مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (26)

علي شيخون
"التمويل الإسلامي ليس خيارا ترفيا أو إضافة هامشية، بل هو ضرورة استراتيجية لأي مشروع نهضوي حقيقي"- CC0
"التمويل الإسلامي ليس خيارا ترفيا أو إضافة هامشية، بل هو ضرورة استراتيجية لأي مشروع نهضوي حقيقي"- CC0
شارك الخبر
26- التمويل الإسلامي كأحد مقومات النهضة الاقتصادية وتحديات الواقع

بعد أن استعرضنا في المقالات السابقة الأسس الفلسفية والمنطلقات الشرعية للتنمية، وناقشنا متطلبات الإصلاح المؤسسي والإداري، وحللنا المقومات الاستراتيجية والميزات التنافسية لمصر، وبحثنا في ركائز التنمية البشرية ورأس المال الفكري، نصل الآن إلى أحد المحاور الجوهرية التي تشكل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية حقيقية: المنظومة المالية والمصرفية.

فالتمويل ليس مجرد آلية تقنية لتدوير الأموال أو تسهيل المعاملات، بل هو الشريان الذي يضخ الحياة في جسد الاقتصاد، والقلب النابض الذي يوزع الموارد ويوجه الاستثمارات ويحفز النمو. وعندما نتحدث عن التمويل الإسلامي فإننا لا نتحدث عن بديل تقني فحسب، بل عن منظومة متكاملة تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين المصلحة المادية والقيم الأخلاقية، وبين الربحية المشروعة والمسؤولية المجتمعية.

في عالم شهد أزمات مالية متكررة كادت تعصف باقتصاديات دول عظمى، وفي زمن تتكشف فيه يوما بعد يوم عيوب النظام المالي التقليدي القائم على الفائدة والمضاربات، يبرز التمويل الإسلامي كنموذج واعد يحمل في طياته حلولا عملية لمشكلات مزمنة. فهو نظام يربط التمويل بالاقتصاد الحقيقي، ويمنع المضاربات الوهمية، ويضمن توزيعا أكثر عدالة للثروة، ويحقق التوازن بين حقوق جميع الأطراف.

إن مصر بعمقها الحضاري الإسلامي وموقعها الاستراتيجي في قلب العالم العربي والإسلامي، تمتلك فرصة تاريخية لتكون رائدة في هذا المجال؛ ليس فقط لأن التمويل الإسلامي يتوافق مع قناعات شريحة واسعة من المجتمع وتطلعاتها، بل لأنه يمثل ميزة تنافسية حقيقية يمكن أن تفتح أمام الاقتصاد المصري آفاقا واسعة من الاستثمارات والشراكات مع العالم الإسلامي الممتد من إندونيسيا شرقا إلى المغرب غربا، ومع المستثمرين الباحثين عن فرص استثمارية أخلاقية ومستدامة في كل أنحاء العالم.

لكن الواقع يفرض علينا أن نكون صادقين وموضوعيين. فالتمويل الإسلامي في مصر رغم وجوده منذ عقود لا يزال يواجه تحديات جوهرية تحد من انتشاره وتأثيره؛ تحديات تتعلق بالبنية التشريعية والتنظيمية، وبمستوى الوعي المجتمعي والمهني، وبالابتكار في المنتجات والخدمات، وبالقدرة على المنافسة والتوسع؛ تحديات تجعل نصيب التمويل الإسلامي من السوق المصري متواضعا مقارنة بإمكاناته الحقيقية، ومحدودا مقارنة بدول إسلامية أخرى نجحت في بناء منظومات مالية إسلامية قوية ومؤثرة.

في هذا المقال ننطلق من قناعة راسخة بأن التمويل الإسلامي ليس خيارا ترفيا أو إضافة هامشية، بل هو ضرورة استراتيجية لأي مشروع نهضوي حقيقي. سنستكشف معا الأسس الفكرية والمبادئ الجوهرية التي تميز التمويل الإسلامي، وسنتعلم من تجارب الدول التي سبقتنا على هذا الطريق، وسنواجه بشجاعة التحديات التي تعيق تقدمنا، وسنقترح حلولا عملية وواقعية لبناء منظومة تمويل إسلامي قوية تكون أحد الدعائم الأساسية لتحول مصر إلى واحدة من أفضل عشرة اقتصادات في العالم بحلول عام 2040.

