المقاومة لا تموت: حكاية الشيخ نجم الدين كبرى

محمود صقر
"أسهمت تلك الطريقة في دعوة المغول أنفسهم إلى الإسلام"
"أسهمت تلك الطريقة في دعوة المغول أنفسهم إلى الإسلام"
شارك الخبر
هناك مواقف فاصلة في حياة الأفراد والأمم يُحتَّم فيها الاختيار بين المقاومة أو الاستسلام، بل قد يكون الاختيار بين مواجهة الموت المحتّم أو الفرار.

قبل أكثر من 800 عام اجتاحت جحافل المغول الدولة الخوارزمية في آسيا الوسطى، ودمرت كل مدينة اعترضت طريقها، حتى وصلت إلى خوارزم -في أوزبكستان حاليا- وقد انهارت جيوش السلطان محمد خوارزم شاه، وفرّ السلطان.

كانت خوارزم آنذاك مقرّ إقامة الشيخ نجم الدين كُبرى، مؤسس الطريقة الكُبراوية الصوفية المعروفة في آسيا الوسطى. وكان الشيخ قد بلغ الثمانين من عمره، واختار الاستقرار في خوارزم التي وُلد فيها، بعد أن غادرها في شبابه طوّافا في بلاد المسلمين لطلب العلم الشرعي. واستقر حينا في مدينة الإسكندرية، وتتلمذ على يد عالمها الحافظ السلفي، المدفون في الإسكندرية والمولود في أصفهان. يومها لم تكن خرائط سايكس-بيكو قد عشّشت في عقول المسلمين.

رفض الشيخ دعوة جنكيز خان بالخروج هو وأتباعه من المدينة حتى لا تطالهم آلة القتل والتدمير المغولية. واجتمع الشيخ نجم الدين كُبرى بأتباعه للتشاور بشأن الموقف من المغول الذين يقفون على أعتاب المدينة: إما الاستسلام والخروج سالمين والبقاء تحت حكم الاحتلال المغولي الوثني، أو المواجهة التي تعني الموت المحقق.

قرر الشيخ عدم الاستسلام، حتى لا يذكر التاريخ أن أهل الإيمان سلّموا بلادهم دون مقاومة. وفي الوقت نفسه انقدحت في ذهنه فكرة عبقرية؛ فجمع ستين من أنبغ تلاميذه، وأمرهم بمغادرة المدينة، ووزعهم على بلدان محددة، وأوصاهم بمواصلة دورهم الدعوي والجهادي في مواطنهم الجديدة. ثم خرج مع تلامذته وأتباعه لمواجهة المغول. ارتدى خرقة شيخه، وشدّ على وسطه حزاما، وملأ جعبته بالحجارة، وحمل حربة، وقاتل حتى قُتل.

استُشهد الشيخ نجم الدين كُبرى سنة 618هـ، واجتاح المغول خوارزم وما بعدها، وبدا فعله حينها محاولة يائسة أشبه بالتضحية الجماعية، بل ومبررا لتدمير المدينة.

غير أن التاريخ لا يُقاس بلحظة السقوط؛ باستشهاد الشيخ علا ذكره، وانتشرت طريقته في آسيا الوسطى والهند وتركيا، وبقيت مدرسته منارة لتخريج علماء السلوك الذين جمعوا بين العلم والزهد والجهاد، وأسهمت تلك الطريقة في دعوة المغول أنفسهم إلى الإسلام.

وبعد نحو ثلاثين عاما، بذل فيها تلاميذه وأتباع الطريقة وغيرهم جهدهم في الدعوة إلى الله، بدأت ثمرة الصمود تنضج؛ فأسلم بركة خان، على يد شمس الدين الباخرزي، تلميذ الشيخ ورفيقه، وأحد الستين الذين أمرهم بمغادرة خوارزم، وقد اختار له مدينة بخارى مقرا. وتولى بركة سلطنة القبيلة الذهبية سنة 653هـ، وأعلن الإسلام دينا رسميا للبلاد، وتحالف مع سلطان مصر الظاهر بيبرس ضد ابن عمه هولاكو الذي خطط لغزو مصر بعد إسقاطه دار الخلافة في بغداد.

وهكذا كانت المقاومة التي بدت في بدايتها عبثية وانتحارية بذرة أنبتت جذورها وسط الخراب ودماء الشهداء، ومدّت سيقانها وأوراقها، تميل مع الريح وتتماهى مع العواصف، ثم تعود أصلب عودا وأقوى وقودا. أما الاستسلام فبذرة خاملة في التراب، تموت في موضعها، وكلما هبّت الرياح كشفت عن فسادها وتعفّنها.

المقاومون تُصيبهم الجراح، لكنهم أحياء، والمستسلمون أموات وإن كانوا على قيد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)