تشهد الجمهورية الإسلامية
الإيرانية منذ نهاية عام 2024 تصاعدا ملحوظا في أزمتها النقدية، تُرجم بتراجع غير مسبوق
في قيمة الريال الإيراني وارتفاع حاد في معدلات التضخم واضطراب واسع في الأسواق، ترافق
مع موجات احتجاج ذات طابع معيشي. ولا يمكن فهم هذه التطورات بوصفها
أزمة عملة تقنية
أو ظرفية، بل بوصفها انعكاسا لاختلالات بنيوية عميقة في النموذج
الاقتصادي، وتقاطعات
مباشرة مع الخيارات السياسية الداخلية والبيئة الدولية الضاغطة، والتي تلعب على أوتار
حساسة في الداخل الإيراني منذ العدوان الإسرائيلي الأخير منذ أشهر خلت.
وتشير بيانات صندوق النقد
الدولي إلى أن معدل التضخم في إيران تجاوز 43 في المئة خلال عام 2025، ما يضع الاقتصاد
الإيراني ضمن أعلى الاقتصادات عالميا من حيث ارتفاع الأسعار. هذا التضخم المرتفع أدى
إلى تآكل واسع في القدرة الشرائية، ولا سيما لدى الطبقات الوسطى والدنيا، وأضعف الثقة
بالعملة الوطنية بوصفها مخزنا للقيمة. وفي السياق نفسه، تُظهر تقديرات الصندوق أن الناتج
المحلي الإجمالي الاسمي لإيران تراجع من نحو 400 مليار دولار في عام 2024 إلى ما يقارب
340 مليار دولار في عام 2025، وهو تراجع يعكس بدرجة كبيرة أثر انهيار سعر الصرف وانخفاض
القيمة الحقيقية للنشاط الاقتصادي.
تُظهر التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية أن الأزمات الاقتصادية العميقة غالبا ما تتحول إلى تحديات سياسية
أما على مستوى سعر الصرف،
فقد بلغ الريال الإيراني مستويات قياسية في السوق الموازية، متجاوزا حاجز 1.3
مليون ريال مقابل الدولار الواحد في نهاية عام 2025، وفق تقديرات تداول الأسواق وتقارير
إعلامية دولية موثوقة. هذا الانخفاض الحاد لا يعكس فقط شح العملات الأجنبية، بل يدل
على أزمة ثقة متراكمة بالسياسة النقدية، في ظل محدودية قدرة المصرف المركزي على التدخل
الفعّال نتيجة تراجع الاحتياطيات القابلة للاستخدام.
وكذلك تشير تقارير البنك
الدولي إلى أن الاقتصاد الإيراني يعاني منذ سنوات من ضعف مزمن في الاستثمار، نتيجة
بيئة أعمال تتسم بارتفاع المخاطر وعدم اليقين، إضافة إلى القيود المرتبطة بالعقوبات
وتراجع الاندماج في النظام المالي العالمي. كما تُظهر التقديرات الدولية أن النمو الاقتصادي
في إيران خلال عام 2025 بقي ضعيفا للغاية، عند مستويات لا تكفي لاستيعاب النمو السكاني
أو الحد من البطالة، ما يفاقم الضغوط الاجتماعية.
