30-
التمويل الذكي والتكنولوجيا المالية الإسلامية
في
عصر تتسارع فيه وتيرة التحول
الرقمي بشكل غير مسبوق، حيث تُحدث
التكنولوجيا المالية
ثورة حقيقية في طريقة تعاملنا مع المال والاستثمار والتجارة، يقف الاقتصاد الإسلامي
أمام لحظة تاريخية فارقة، إما أن يكون شريكا فاعلا في صناعة هذا المستقبل، أو أن يظل
متفرجا على هامش الثورة الرقمية.
المفارقة
الجميلة أن المبادئ الإسلامية في التمويل -التي عُرفت منذ قرون بالشفافية والعدالة
والربط بين المال والأصول الحقيقية- تتقاطع بشكل مدهش مع متطلبات العصر الرقمي الذي
يبحث عن نماذج مالية أكثر أمانا واستقرارا وأخلاقية، خاصة بعد الأزمات المالية العالمية
المتتالية التي كشفت هشاشة النظام المالي التقليدي.
ولم
تعد التكنولوجيا المالية مجرد أدوات تقنية باردة، بل أصبحت جسرا ذكيا يمكن أن يحمل
القيم الإسلامية إلى ملايين البشر حول العالم بسرعة فائقة وتكلفة أقل وشفافية أكبر.
تقنية البلوكتشين تضمن الشفافية المطلقة، ومنصات التمويل الجماعي الإسلامية تُمكّن
الأفراد العاديين من المشاركة في مشاريع تنموية حقيقية، بينما تطبيقات الذكاء الاصطناعي
تجعل الخدمات المالية الإسلامية متاحة لأبسط مواطن في أبعد قرية.
في
هذا المقال نستكشف المنطقة الرمادية الواعدة التي يلتقي فيها الإبداع التكنولوجي بالأصالة
الشرعية، حيث نطرح أسئلة جوهرية: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُعيد صياغة التمويل الإسلامي
وتجعله أكثر تنافسية وانتشارا؟ ما هي التحديات الفقهية والتقنية وغيرها التي تواجه
هذا التزاوج بين القديم والجديد؟ وكيف يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي رائد في
مجال التكنولوجيا المالية الإسلامية؟ لأن المستقبل لن ينتظر أحدا، والفرصة متاحة الآن
لمن يجرؤ على الابتكار ضمن ثوابته، ويسبق الآخرين في بناء نظام مالي رقمي يجمع بين
قوة التكنولوجيا ونقاء المبدأ.
أهمية
التمويل الذكي والتكنولوجيا المالية الإسلامية لنهضة مصر الاقتصادية
كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُعيد صياغة التمويل الإسلامي وتجعله أكثر تنافسية وانتشارا؟ ما هي التحديات الفقهية والتقنية وغيرها التي تواجه هذا التزاوج بين القديم والجديد؟ وكيف يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي رائد في مجال التكنولوجيا المالية الإسلامية؟
عندما
نتحدث عن التمويل الذكي، فنحن لا نتحدث عن رفاهية تقنية أو إضافة هامشية للمنظومة المالية
القائمة، بل عن إعادة هيكلة جذرية لكيفية تدفق رأس المال في الاقتصاد المصري. التكنولوجيا
المالية الإسلامية تمثل نقطة التقاء فريدة بين ما تحتاجه مصر وما تمتلكه من إمكانات
كامنة.
الاقتصاد
المصري بكل ما يحمله من تحديات وفرص يعاني من فجوة تمويلية هائلة تعيق نموه. ملايين
المشروعات الصغيرة والمتوسطة تبحث عن تمويل ميسر، وملايين الشباب يحملون أفكارا ريادية
لكنهم يصطدمون بجدران بيروقراطية صلبة، وشرائح واسعة من المجتمع لا تزال خارج دائرة
الخدمات المالية الرسمية. في هذا السياق يأتي التمويل الذكي ليس كحل جزئي، بل كمنصة
شاملة قادرة على معالجة هذه التحديات المتشابكة دفعة واحدة.
التكنولوجيا
المالية تلغي الحواجز الجغرافية والزمنية، فتصل الخدمات المالية إلى أبعد قرية في الصعيد
أو سيناء بنفس الكفاءة التي تصل بها إلى قلب القاهرة. تخفض التكاليف التشغيلية بشكل
دراماتيكي، مما يجعل التمويل الصغير والأصغر مجديا اقتصاديا، سيتم تسريع عمليات التقييم
الائتماني باستخدام الذكاء الاصطناعي، فتحول ما كان يستغرق أسابيع إلى دقائق معدودة.