أولا: أهمية التمويل الإسلامي في نهضة مصر الاقتصادية

التوافق مع الهوية والقيم المجتمعية

يمثل التمويل الإسلامي استجابة حقيقية لتطلعات شريحة واسعة من المجتمع المصري التي تبحث عن أدوات مالية تتوافق مع قناعاتها الدينية. هذا التوافق ليس مجرد بعد معنوي، بل له انعكاسات اقتصادية عملية عميقة. فعندما يجد المواطن منتجات مالية تحترم قيمه وتلبي احتياجاته في آن واحد، فإن ذلك يعزز الثقة في المنظومة المالية، ويشجع على الادخار والاستثمار، ويخرج أموالا كانت معطلة خارج الدورة الاقتصادية إلى حيز التداول والإنتاج.

الشمول المالي لا يتحقق فقط بتوفير الخدمات، بل بتوفير خدمات يقبلها الناس ويثقون بها. والتمويل الإسلامي يفتح الباب أمام ملايين المصريين الذين يحجمون عن التعامل مع البنوك التقليدية لأسباب دينية، ليصبحوا جزءا فاعلا من المنظومة الاقتصادية.

الربط بالاقتصاد الحقيقي وتجنب الأزمات المالية

أحد أهم مزايا التمويل الإسلامي الاستراتيجية هو ارتباطه الوثيق بالاقتصاد الحقيقي، فالشريعة الإسلامية تحرّم المضاربات الوهمية والمشتقات المالية المعقدة التي كانت السبب الرئيسي للأزمات المالية العالمية المتكررة. كل تمويل إسلامي يجب أن يرتبط بأصل حقيقي، بمشروع إنتاجي، بسلعة ملموسة، أو بخدمة فعلية.

هذا المبدأ يحمي الاقتصاد من فقاعات المضاربة المدمرة، ويضمن أن تذهب الأموال إلى حيث تخلق قيمة حقيقية وفرص عمل وإنتاج. في عصر تتزايد فيه المخاطر المالية العالمية، يوفر التمويل الإسلامي درعا واقيا للاقتصاد المصري من الصدمات الخارجية، ويعزز استقراره ومرونته.

تحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة

التمويل الإسلامي ليس نظاما ماليا محايدا، بل هو أداة للعدالة الاجتماعية. فمن خلال مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، يتحول الممول من دائن يطالب بحقه بغض النظر عن نتائج المشروع، إلى شريك يتحمل المخاطر ويشارك في النتائج. هذا يخلق توازنا أعدل بين رأس المال والعمل، ويحد من تركز الثروة في أيدي قلة.

كما أن التمويل الإسلامي يوجه اهتماما خاصا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ولرواد الأعمال من خلال صيغ مرنة كالمضاربة والمشاركة، مما يساهم في خلق فرص عمل وتوسيع القاعدة الإنتاجية. والزكاة والقرض الحسن، كآليات متأصلة في المنظومة المالية الإسلامية، تضيف بعدا تكافليا يحد من الفقر ويعزز التماسك الاجتماعي.

جذب الاستثمارات من العالم الإسلامي

مصر بموقعها القيادي في العالم العربي والإسلامي وبعمقها الحضاري والديني تمتلك ميزة فريدة لجذب رؤوس الأموال الإسلامية الضخمة المتوفرة في دول الخليج وماليزيا وإندونيسيا وتركيا وغيرها. هذه الأموال تبحث عن فرص استثمارية تتوافق مع الشريعة، وتطمح للعمل في بيئة مستقرة ومنفتحة.

بناء منظومة تمويل إسلامي قوية وشفافة في مصر يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية هائلة يمكن توجيهها نحو مشاريع البنية التحتية، والصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا، وغيرها من القطاعات الحيوية. كما يمكن أن يجعل من مصر مركزا إقليميا للتمويل الإسلامي، مما يعزز دورها المالي والاقتصادي على المستوى العالمي.

تعزيز الابتكار والمرونة في المنتجات المالية

خلافا للاعتقاد الشائع بأن الضوابط الشرعية تقيد الإبداع، فإن التمويل الإسلامي يحفز الابتكار. فالتحدي المتمثل في تقديم حلول مالية حديثة ضمن إطار شرعي يدفع الفقهاء والماليين للتعاون في ابتكار أدوات ومنتجات جديدة، كالصكوك بأنواعها المتعددة، والصناديق الاستثمارية الإسلامية، والتأمين التكافلي، والمنصات الرقمية للتمويل الجماعي الإسلامي.

