في السادس من يناير سنة 1946م ولد الإمام
الأكبر الشيخ أحمد الطيب، ويبلغ بذلك عامه الثمانين بالميلادي، وبالهجري يزداد عن
ذلك ما يقرب من ثلاث سنوات، أمد الله في عمره، وأحسن عمله، وطوال هذه الثمانين
عاما، والتي ملأها عطاءً، وكذلك ملئت ـ سنواته الأخيرة مع عطائه ـ جدلا، حول شخصه،
وحول مواقفه كذلك.
مصدر الجدل حول شخصية الطيب، هو نفس المصدر
حول عطائه، وهو توليه مشيخة الأزهر، ولعل مما لم يعلن من قبل في وسيلة من الوسائل،
ما سوف أرويه هنا في هذا المقال، حول تفاصيل غير معلومة عن الطريقة التي تولى بها
المشيخة، فقد تولى الطيب أولا: الإفتاء في
مصر، وقد كان مرشحا من قبل
شيخ الأزهر
الراحل الشيخ محمد سيد طنطاوي.
ولكي نفهم طبيعة وسر اختيار الطيب للإفتاء،
فقد كان طنطاوي مفتيا لمصر، وكان شيخ الأزهر آنذاك الشيخ جاد الحق علي جاد الحق،
وقد كان طنطاوي مختلفا اختلافا كبيرا مع جاد الحق وبخاصة في القضايا التي ذات
علاقة بالسلطة، وكان على رأسها قضية: فوائد البنوك، والتي كان مجمع البحوث
الإسلامية، ولجنة الفتوى بالأزهر، انتهت في رأيها بالتحريم، ثم تحت ضغوط السلطة،
عندما تولى طنطاوي الإفتاء، رضخ لذلك، وأصدر فتواه المعروفة بحل فوائد البنوك،
ودارت معركة طويلة الأمد، كانت جل منابر الأزهر ضد فتوى طنطاوي، ومع فتوى جاد الحق
وجمهرة علماء الأزهر، وجل منابر السلطة مع فتوى الجواز.
الأيام أثبتت أن الرجل تولى المنصب، وحفظ له هيبته ومقامه، وحفظ للأزهر ـ كمؤسسة، ومنهج، وتلاميذ، ومعهد علمي ـ مقامه ومكانته، ووقف ـ ولا يزال ـ سدا منيعا أمام استهداف المشيخة، وأن جل انتقادات المنتقدين من المخلصين، هي أنها ترى أنه بوسعه أن يفعل كثيرا للأمة والمشيخة، أكثر مما يفعل،
ولما توفي جاد الحق، ولطبيعة مبارك، والذي
كانت لديه حساسية في التعامل مع الشيخ جاد الحق، والذي كان والد مبارك عاملا في
المحكمة، وكان ممن عمل معهم جاد الحق حين كان في القضاء، وظل هذا الموقف حاجزا
وهيبة لدى مبارك من جاد الحق، وحاول البعض الوقيعة بينهما، لكنه اكتشف أن الرجل
ليس صاحب طموح شخصي، بل يحافظ على هيبة مشيخة الأزهر.
وحين جاء بطنطاوي كان يمكن أن تقف به
المناصب عند الإفتاء، لكن مبارك وسلطته جازفت وأتت بطنطاوي شيخا للأزهر رحمه الله،
ولأن طنطاوي لم يتهيأ مطلقا لا من حيث الحياة الخاصة، ولا العامة، للمناصب العامة
والتعامل معها، فقد كان يضع السلطة في حرج شديد في مواقف عدة، وقد كان رئيس ديوان
الجمهورية الدكتور زكريا عزمي في مواقف عدة يلملم وراء طنطاوي.
إضافة إلى أن ضعف طنطاوي ككبير المؤسسة
الدينية الإسلامية، كان يرفع من كفة المؤسسة الدينية الأخرى، وهو البابا شنودة،
مما دعا شنودة في بعض مواقف أن يتعامل باستخفاف بطنطاوي، وهو ما نقل أكثر من مرة
للرئاسة، وقد كانت دولة مبارك لا تحب أن ترتفع كفة على الأخرى في المؤسسات
الدينية، خاصة في ظل التوترات التي تحتفظ بها بعض مؤسسات الدولة مع بعض طموحات
شنودة، في خطاباته، وفي توجهاته.
توفي طنطاوي فجأة، في زيارة له للملكة
العربية السعودية، ودفن بالبقيع، وكان الطيب قد غادر منصب الإفتاء، لمنصب رئيس
جامعة الأزهر، وبذلك ابتعد قليلا عن المناصب الدينية البحتة، وذهب لمنصب يرى أنه
الأليق بشخصيته وطبيعته، وهو طبيعة الأكاديمي والباحث، في محراب العلم، في الحرم
الجامعي، وإن سبب له المنصب أيضا جدلا مع جماعة الإخوان المسلمين، فيما عرف بالعرض
الرياضي، وهو ما أطلق عليه إعلام مبارك آنذاك: العرض العسكري.
لست أبتعد عما نتحدث عنه، وهو وصول الطيب
للمشيخة، وكيف كان ذلك؟ فكل هذه خلفيات مهمة تصل بنا لوصول الطيب للمشيخة، كان
أمام مبارك وسلطته الاختيار بين أكثر من مرشح، فقد تعرضوا لمشكلة وقت اختيار جاد
الحق بعد وفاة الشيخ بيصار رحمه الله، وقد كان غالب من يتولون المنصب يحملون
الدكتوراه، فلما عرضت الترشيحات على مبارك، كانت جهات عدة تطعن في بعض المرشحين،
فخرج مبارك بعيدا عن ترشيحات الدكاترة، فذهب لشخصية كان مفتيا لمصر، وتربطه بوالده
علاقة سابقة، وهو جاد الحق.
