المشهد
البصري الذي يواجه الزائر إلى
إيران يترك انطباعا عاما لا يخطئه النظر: علاقة
ملتبسة ومعقدة بين النظام والمجتمع. علاقة لا تُفهم من خلال الخُطب السياسية أو
البيانات الرسمية بقدر ما تُقرأ في الشارع، وعلى الجدران، وفي تفاصيل الحياة
اليومية.
ثلاثة
مكونات رئيسية تفرض حضورها على عين الزائر منذ اللحظة الأولى:
الأول هو
الإعلانات المتكررة التي تحث على الالتزام بالحجاب، والتي تنتشر في كل مكان تقريبا:
في الشوارع، عند مداخل الحدائق، في المقار الحكومية، في الفنادق، وحتى بجوار
المصاعد في كل طابق.
المكون
الثاني يتمثل في صور الشهداء، الحاضرة في لوحات على أعمدة الإنارة، وملصقات على
الجدران، ولافتات تمتد بعرض الشوارع، فضلا عن وجودها داخل المدارس والمؤسسات
الرسمية.
أما
المكون الثالث فهو دعم القضية الفلسطينية، حيث تُربط صورة القدس برموز الدولة،
وتنتشر الشعارات المرتبطة بها في الفضاء العام، إلى جانب إعادة تسمية الشوارع
والميادين بأسماء ذات دلالات دينية وثورية وقومية.
هذه
المشاهد الثلاثة تبدو وكأنها رموز مؤسِسَة لهوية النظام، وترجمة عملية لمسمّى
الدولة: الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ رمز اجتماعي يركز على مظهر
المجتمع،
وبخاصة المرأة؛ ورمز أيديولوجي يُبرز قيمة الشهادة؛ ورمز سياسي يعكس الامتداد خارج
الحدود فيما يُعرف بمحور المقاومة.
وإذا
توقفنا عند رمز الحجاب، نجد أنه يشكّل مسألة محورية لدى النظام، تتجاوز حدود
التوجيه الديني إلى الإلزام القانوني الصارم. ولم تقتصر القيود على لباس النساء
فحسب، بل امتدت إلى لباس الرجال أيضا؛ حيث يُمنع ارتداء القمصان قصيرة الأكمام،
ويُطلب إغلاق أزرار القميص حتى أعلى العنق، مع متابعة ذلك عبر دوريات شرطية مختصة
بما يُعرف بضبط الأخلاق.
لكن
المفارقة الصارخة تظهر عند مقارنة هذه القوانين بالمشهد الواقعي في الشارع. فإلى
جانب نساء ملتزمات بالحجاب، يظهر قطاع واسع من النساء غير الملتزمات بغطاء الرأس،
تضع كثيرات منهن غطاء خفيفا على الكتفين، يُستخدم عند اللزوم في حال التوقيف أو
عند دخول المؤسسات الرسمية. كما أصبح ارتداء القمصان القصيرة والمفتوحة الصدر شائعا
بين الرجال، وبعضها يكشف عن وشوم على الأذرع أو الرقاب، في مشهد يبدو منفصلا تماما
عن النص القانوني الرسمي.
هذا
التباين لم يكن حاضرا بهذه الصورة طوال العقود الأولى من عمر النظام. فبعد سنوات
طويلة من التشدد الصارم، ومع تصاعد
الاحتجاجات ومحاولات المجتمع التخفف من القيود،
اضطرت الدولة إلى غض الطرف عما كانت تعتبره سابقا محرما ومجرّما. ومع الوقت استقر
الأمر على معادلة غير معلنة: بقاء القانون لإرضاء النظام، وخرقه عمليا لإرضاء
المجتمع.
وتتكرر
هذه العلاقة الملتبسة في ملف الموسيقى. فمنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية ظل الجدل
قائما حولها؛ فالغناء المنفرد للمرأة ما زال محظورا، وبعض الآلات الموسيقية ممنوعة
دون غيرها. ومع ذلك، تنتشر اليوم موسيقى الشوارع والعازفون على الأرصفة في معظم
المدن، كما تقيم الدولة نفسها مهرجان الفجر الموسيقي سنويا، في تناقض يعكس حالة
الشد والجذب المستمرة بين النظام والمجتمع.