وعندما تُدمج كل هذه المزايا مع المبادئ الإسلامية للتمويل، ينشأ نموذج فريد يجمع بين
الكفاءة التقنية والعدالة الاجتماعية.
أحد
أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري هو استبعاد شرائح واسعة من السكان من المنظومة
المالية الرسمية. وفق الإحصاءات لا يزال أكثر من 60 في المئة من المصريين خارج دائرة
الخدمات المصرفية التقليدية، وهذا يعني أن طاقات هائلة ومدخرات ضخمة تظل مجمدة خارج
الدورة الاقتصادية الرسمية، بل وتُستنزف أحيانا في قنوات غير منتجة أو حتى مشبوهة.
التمويل
الذكي وتحديدا المنصات الرقمية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية تقدم حلا عبقريا لهذه
المعضلة. فالمواطن البسيط الذي كان في قرية نائية محروما من الخدمات المصرفية بسبب
بعد المسافة أو تعقيد الإجراءات أو عدم توافر الضمانات التقليدية؛ يستطيع -عبر هاتفه
الذكي- الحصول على تمويل إسلامي لمشروعه الصغير، أو الادخار في صكوك استثمارية، أو
المشاركة في تمويل جماعي لمشروعات تنموية.
هذا
الشمول المالي ليس مجرد إحسان اجتماعي، بل هو محرك اقتصادي بالغ القوة. عندما تتمكن
فلّاحة في الصعيد من الحصول على تمويل مرابحة سريع لشراء مستلزمات إنتاجية فهي لا تحسّن
دخلها فقط، بل تزيد الإنتاج الزراعي وتخلق فرص عمل وترفع الناتج المحلي الإجمالي، عندما
يستطيع حرفي في الأقصر الحصول على تمويل إجارة لشراء معدات جديدة عبر منصة رقمية فهو
يطور صناعته ويزيد صادراته المحتملة، وعندما تتمكن امرأة معيلة في الإسكندرية من فتح
حساب رقمي والحصول على تأمين تكافلي عبر تطبيق على هاتفها فهي تدخل الاقتصاد الرسمي
وتصبح جزءا من قاعدة بيانات ائتمانية تفتح لها آفاقا مستقبلية.
الأهم
من كل ذلك أن التكنولوجيا المالية الإسلامية تحل إشكالية أخلاقية عميقة ظلت تؤرق كثيرا
من المصريين، هي كيف أستفيد من الخدمات المالية الحديثة دون الوقوع في المحظور الشرعي؟
المنصات الرقمية المتوافقة مع الشريعة تزيل هذا الحاجز النفسي والديني، فتفتح الباب
واسعا أمام ملايين المصريين المتدينين للانخراط في الاقتصاد الرسمي دون صراع داخلي
بين المصلحة والقيم.
كما
إن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث، وفي مصر تحديدا،
تمثل هذه المشروعات أكثر من 80 في المئة من إجمالي المشروعات الاقتصادية، وتوظف نحو
75 في المئة من القوى العاملة، لكن المفارقة المؤلمة أن هذه المشروعات تحصل على أقل
من 5 في المئة من التمويل المصرفي الإجمالي. هذا الخلل البنيوي يخنق الطاقة الإنتاجية
للاقتصاد المصري ويحرمه من محرك نمو أساسي.
تتجلى
عبقرية التمويل الذكي في أن المنصات الرقمية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقييم الجدارة
الائتمانية بسرعة فائقة وتكلفة ضئيلة معتمدة على بيانات بديلة: سجلّ المعاملات على
الهاتف المحمول، نشاط وسائل التواصل الاجتماعي، أنماط الشراء الإلكتروني، تقييمات العملاء.
هذا يعني أن الشاب الذي يدير متجرا صغيرا على فيسبوك أو يقدم خدمة توصيل عبر تطبيق،
والذي كان مستبعدا تماما من التمويل التقليدي، يمكنه الآن الحصول على تمويل مرابحة
أو مشاركة متناهية الصغر بناء على أدائه الرقمي.