هذا الابتكار لا يثري القطاع المالي الإسلامي فحسب، بل يضيف للمنظومة المالية ككل خيارات أوسع وأكثر تنوعا، ويعزز قدرتها على تلبية احتياجات مختلف شرائح المجتمع وقطاعات الاقتصاد.

بناء منظومة اقتصادية أكثر أخلاقية واستدامة

في عصر يتزايد فيه الوعي العالمي بأهمية الاستثمار الأخلاقي والمسؤول، يبرز التمويل الإسلامي كنموذج رائد. فهو يحرّم تمويل الأنشطة الضارة بالمجتمع كصناعة الكحول والمخدرات والقمار والأسلحة المحرمة، ويشجع على الاستثمار في المشاريع النافعة والمستدامة.

هذا التوجه يتقاطع مع الاتجاهات العالمية نحو التمويل المستدام والاستثمار المسؤول اجتماعيا، مما يجعل التمويل الإسلامي جاذبا ليس فقط للمسلمين، بل لكل من يبحث عن استثمارات أخلاقية. كما أن تركيزه على العدل والشفافية ومنع الغرر (الغش) يبني ثقافة نزاهة في المعاملات المالية تنعكس إيجابا على الاقتصاد بأكمله.

تعزيز الاستقلالية الاقتصادية والسيادة المالية

الاعتماد الكبير على النظام المالي التقليدي، بما فيه من آليات الفائدة المركبة والاقتراض الربوي، يجعل الدول عرضة للضغوط الخارجية ويحد من حرية قرارها الاقتصادي. بناء منظومة تمويل إسلامي قوية يعزز الاستقلالية المالية، ويوفر بدائل للاقتراض التقليدي من خلال آليات كالصكوك والاستثمار المباشر والشراكات.

كما أن تطوير قطاع مالي إسلامي قوي يقلل من الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية ويخلق خيارات تمويلية متنوعة تخدم المصلحة الوطنية. وفي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، تصبح هذه الاستقلالية ضرورة استراتيجية لا ترفا اختياريا.

إن أهمية التمويل الإسلامي لنهضة مصر الاقتصادية تتجاوز البعد الديني لتشمل أبعادا اقتصادية واجتماعية واستراتيجية عميقة. والسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج للتمويل الإسلامي؟ بل: كيف نبني منظومة تمويل إسلامي قوية تكون في مستوى طموحات مصر وإمكانياتها؟

ثانيا: تجارب تاريخية ومعاصرة في التمويل الإسلامي

إن فهم التمويل الإسلامي لا يكتمل دون النظر في تجاربه عبر التاريخ، والتعلم من نماذجه المعاصرة الناجحة. فالتاريخ يقدم لنا دروسا عميقة حول كيف استطاعت الحضارة الإسلامية أن تبني منظومة اقتصادية متقدمة قائمة على مبادئ العدل والشفافية، بينما تقدم التجارب المعاصرة نماذج عملية يمكن الاستفادة منها وتكييفها مع الواقع المصري.

العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ودروس من التاريخ

- بيت المال المؤسسة المالية الرائدة

كان بيت المال في العصور الإسلامية الأولى أكثر من مجرد خزينة للدولة، بل كان مؤسسة مالية متكاملة تدير موارد الدولة وفق مبادئ الشفافية والعدالة. كان له دور محوري في تمويل المشاريع العامة، ودعم التجارة، ورعاية الفقراء والمحتاجين، وتحفيز النشاط الاقتصادي.

ما يميز بيت المال هو وضوح قواعده وشفافية إدارته والفصل الدقيق بين المال العام والخاص. كانت هناك آليات محكمة للرقابة والمحاسبة، وحرص شديد على أن تُنفق الأموال في وجوهها الشرعية المحددة. هذه المبادئ الإدارية والمالية كانت متقدمة على عصرها، وتشكل أساسا يمكن البناء عليه في تطوير المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة.

- المضاربة والشراكات التجارية

ازدهرت التجارة في العصر الإسلامي بفضل نظام المضاربة الذي كان يسمح لأصحاب رؤوس الأموال بالشراكة مع أصحاب الخبرة والجهد. فالتاجر الذي لا يملك رأس المال الكافي كان يجد من يموله على أساس المشاركة في الربح، والمستثمر الذي لا يملك الوقت أو الخبرة كان يجد من يعمل بماله مقابل نسبة متفق عليها.

