لكن خطورته الحقيقية لا تكمن في وجود
هذه الأدوار بحد ذاتها، بل في قابليتها للتبدل والتناوب والسبك داخل السياق الواحد.
فالمجتمع لا يتعرض لهندسة وعي واحدة صريحة يمكن التعرف عليها بسهولة، بل لسلسلة من
الضغوط المتراكمة التي تتسلل إلى حياته اليومية بأقنعة متعددة. قد يظن الفرد أنه
يتفاعل مع خطاب سياسي عابر، أو حملة إعلانية بريئة، أو دعوة فكرية مجردة، بينما هو
في الحقيقة يتلقى رسائل متزامنة تصدر من غرف مختلفة لكنها تصب في الاتجاه نفسه،
وذلك بخلاف التفاعلات الناتجة عن تغلغل تلك الرسائل داخل العقل الجمعي للمجتمع
المستهدف، والذي تنتشر في داخله تلك الرسائل بدافع العدوى الاجتماعية، فيصبح
أفراده مهندسي وعي غير واعيين، هنا يبدأ الفرد في فقدان قدرته على الفصل بين ما هو
حقيقي ونابع من ملكاته الفكرية وبين ما هو منساق إليه، ويصبح التداخل هو القاعدة
لا الاستثناء، وتتحول السيطرة من حدث ملحوظ إلى مناخ عام لا يشعر به من يعيش داخله.
إذن،
المكمن الحقيقي للخطر يكمن في التداخل بين دوافع المشغلين، فمهندس الوعي هو في
النهاية بندقية للإيجار، ويمكنه أن يخدم أكثر من مشغل في آن واحد. فقد يتحالف
المهندس السياسي مع التجاري؛ لتمرير قوانين اقتصادية تخدم النخبة عبر إقناع
الجماهير أنها في مصلحتهم، أو يتحالف المهندس الأيديولوجي مع السياسي؛ لتبرير
صراعات دموية بغطاء عقدي أو فكري. هذا التحالف التكنوقراطي المصلحي يستخدم التحليل
النفسي والإحصائي للبيانات الضخمة، وكذلك الخوارزميات التقنية الحديثة كوقود
لمحركات التوجيه، ليعيد صياغة وعيك بما يخدم مصالح هذا الثالوث غير الأخلاقي.
غوغائية الجماهير ليست قدرا محتوما، بل هي في الغالب منتج صناعي خرج من معامل مهندسي الوعي أنفسهم، لكي يجدوا المبرر المستمر للسيطرة على تلك الجماهير، فالمجرم هنا يلوم ضحيته على الحالة التي هو نفسه من أوصلها إليها
إن الهدف
النهائي للمهندس التقني هو التدجين لا التهذيب، هو لا يريدك أن تكون صاحب عقيدة أو
مستقلا بمرجعيتك، بل يريد تحويلك إلى مسمار في آلة، أو رقم في قطيع يسهل تحريكه
عبر إثارة الغرائز، أو الخوف، أو الاحتياج، أو الكراهية. هو يستخدم الأدوات نفسها
للسيطرة والتوجيه التي تستخدمها الحيوانات في الغابة، الآباء في البيوت، المعلمين
في المدارس، أو المديرين في الشركات، لكن بشكل موسع، وعن طريق استراتيجيات
احترافية، وخطط تفصيلية معقدة، وذلك بعد أن ينزع منها المرجعية القيمية، والروح
الأخلاقية، والغاية الإصلاحية، ليحولها إلى سجن بيولوجي وفكري غير مرئي.
وقد يحتج
مهندسو الوعي التقني، أو مشغلوهم، بحجة زائفة تدعي أن الجماهير بطبعها غوغائية،
وأن المجتمعات لا تنقاد إلا بالوهم أو التخويف، وبالتالي فإن هندسة وعيهم هي ضرورة
اجتماعية لحفظ النظام. وهذه حجة ساقطة لقلب الحقائق؛ فالمجتمعات لا تصبح غوغائية
إلا عندما يتم تجهيلها عمدا، وتعطيل ملكاتها النقدية عبر عقود من الهندسة السلبية.
إن الفرق بين القائد الأخلاقي والمهندس التقني هو أن الأول يثق في قدرة المجتمع
على الرشد إذا ما أُعطي الحقائق كاملة وبشكل عادل، فيعمل على رفع وعي الناس
ليكونوا شركاء في البناء، بينما يبدأ الثاني بفرضية أن الناس قطيع ليبرر لنفسه
استعبادهم. إن غوغائية الجماهير ليست قدرا محتوما، بل هي في الغالب منتج صناعي خرج
من معامل مهندسي الوعي أنفسهم، لكي يجدوا المبرر المستمر للسيطرة على تلك
الجماهير، فالمجرم هنا يلوم ضحيته على الحالة التي هو نفسه من أوصلها إليها.
لذا، قبل
أن تسمح لأي خطاب أو موجة أو ترند بصياغة قناعاتك، اسأل نفسك: من هي الجهة التي
تقف وراءه؟ وما هي مرجعيتها القيمية؟ هل تريد تهذيب نفسك الجامحة لصالحك، أم هندسة
وعيك لتصبح عبدا لها؟ فالوعي بهوية الجهات التي تستهدفنا وقصدها أولى خطوات الوعي
الحقيقي، وهو ما سنغوص في تفاصيله خلال المقالات القادمة؛ لنرى كيف يذوب الوعي
الفردي تدريجيا ليصبح مجرد صدى في سياسة القطيع.