منصات
التمويل الجماعي الإسلامية تقدم بُعدا آخر أكثر ثورية: تحويل المدخرات الصغيرة لملايين
المواطنين إلى رأس مال استثماري منتج. فبدلا من أن تظل مدخرات الطبقة المتوسطة حبيسة
حسابات التوفير ذات العائد المحدود، أو تُهدر في استهلاك غير منتج، يمكن توجيهها -عبر
منصات رقمية شفافة ومتوافقة مع الشريعة- لتمويل آلاف المشروعات الصغيرة الواعدة. هذا
يخلق دورة اقتصادية حميدة؛ رأس مال يجد فرصة استثمارية، ومشروع ناشئ يجد التمويل الذي
يحتاجه، ومستثمر صغير يحصل على عائد عادل، والاقتصاد الوطني يتمتع بمزيد من الإنتاجية
والتشغيل.
والأهم
أن التمويل الإسلامي الرقمي يقدم ميزة فريدة للمشروعات الصغيرة: المرونة والعدالة بدلا
من أعباء الفوائد الثابتة التي تخنق المشروع في مراحله الأولى، ونماذج المشاركة والمضاربة
الإسلامية تجعل المُمول شريكا حقيقيا يتحمل المخاطر ويقاسم الأرباح، مما يخفف الضغط
عن رائد الأعمال ويزيد فرص نجاح المشروع.
يُقدّر
حجم الأصول المالية الإسلامية عالميا بأكثر من 3.5 تريليون دولار، وينمو بمعدلات تفوق
10 في المئة سنويا. هذه ليست مجرد أرقام، بل تمثل قوة شرائية واستثمارية هائلة تبحث
عن فرص متوافقة مع الشريعة. دول الخليج وحدها تمتلك فوائض مالية ضخمة تبحث باستمرار
عن قنوات استثمارية آمنة ومتوافقة مع القيم الإسلامية، وماليزيا وإندونيسيا وتركيا
تتنافس على استقطاب هذه الأموال عبر تطوير منتجات مالية إسلامية مبتكرة.
مصر
بموقعها الجغرافي الاستراتيجي وعمقها الحضاري والديني وسوقها الضخمة التي تتجاوز 105
ملايين نسمة، وبنيتها التحتية المتطورة، تمتلك كل المقومات لتصبح مركزا إقليميا للتمويل
الإسلامي الرقمي. لكن هذه المقومات تظل كامنة غير مفعّلة دون منظومة تكنولوجية مالية
إسلامية متطورة تستطيع التنافس عالميا.
تطوير
منصات رقمية للصكوك الإسلامية -مثلا- يمكن أن يجذب مليارات الدولارات من المستثمرين
الإسلاميين حول العالم لتمويل مشروعات البنية التحتية المصرية، هذه الصكوك الرقمية
تتيح للمستثمر الخليجي أو الماليزي أو التركي المشاركة في تنمية مصر بضغطة زر، مع ضمان
التوافق الشرعي والشفافية الكاملة التي توفرها تقنية البلوكتشين.
منصات
التمويل الجماعي العقاري الإسلامية يمكن أن تجذب مدخرات ملايين المصريين العاملين في
الخارج -الذين يحولون أكثر من 30 مليار دولار سنويا- لتمويل مشروعات عقارية وطنية،
بدلا من تجميد هذه الأموال في حسابات بنكية أو إنفاقها استهلاكيا. التكنولوجيا المالية
الإسلامية توفر لهم فرصة للمشاركة في تنمية وطنهم والحصول على عوائد معقولة، وفي نفس
الوقت توجه هذه المليارات نحو قطاعات إنتاجية تخلق قيمة مضافة حقيقية.
المحافظ
الاستثمارية الرقمية المتوافقة مع الشريعة، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإدارة المخاطر
وتنويع الاستثمارات تلقائيا، يمكن أن تستقطب شريحة ضخمة من المستثمرين الإسلاميين الذين
يبحثون عن حلول استثمارية احترافية وميسرة. هذه الأدوات كانت حكرا على كبار المستثمرين،
لكن التكنولوجيا تجعلها متاحة للجميع بتكلفة رمزية.
أحد
أخطر معوقات النمو الاقتصادي في مصر هو ضعف الشفافية في المعاملات المالية، وانتشار
الاقتصاد غير الرسمي، والفساد الإداري في بعض المؤسسات المالية. التكنولوجيا المالية،
وتحديدا تقنية البلوكتشين، تقدم حلا جذريا لهذه المشكلة المزمنة.