والأكيد أن العقوبات الاقتصادية
تلعب دورا محوريا في تعميق هذه الأزمة، إذ حدّت من قدرة إيران على الوصول إلى عائدات
صادراتها النفطية واستخدامها بحرية، وقيّدت التعاملات المصرفية الخارجية. وفي المقابل،
أدى العجز المزمن في الموازنة العامة إلى اعتماد متزايد على التوسع النقدي لتمويل الإنفاق،
ما ساهم في زيادة الكتلة النقدية دون غطاء إنتاجي كاف، وأطلق حلقة تضخمية انعكست مباشرة
على سعر الصرف. وعليه، هل الخطة الترامبية هي التضييق المطلق لبلوغ الصفقة أم أن وراء
الأكمة ما ورائها؟
سياسيا، انعكست الأزمة النقدية
في صورة احتجاجات اجتماعية انطلقت من الأسواق والقطاعات التجارية، ثم امتدت إلى شرائح
أوسع من المجتمع. ورغم أن هذه التحركات بدأت بمطالب معيشية واقتصادية واضحة، فإن استمرار
تدهور الأوضاع يرفع من قابلية تسييسها، وربما هو مطلب دولي قائم وإن كان تنفيذه ببطء،
خصوصا في ظل شعور عام بانسداد الأفق الاقتصادي. وتُظهر التجربة الإيرانية خلال العقود
الماضية أن الأزمات الاقتصادية العميقة غالبا ما تتحول إلى تحديات سياسية، حتى من دون
وجود تنظيم معارض مركزي قادر على قيادتها. في الوقت نفسه، لا يمكن فصل الأزمة الداخلية
عن السياق الإقليمي والدولي. فخصوم طهران ينظرون إلى التدهور النقدي بوصفه نقطة ضعف
بنيوية يمكن استثمارها عبر زيادة الضغط السياسي والدبلوماسي، أو توظيف المؤشرات الاقتصادية
السلبية في الخطاب الدولي لتقويض صورة الاستقرار الداخلي. إلا أن هذا الاستثمار يبقى
في معظمه غير مباشر، ويعتمد على تعظيم آثار الأزمة القائمة أكثر من إحداثها من الخارج.
وفي قراءة اكاديمية للسيناريوهات
المستقبلية، يبدو المسار الأول مرجحا في حال استمرار الوضع القائم، أي بقاء العقوبات
واستمرار المعالجات الجزئية، ما يعني مزيدا من التآكل التدريجي في قيمة الريال، واستمرار
التضخم، واحتجاجات متقطعة قابلة للاحتواء من دون معالجة جذرية. هذا المسار لا يقود
بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنه يُبقي الاقتصاد في حالة إنهاك مزمن وهو خطر بكل المسميات.
مؤشر مكثف على اختلال العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في ظل ضغوط خارجية قوية وخيارات داخلية محدودة
السيناريو الثاني يتمثل
في استقرار هش ومؤقت، ناتج عن إجراءات احتوائية داخلية تشمل تشديد إدارة سوق الصرف،
وتوسيع الدعم الاجتماعي، وضبط بعض الأسعار. هذا المسار قد يخفف من حدة الأزمة في المدى
القصير، لكنه لا يعالج جذورها البنيوية، ويجعل الاقتصاد عرضة لانتكاسات متكررة مع أي
صدمة سياسية أو أمنية، فكيف إن كان هناك متربصون؟!
أما السيناريو الثالث، وهو
الأقل احتمالا على المدى القريب لكنه الأكثر تأثيرا، فيقوم على اختراق سياسي واقتصادي
أوسع، سواء عبر تخفيف ملموس للعقوبات أو إعادة إدماج تدريجي لإيران في النظام المالي
والتجاري العالمي، وفي هذه الحالة يكون الاتفاق والصفقة قد أُنجزت. وعليه، تُظهر تجارب
دول أخرى أن العملة يمكن أن تستعيد جزءا من استقرارها، شرط أن يترافق ذلك مع إصلاحات
داخلية حقيقية في المالية العامة، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، وتحسين بيئة الاستثمار
والانفتاح الدولي ضمن لعبة الامم.
خلاصة القول إن أزمة الريال
الإيراني ليست أزمة عملة معزولة، بل هي مؤشر مكثف على اختلال العلاقة بين الاقتصاد
والسياسة في ظل ضغوط خارجية قوية وخيارات داخلية محدودة. الأرقام الصادرة عن المؤسسات
الدولية تؤكد عمق الأزمة، لكنها تُظهر في الوقت نفسه أن مسارها المستقبلي ليس حتميا،
بل يتوقف على طبيعة السياسات المعتمدة، وعلى التوازنات الإقليمية والدولية التي تتجاوز
البعد الاقتصادي والمالي.