هذا النظام خلق حركة تجارية واسعة امتدت من الصين شرقا إلى الأندلس غربا، وأسس لثقافة الشراكة والثقة المتبادلة. القوافل التجارية الإسلامية التي كانت تجوب العالم لم تكن مجرد نشاط تجاري، بل كانت تحمل معها منظومة قيم اقتصادية قائمة على الأمانة والعدل والوفاء بالعقود.

- الوقف نموذج للاستثمار الاجتماعي المستدام

يُعد الوقف من أعظم الابتكارات المالية في الحضارة الإسلامية، فهو آلية لتحويل الثروات الخاصة إلى منافع عامة دائمة، دون أن تفقد هذه الثروات قيمتها أو قدرتها على التجدد. الأوقاف مولت المساجد والمدارس والمستشفيات والطرق والجسور والمكتبات، وحتى رعاية الحيوانات الضالة.

ما يميز الوقف هو استدامته، فالأصل الموقوف يظل محفوظا، وعوائده تُنفق في وجوه البر المحددة، مما يضمن استمرار المنفعة عبر الأجيال. وقد أدار المسلمون الأوقاف بكفاءة عالية، وطوروا أساليب استثمارية متقدمة لتنمية أصولها وزيادة عوائدها. هذا النموذج يحمل دروسا عميقة لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في عصرنا الحاضر.

- الأسواق والصناعات نزاهة ونظام

اشتهرت الأسواق في المدن الإسلامية الكبرى بنظامها وشفافيتها. كان هناك نظام المحتسب الذي يراقب الأسعار والمعاملات ويمنع الغش والاحتكار، وكانت هناك قواعد صارمة لضمان العدل في البيع والشراء، ومنع الربا والغرر والتدليس.

هذه الثقافة التجارية القائمة على الأخلاق والنزاهة جعلت الأسواق الإسلامية مراكز جذب للتجار من كل أنحاء العالم، وساهمت في ازدهار اقتصادي غير مسبوق. الدرس المستفاد هو أن الأخلاق ليست عائقا أمام النمو الاقتصادي، بل هي محفز له ومعزز للثقة والاستقرار.

ماليزيا القصة الملهمة للنموذج المعاصر، من الاقتصاد الزراعي إلى مركز مالي إسلامي عالمي

تمثل ماليزيا أحد أنجح النماذج المعاصرة في بناء منظومة تمويل إسلامي قوية ومتطورة. فقد استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول من اقتصاد زراعي بسيط إلى مركز عالمي للتمويل الإسلامي، يحتضن أكبر سوق للصكوك الإسلامية، ويضم مؤسسات مالية إسلامية رائدة، ويستقطب استثمارات ضخمة من العالم الإسلامي وخارجه.

نجاح ماليزيا لم يأت صدفة، بل كان نتيجة استراتيجية واضحة وإرادة سياسية قوية. أنشأت الدولة إطارا تشريعيا وتنظيميا متكاملا للتمويل الإسلامي، يوازن بين الضوابط الشرعية ومتطلبات الحداثة والكفاءة. كما أسست مؤسسات متخصصة لوضع المعايير ومراقبة الالتزام الشرعي، مما عزز الثقة في المنتجات المالية الإسلامية.

تميزت ماليزيا بالابتكار المستمر في تطوير منتجات مالية إسلامية متنوعة تلبي احتياجات مختلف القطاعات. من الصكوك السيادية التي تمول مشاريع البنية التحتية، إلى صناديق الاستثمار الإسلامية المتخصصة، إلى منتجات التأمين التكافلي المبتكرة، إلى منصات التمويل الرقمي المتوافقة مع الشريعة.

هذا التنوع والابتكار جعل ماليزيا قدوة تحتذى، وأثبت أن التمويل الإسلامي قادر على المنافسة بل والتفوق على النظام المالي التقليدي في جوانب عديدة.

أدركت ماليزيا مبكرا أن نجاح التمويل الإسلامي يتطلب كوادر مؤهلة تجمع بين المعرفة الشرعية والخبرة المالية، لذلك استثمرت بكثافة في برامج التعليم والتدريب المتخصصة، وأنشأت جامعات ومعاهد تخرّج خبراء في التمويل الإسلامي، وجذبت علماء وخبراء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

هذا الاستثمار في رأس المال البشري كان أحد أهم عوامل النجاح، وأسس لصناعة مستدامة قائمة على المعرفة والكفاءة.