البلوكتشين
-أو سلسلة الكتل- هي تقنية تسجيل رقمي لامركزي يستحيل التلاعب به؛ كل معاملة مالية
تُسجل بشكل دائم وشفاف، ويمكن لأي طرف معني تتبعها والتحقق منها. هذا يعني أن القرض
الإسلامي الذي يُمنح لمشروع صغير، يمكن تتبع كل جنيه منه: من أين جاء، وإلى أين ذهب،
وكيف استُخدم. هذه الشفافية المطلقة تقضي على الفساد والوساطة والعمولات الخفية التي
كانت تلتهم جزءا كبيرا من التمويل قبل أن يصل إلى صاحب المشروع الحقيقي.
هذه
الشفافية لا تحمي المستثمر والمستفيد فقط، بل تعزز ثقة المجتمع الدولي في الاقتصاد
المصري. المؤسسات المالية العالمية ووكالات التصنيف الائتماني تضع الشفافية ومكافحة
غسل الأموال على رأس معاييرها، وعندما تتبنى مصر منظومة تكنولوجية مالية إسلامية شفافة
ومتتبعة، فإنها ترسل رسالة قوية للعالم: الاقتصاد المصري أصبح أكثر موثوقية واحترافية،
وهذا بدوره يحسّن التصنيف الائتماني ويخفض تكلفة الاقتراض الخارجي ويجذب الاستثمارات
الأجنبية.
التكنولوجيا
المالية عموما والإسلامية خصوصا ليست مجرد وسيلة لتحسين الخدمات المالية المحلية، بل
تمثل قطاعا اقتصاديا واعدا في حد ذاته. الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية
تُقيّم بمليارات الدولارات، وتخلق آلاف الوظائف عالية القيمة، وتصدّر خدماتها لأسواق
إقليمية ودولية.
مصر
تمتلك كل المقومات لتصبح مركزا إقليميا لصناعة التكنولوجيا المالية الإسلامية: قاعدة
ضخمة من الشباب المتعلم والموهوب في مجالات البرمجة والتكنولوجيا، وسوق محلية كبيرة
تتيح تجريب واختبار المنتجات الجديدة، وقرب جغرافي من أسواق ضخمة في الخليج وأفريقيا،
وبنية تحتية رقمية متطورة نسبيا.
إذا
استثمرت الدولة في هذا القطاع -عبر تشريعات داعمة وحاضنات أعمال متخصصة وشراكات بين
القطاعين العام والخاص وبرامج تدريبية متقدمة- يمكن أن تظهر في مصر خلال سنوات قليلة
عشرات الشركات الناشئة التي تطور حلولا تكنولوجية مالية إسلامية مبتكرة، تخدم السوق
المصري أولا، ثم تتوسع لخدمة 1.8 مليار مسلم حول العالم.
تخيّل
شركة مصرية ناشئة تطور تطبيقا للمحفظة الرقمية الإسلامية، يتيح للمستخدم إدارة أمواله
والحصول على تمويل إسلامي، والاستثمار في صكوك، ودفع الزكاة، والمشاركة في التمويل
الجماعي، كل ذلك عبر واجهة بسيطة باللغة العربية. هذا التطبيق يمكن أن يخدم ليس فقط
المصريين، بل مئات الملايين في السودان والعراق والجزائر والمغرب وإندونيسيا وباكستان.
تخيل
منصة مصرية للصكوك الرقمية تستخدم البلوكتشين لإصدار وتداول صكوك إسلامية بكفاءة وشفافية
غير مسبوقتين، تجذب مليارات الدولارات من المستثمرين الإسلاميين حول العالم لتمويل
مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة في مصر والمنطقة.
تخيل
نظاما مصريا للتقييم الائتماني الإسلامي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتقييم المخاطر وفق
معايير شرعية ويُصدّر خدماته لبنوك ومؤسسات مالية إسلامية في العالم أجمع.
التمويل
الإسلامي بطبيعته متوافق بشكل عميق مع مفهوم التنمية المستدامة، فالمبادئ الإسلامية
تحرّم الإضرار بالبيئة، وتدعو للعدالة الاجتماعية. الصكوك الخضراء الرقمية، على سبيل
المثال، يمكن أن تموّل مشروعات الطاقة المتجددة والنقل النظيف ومعالجة المياه، ومنصات
التمويل الجماعي الإسلامية يمكن أن تدعم المشروعات الزراعية المستدامة والصناعات الصديقة
للبيئة، والمحافظ الاستثمارية الإسلامية المسؤولة اجتماعيا يمكن أن توجه رؤوس الأموال
نحو الشركات الملتزمة بمعايير بيئية واجتماعية وحوكمة صارمة.
