جماعة الفتيان: تنظيمٌ حفظ تماسك العالم الإسلامي

محمود صقر
"اجتاح المغول العالم الإسلامي"- CC0
"اجتاح المغول العالم الإسلامي"- CC0
شارك الخبر
خلال رحلته الشهيرة التي امتدت من المغرب إلى الصين بين عامي 725 و754هـ، مرّ الرحالة المغربي ابن بطوطة بعشرات المدن والحواضر في المشرق الإسلامي، من مصر إلى الشام، فالعراق وبلاد فارس، ثم الأناضول والقِرم. وكان في كل مكان يجد زاوية مفتوحة تستقبله، يقيم عليها رجال يسمون أنفسهم "الفتيان"، ويخاطب الواحد منهم الآخر بلقب "الأخي".

وكان هؤلاء الإخوان ضمن تنظيم يُعرف بـ"جماعة الفتيان"، وهي جماعة تدير شبكة واسعة من الزوايا المنتشرة في ربوع العالم الإسلامي، ولكل جماعة منهم رئيس يُلقب "نقيبا". وترتبط هذه الجماعة بمواثيق أخوة ترتكز على مبادئ الإسلام، وتستقي منه قيم الإيثار والتكافل وإغاثة الملهوف وحماية المجتمع. كما يشملهم نظام تربوي روحي للارتقاء بالنفس، مصحوبٌ بنظام بدني عماده الفروسية والتدريب العسكري.

واللافت أن هذه الجماعة، في زمن ابن بطوطة، امتدت عبر مساحات واسعة من العالم الإسلامي، متجاوزة الحدود الفاصلة بين الدول الإسلامية المتنافسة سياسيا؛ فقد كانت الشام ومصر تحت حكم المماليك، بينما حكم المغول الإيلخانيون العراق وفارس، في حين كانت الأناضول تعيش بدايات التحولات التي ستقود لاحقا إلى قيام الدولة العثمانية، وكانت أجزاء منها، مع القِرم، تحت نفوذ القبيلة الذهبية المغولية.

وقد وصف ابن بطوطة هذه الجماعة أثناء وجوده في الأناضول بقوله: "لله درهم من طائفة، ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم.. فليس قدوم الغريب عليهم إلا كقدومه على أحب أهله إليه". وقبل ابن بطوطة بقرون، وصفهم القاضي عبد الجبار المعتزلي بقوله: "رهبان بالليل وفرسان بالنهار".

وكانت علاقة جماعة الفتيان بالسلطة متذبذبة بين شدٍّ وجذب، إلى أن بلغت ذروة قوتها في عهد الخليفة العباسي الناصر لدين الله، الذي امتد حكمه بين عامي 575 و622هـ، وتولى بنفسه رئاسة جماعة الفتيان، وتسمّى بـ"شيخ الفتيان".

ثم اجتاح المغول العالم الإسلامي، وسقطت بغداد، عاصمة الخلافة، عام 656هـ، وبين عشية وضحاها صار الشرق الإسلامي، من الشام إلى الصين، محكوما بالمغول الوثنيين. وانهارت الحكومات والجيوش الإسلامية، وانضم جزء من الجهاز الإداري للعمل في خدمة المحتلين، وباتت الشعوب وجها لوجه أمام الطوفان الوثني، تتلمس طريق الحفاظ على دينها وتراثها وتماسكها المجتمعي.

ومن وسط الخراب والدمار، أعادت جماعة الفتيان تنظيم صفوفها، ووجد السلطان الظاهر بيبرس فيهم سندا وعونا لدوره الجهادي ضد المغول والصليبيين، فانضم إليهم في مشهد احتفالي كبير بعد صلاة عيد الفطر سنة 659هـ.

كما وجدت الدولة العثمانية الناشئة في هذه الجماعة ظهيرا اجتماعيا منتشرا في ربوع الأناضول، حتى داخل التجمعات الإسلامية في المدن الواقعة تحت حكم البيزنطيين.

أما المجتمعات الواقعة تحت سلطة المغول، فقد وجدت فيهم ركيزة لتماسكها، ومأوى وسندا للمحتاج، ومنارة لنشر الإسلام؛ إذ قامت هذه الجماعة، جنبا إلى جنب مع الجماعات الصوفية، بالدعوة إلى الإسلام، وأسهمت في إسلام المغول الوثنيين، وبلوغ الإسلام أماكن لم يبلغها من قبل.

ومما يؤكد دقة تنظيم هذه الجماعة، ورباطها العقدي المتجاوز للقوميات والحدود، ما ذكره ابن بطوطة من وجود دعاة وشيوخ من مصر والعراق والشام داخل الزوايا التي نزل بها في الأناضول والقرم.

تحمل تجربة جماعة الفتيان معاني كبيرة؛ فقد تتعرض الأمم لانكسارات عنيفة، وقد تنهزم الجيوش، وقد تسقط السلطة، وقد تمر الدول بكوارث، لكن يبقى ضمان البقاء وإعادة النهوض مرهونا بمتانة المجتمع.

إنها تجربة تختصر معنى الأمة الواحدة، مهما اختلفت حدودها وقومياتها؛ ومعنى العقيدة حين يترجمها أبناؤها المخلصون إلى رحمة وتكافل ونجدة وشهامة؛ ومعنى المجتمع الذي يحتضن أبناءه، ويقف بوعي في وجه كل دعوة هدامة تستهدف نسيجه.

لقد كانت هذه المعاني مجتمعة هي الرافعة التي أعادت الأمة من تحت ركام الدمار المغولي الشامل، وهي ذاتها القادرة على استعادة نهوضها في مواجهة تحديات الحاضر.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)