دول الخليج قوة رأس المال والطموح الاستراتيجي

استفادت دول الخليج من ثرواتها النفطية لبناء قطاع مالي إسلامي قوي. المصارف الإسلامية الخليجية أصبحت من بين الأكبر والأكثر تأثيرا عالميا، والصكوك الإسلامية أصبحت أداة تمويلية رئيسية للمشاريع الكبرى.

ما يميز التجربة الخليجية هو الجرأة في الاستثمار والطموح الاستراتيجي، فقد استخدمت هذه الدول التمويل الإسلامي ليس فقط لتلبية احتياجاتها المحلية، بل كأداة لتعزيز نفوذها الاقتصادي إقليميا وعالميا. كما أنها استثمرت في تطوير البنية التحتية المالية، من أسواق مالية متقدمة إلى أنظمة دفع حديثة إلى منصات رقمية مبتكرة.

إندونيسيا الشمول المالي عبر التمويل الإسلامي

مع أكبر عدد من المسلمين في العالم، تمثل إندونيسيا سوقا واعدة للتمويل الإسلامي. وقد ركزت التجربة الإندونيسية على الشمول المالي، أي إدماج الشرائح المحرومة من الخدمات المالية في المنظومة الاقتصادية عبر منتجات مالية إسلامية مبسطة وميسرة.

التمويل الأصغر الإسلامي، والتعاونيات المالية الإسلامية، والمنصات الرقمية للتمويل الجماعي، كلها نماذج ساهمت في تمكين الفقراء والشرائح محدودة الدخل اقتصاديا. هذا النموذج يحمل دروسا مهمة لمصر في كيفية استخدام التمويل الإسلامي كأداة لمكافحة الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.

تركيا الدمج الذكي بين التقليدي والإسلامي

طورت تركيا نموذجا فريدا يدمج بين النظام المالي التقليدي والإسلامي ضمن منظومة واحدة متكاملة. "بنوك المشاركة" التركية تعمل وفق المبادئ الإسلامية لكنها تتنافس بكفاءة مع البنوك التقليدية، وتستفيد من البنية التحتية المالية الموحدة.

هذا النموذج يثبت إمكانية التعايش والتكامل بين النظامين، وأن التمويل الإسلامي ليس بديلا يلغي الآخر، بل مكملا يثري المنظومة ويوسع خياراتها.

من كل هذه التجارب نستخلص دروسا محورية:

- الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية الواضحة هي نقطة الانطلاق، فكل النماذج الناجحة بدأت بقرار سياسي استراتيجي ودعم حكومي قوي.

- البنية التشريعية والتنظيمية المتكاملة ضرورية لنجاح واستدامة التمويل الإسلامي. لا يكفي السماح بوجود المؤسسات المالية الإسلامية، بل يجب توفير إطار قانوني واضح يحكم عملها.

- الاستثمار في التعليم والتدريب وبناء الكفاءات المتخصصة هو استثمار في المستقبل، فالتمويل الإسلامي يحتاج إلى خبراء يجمعون بين العلم الشرعي والمعرفة المالية.

- الابتكار والتطوير المستمر ضروري لمواكبة التغيرات وتلبية الاحتياجات المتجددة، والجمود والتقليد لن يحققا النجاح المنشود.

- التمويل الإسلامي يجب أن يكون شاملا وخادما لكل شرائح المجتمع، من الشركات الكبرى إلى المشروعات الصغيرة إلى الأفراد محدودي الدخل.

- التعاون الإقليمي والدولي يعزز القوة ويفتح فرصا أوسع، ومصر بموقعها وإمكانياتها يمكن أن تكون محورا لهذا التعاون.

ورغم أن التجارة المعاصرة لا تخلو من انتقادات لعدم وصولها للمثال والنموذج الذي يجب أن يحتذى، إلا إن التاريخ والحاضر يقدمان لنا شواهد واضحة على أن التمويل الإسلامي ليس حلما طوباويا، بل واقع قابل للتحقيق عندما تتوفر الإرادة والرؤية والعمل الجاد. والسؤال الآن: كيف يمكن لمصر أن تستفيد من هذه الدروس لبناء منظومتها الخاصة؟

وفي المقال اللاحق -إن شاء الله- سنقدم استراتيجيات بناء منظومة التمويل الإسلامي وتحدياته وحلولها.
التعليقات (0)

خبر عاجل