التكنولوجيا
المالية الإسلامية أيضا تساهم في تحقيق العدالة الاجتماعية. نظام الزكاة الرقمي، الذي
يجمع ويوزع الزكاة بشفافية وكفاءة، يمكن أن يكون أداة قوية لمكافحة الفقر وتقليل الفجوة
بين الطبقات، ومنصات التأمين التكافلي الرقمية توفر حماية اجتماعية ميسرة للفئات الضعيفة،
وبرامج التمويل الأصغر الإسلامية تمكّن المرأة والشباب والفئات المهمشة من تحسين أوضاعهم
الاقتصادية.
أحد
أهم عوامل نجاح أي سياسة اقتصادية هو توافقها مع قيم المجتمع وهويته الثقافية. مصر
مجتمع محافظ يعتز بهويته الإسلامية، وشريحة واسعة من المصريين تفضل التعامل وفق الضوابط
الشرعية؛ التكنولوجيا المالية الإسلامية تحل هذه الإشكالية بأناقة. عندما يعلم المواطن
أن المنصة الرقمية التي يستخدمها تعمل وفق ضوابط شرعية، وأن كل معاملة معتمدة من هيئة
رقابة شرعية مستقلة فإنه يتعامل معها براحة ضمير وثقة كاملة، وهذا يكسر الحاجز النفسي
الذي كان يمنع الكثيرين من الاستفادة من الخدمات المالية الحديثة.
الأهم
من ذلك أن التمويل الإسلامي الرقمي يعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية.
الشفافية التي توفرها التكنولوجيا والرقابة الشرعية المستقلة والعدالة المتأصلة في
نماذج التمويل الإسلامي (المشاركة في الربح والخسارة بدلا من الفوائد الثابتة)، كل
هذا يخلق علاقة جديدة قائمة على الثقة والشراكة بدلا من الريبة والاستغلال.
التمويل
الذكي والتكنولوجيا المالية الإسلامية ليسا مجرد أدوات تقنية إضافية، بل يمثلان تحولا
نوعيا في طريقة عمل الاقتصاد المصري. هما المفتاح لحل معضلات مزمنة: الشمول المالي،
وتمويل المشروعات الصغيرة، وجذب الاستثمارات، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية،
والتوافق مع الهوية الإسلامية.
تجارب
الدول في التمويل الذكي والتكنولوجيا المالية الإسلامية
عندما
ننظر إلى الخريطة العالمية للتكنولوجيا المالية الإسلامية نجد تجارب ملهمة تستحق الدراسة
والاستفادة منها، دون أن ننسى أن لكل دولة ظروفها الخاصة وسياقها الفريد، لكن الدروس
المستفادة من هذه التجارب يمكن أن تختصر على مصر سنوات من التجريب والخطأ وتضعها على
المسار الصحيح منذ البداية.
ماليزيا
لم تصبح المركز العالمي للتمويل الإسلامي بالصدفة بل عبر استراتيجية واضحة وإرادة سياسية
قوية. منذ الثمانينيات اتخذت قرارا استراتيجيا بأن تكون رائدة عالميا في هذا المجال،
اليوم كوالالمبور تستضيف أكبر سوق للصكوك الإسلامية في العالم، وتُصدر ماليزيا وحدها
أكثر من 60 في المئة من إجمالي الصكوك العالمية.
التمويل الذكي والتكنولوجيا المالية الإسلامية ليسا مجرد أدوات تقنية إضافية، بل يمثلان تحولا نوعيا في طريقة عمل الاقتصاد المصري. هما المفتاح لحل معضلات مزمنة: الشمول المالي، وتمويل المشروعات الصغيرة، وجذب الاستثمارات، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتوافق مع الهوية الإسلامية
الدرس
الماليزي الأهم هو الجمع بين التشريع والابتكار. أنشأت ماليزيا هيئة رقابية مستقلة
للخدمات المالية الإسلامية، وطورت معايير شرعية موحدة تمنح المستثمرين الثقة، وفي نفس
الوقت شجعت الابتكار التكنولوجي عبر إنشاء حاضنات التكنولوجيا المالية التي توفر بيئة
تجريبية آمنة للشركات الناشئة.
منصة
"MyWakaf"
الماليزية مثال عملي على كيفية توظيف التكنولوجيا لإحياء مؤسسات إسلامية تقليدية. فعبر
تطبيق بسيط على الهاتف يستطيع أي مواطن التبرع للوقف الإسلامي وتتبع كيفية استثمار
أمواله والاطلاع على المشاريع الممولة من الأوقاف؛ النتيجة: تضاعفت مساهمات الأوقاف
خلال ثلاث سنوات فقط.