كل ذلك
يشير إلى فجوة واضحة بين النظام والمجتمع، تصاحبها حركة تدافع مستمرة بين نظام
يريد فرض رؤيته الأحادية على المجتمع، ومجتمع إيجابي وفاعل يسعى لنيل حقوقه، ولو
بالتصادم مع النظام والتمرد عليه. غير أن الوقوف عند هذا الحد لا يقدّم صورة كاملة،
فثمة جوانب أخرى لا تقل حضورا في المشهد الإيراني.
من
الإنصاف القول إنني لم أشاهد في المدن الرئيسية التي زرتها متسولين في الشوارع،
ولا نائمين في العراء، ولا متسكعين تحت الجسور، كما لم ألحظ تراكما للنفايات أو
فوضى عمرانية. على العكس، بدت الشوارع والأسواق والحدائق في غاية النظافة
والتنظيم، مع اهتمام ملحوظ بالتشجير، وانتشار للأشجار المثمرة على الأرصفة، حتى في
مدن محاطة بالصحارى.
كما تتمتع
المدن بشبكة مواصلات عامة رخيصة، نظيفة، وفعالة، إلى جانب جهود واضحة في الحفاظ
على الآثار وترميمها، مع احترام الطابع المعماري التاريخي، وتخطيط عمراني حافظ على
هوية المدن القديمة.
ويبرز في
هذا السياق شارع "جهار باغ عباسي" في أصفهان، بعرض يقارب ستين مترا،
مخصص بالكامل للمشاة، ويمتد لأكثر من كيلومتر بين ميدان الحسين وجسر "سو وسه
بل". الشارع مرصوف بتشكيلات حجرية متقنة، يخترقه مجرى ماء صناعي، وتنتشر فيه
مقاعد للجلوس، وحدائق وجزر خضراء، مع لوحات تعريفية لكل شجرة تتضمن عمرها
ومواصفاتها، بل وحتى رمزا إلكترونيا لمن يرغب بالمزيد من المعلومات.
وعند
مقارنة هذا المشهد بوصف نشرته مجلة ناشيونال جيوغرافيك في عدد كانون الثاني/ يناير
1961، حيث كان الشارع آنذاك مغطى بالأسفلت والسيارات، تتبدى مفارقة تاريخية تمنح
الأفضلية -من حيث التخطيط الحضري- للعهد الحالي على عهد الشاه، وهو ما يدعم روايات
عن انتشار العشوائيات ومنازل الصفيح في ضواحي طهران قبل الثورة.
إلى جانب
ذلك، تنتشر المراكز التجارية الحديثة، وتُعرض فيها منتجات محلية في مجالات النسيج
والإلكترونيات والسيارات، كما تعتمد الدولة على أنظمة تقنية محلية، من الملاحة إلى
الخدمات الإلكترونية، في ظل عقوبات اقتصادية خانقة، ما يشير إلى قدرة واضحة على
التكيّف والاعتماد على النفس حين تتوفر الإرادة.
كان
بإمكان النظام الإيراني أن يلتقط فرص الإصلاح، سواء مع تجربة الرئيس محمد خاتمي،
أو عقب الاحتجاجات الواسعة التي رافقت وصول محمود أحمدي نجاد، لكنه أضاع تلك الفرص.
ومع ذلك، لا تزال شريحة من الإيرانيين ترى أن إصلاح النظام أقل كلفة من إسقاطه،
إدراكا منهم لمخاطر التفكك في دولة واسعة ومتعددة الأعراق، ولأطماع خارجية لا تخفى.
والعرب،
بحكم تجاربهم، يدركون حدود الشعارات الغربية عن حقوق الإنسان، ويعرفون متى تُستدعى
وكيف تُوظف، ويدركون المطامع والأهداف الغربية الصهيونية، ويدركون مخاطر الفوضى في
إيران وأثرها المتعدي على المنطقة، كما يدركون أن النموذج الفنزويلي أو غيره لا
يمكن استنساخه في إيران، لا من حيث طبيعة الدولة، ولا من حيث ثقافة الشعب.
إيران،
كما تُرى بزاوية منفرجة، ليست تلك الصورة المبسطة التي تُرسم في الإعلام، بل دولة
تعيش تدافعا بين السلطة والشعب، وقد يؤشر هذا التدافع إلى حيوية مجتمع لم يفقد
قدرته على الضغط والتأثير، ونظام أيديولوجي صلب اضطر إلى التكيّف مع واقع اجتماعي
متغيِّر، وتستمر إيران في السير على حافة التوتر، دولة لا تسقط بسهولة، ولا تستقر
تماما، لكنها تظل بعيدة عن الصور المبسطة التي نراها في الإعلام الموجه.