دبي
وأبو ظبي نجحتا في تحويل نفسيهما إلى مراكز عالمية للتكنولوجيا المالية عبر استراتيجية
مختلفة: خلق بيئة تشريعية مرنة ومحفزة. فقد أطلقت الإمارات مناطق حرة متخصصة
في التكنولوجيا المالية تقدم تسهيلات ضريبية وإجرائية غير مسبوقة، وجذبت بذلك مئات
الشركات الناشئة من حول العالم.
مصرف
الإمارات الإسلامي كان رائدا في تطبيق تقنية البلوكتشين في إصدار الصكوك الرقمية، مما
خفض تكلفة الإصدار بنسبة 40 في المئة وقلص المدة الزمنية من أسابيع إلى ساعات. بنك
دبي الإسلامي طور تطبيقات ذكاء اصطناعي لتقييم الجدارة الائتمانية الشرعية، فزادت قاعدة
عملائه بنسبة 35 في المئة خلال عامين.
المنظم
الإماراتي لم يكتفِ بالتسهيلات، بل أطلق صندوق الحماية التجريبية الذي يسمح للشركات
الناشئة بتجريب منتجاتها المبتكرة في بيئة خاضعة للرقابة دون خوف من العقوبات التنظيمية،
مما شجع الابتكار الجريء.
رؤية
السعودية 2030 وضعت التحول الرقمي في صميم استراتيجيتها الاقتصادية. ففي مجال التكنولوجيا
المالية الإسلامية، اتبعت المملكة نهج التحول السريع والشامل.منصة
إحكام الحكومية لإدارة الزكاة رقميا جمعت خلال عامين أكثر من 8 مليارات ريال، ووزعتها
بشفافية كاملة عبر تقنية البلوكتشين.
البنك
المركزي السعودي أطلق مختبر التكنولوجيا المالية الذي يتعاون مع الشركات الناشئة لتطوير
حلول مبتكرة متوافقة مع الشريعة؛ النتيجة ظهور عشرات المنصات الرقمية للتمويل الإسلامي
الصغير والمحافظ الإلكترونية والاستثمار الآلي الشرعي.
إندونيسيا
بـ270 مليون نسمة معظمهم مسلمون تمثل سوقا هائلة للتكنولوجيا المالية الإسلامية. فرغم
التحديات نجحت في بناء منظومة قوية عبر الاستفادة من حجم السوق، ومنصات التمويل الجماعي
الإسلامية الإندونيسية مثل "Investree"
و"Ammana" موّلت أكثر من 50 ألف مشروع صغير خلال
خمس سنوات.
الدرس
الإندونيسي: لا تنتظر الكمال التشريعي، ابدأ بما هو متاح واستفد من حجم الطلب لتطوير
الخدمة تدريجيا. بدأت المنصات الإندونيسية بنماذج بسيطة ثم طورتها بناء على ملاحظات
المستخدمين واحتياجات السوق.
الدروس
المستفادة لمصر من هذه التجارب
- الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية الواضحة هي نقطة الانطلاق؛
ماليزيا والإمارات والسعودية لم تترك الأمر للعفوية بل وضعت استراتيجيات وطنية واضحة
بأهداف محددة وجداول زمنية.
- التشريعات المرنة والمحفزة أساسية؛ لا يمكن للابتكار أن يزدهر في
بيئة قانونية جامدة أو غامضة، فالمنظمون الناجحون وازنوا بين حماية المستهلك وتشجيع
الابتكار.
- التعاون بين القطاعين العام والخاص ضروري؛ الحكومة توفر البنية التحتية
والتشريعات والحوافز، والقطاع الخاص يقدم الابتكار والتمويل والتنفيذ.
- البنية التحتية الرقمية والكوادر البشرية المؤهلة أساس النجاح؛ استثمرت
كل هذه الدول بكثافة في الإنترنت عالي السرعة، والخدمات السحابية، وبرامج تدريب المطورين
والمبرمجين.
- الصبر الاستراتيجي مطلوب؛ لم تبنِ هذه الدول منظوماتها في عام أو
عامين، بل عبر جهد تراكمي مستمر، لكن النتائج الإيجابية بدأت تظهر بسرعة نسبية حالما
توفرت المقومات الأساسية.
نتناول
في المقال القادم -إن شاء الله- استراتيجيات التمويل الذكي وتحدياته.