ما حدث مع المرشحين وقت جاد الحق، هو ما حدث
تماما بعد وفاة طنطاوي، فقد رشحت الأجهزة أربعة شخصيات، كانوا كالتالي الدكاترة:
علي جمعة، وأحمد عمر هاشم، وأحمد الطيب، وعبد المعطي بيومي، وكان أقلهم حظا
الأخير، وشعر بأن علي جمعة بعلاقاته الأمنية يمكن أن يصل للمنصب، فسرب بحثا كتبه
جمعة يفتي فيه بكفر المسيحيين، ووصل البحث لشنودة، فشكا شنودة لمبارك ذلك، وقد علم
أن جمعة من المرشحين، فتم استبعاد جمعة، وبالتالي بيومي مستبعد.
بقي الأمر بين شخصيتين، عمر هاشم، والطيب،
بعد أن توفي طنطاوي مباشرة، أغلق الطيب هاتفه، وسافر إلى قريته في الصعيد، مخافة
أن يرشح للمنصب، ويتصلوا به، ويسبب ذلك حرجا له، فلما اتصلوا وجدوا هاتفه مغلقا،
وحاولوا مرارا، ثم وصلوا له عن طريق أحد أقاربه، فتعلل بأنه غير مستعد لذلك، وصحته
لا تناسبه، واعتذر وتعلل لذلك، فلما أخبروا مبارك بالأمر، قالوا: من الذي تهرب
واعتذر؟ فأخبروه بأنه الطيب، فطلب أن يوضع اسم الطيب في صدر قائمة المترشحين، وبعد
مساجلات ذكرت بعض تفاصيلها في مقال سابق، استقر الأمر على الطيب شيخا للأزهر.
كانت علاقة الطيب بالإخوان متوترة بعد حادث
الجامعة، وهو ما جعل النظرة إليه مختلفة، وليست على مسار واحد، وظلت هذه الحادثة
وما بعدها تحكمان العلاقة بينهما، فمن الإخوان من تعامل مع الطيب بعقلانية، وفتح
صفحة جيدة، وكان على رأس هؤلاء الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي كان وقتها عضوا
بمكتب الإرشاد، حين سئل الطيب عن الإخوان، فقال: لا أعرفهم، وليست لي بهم صلة.
فصرح أبو الفتوح: إذا كنت لا تعرفنا، فنحن نعرفك يا فضيلة الإمام، ونحترمك ونقدرك.
كانت هذه النظرة تمثل أكبر شرائح في
الجماعة، وأشهد أني كتبت مقالا هاجمت فيه شيخ الأزهر في موقف معين، كنت أدافع فيه
عن شيخي القرضاوي، فلقيني الدكتور محمد بديع مرشد الإخوان، بعد ثورة يناير، أي: في
وقت قوة الإخوان، لقيني غاضبا معاتبا، وهاجمني، ورددت عليه هجوما بهجوم، وشدة
بشدة، على مرأى ومسع من بعض قيادات مكتب الإرشاد، وكان جل كلامه: هذا شيخ الأزهر،
ولا يليق أن تخاطبه بهذه الطريقة، ولم يكن الرجل يكلمني أمام أحد محسوب على الطيب،
بل بين جماعته وقياداته، فلم يكن موقفا مصطنعا، بل يعبر عن نظرة لدى قيادات
الجماعة وقتها.
كانت علاقة الطيب بالإخوان متوترة بعد حادث الجامعة، وهو ما جعل النظرة إليه مختلفة، وليست على مسار واحد، وظلت هذه الحادثة وما بعدها تحكمان العلاقة بينهما، فمن الإخوان من تعامل مع الطيب بعقلانية، وفتح صفحة جيدة، وكان على رأس هؤلاء الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي كان وقتها عضوا بمكتب الإرشاد، حين سئل الطيب عن الإخوان، فقال: لا أعرفهم، وليست لي بهم صلة. فصرح أبو الفتوح: إذا كنت لا تعرفنا، فنحن نعرفك يا فضيلة الإمام، ونحترمك ونقدرك.
ونفس الموقف حدث من الأستاذ مصطفى مشهور، عن
طريق مسؤول كبير في الجماعة، جاء ليعاتب أحد مشايخ الجماعة الذين تركوها فيما بعد،
وكانت بينه وبين طنطاوي معركة، وصلت للمحاكم، يطلب منه الكف عن أي معركة مع شيخ
الأزهر، وأنه يعتبر أي موقف منه ضد المشيخة، سيعتبره موقفا ضد المرشد نفسه.
أردت أن أذكر بهذه التفاصيل، لأن معظم مواقف
الجدل المثارة حول الطيب، غالبها من هذه الجهة السياسية، فيما يتعلق بالجماعة
وأدائها السياسي، وفي علاقته بمبارك والسلطة من بعده، وأعتقد أن كثيرا من عقلاء
الجماعة بعد مراجعات، أدركوا أن الرجل لم يكن معاديا لهم، ولم يكن يتحرك عن سلطة
تدفعه، وهناك تفاصيل أخرى لا يتسع المقام لذكرها.
لكن الأيام أثبتت أن الرجل تولى المنصب،
وحفظ له هيبته ومقامه، وحفظ للأزهر ـ كمؤسسة، ومنهج، وتلاميذ، ومعهد علمي ـ مقامه
ومكانته، ووقف ـ ولا يزال ـ سدا منيعا أمام استهداف المشيخة، وأن جل انتقادات
المنتقدين من المخلصين، هي أنها ترى أنه بوسعه أن يفعل كثيرا للأمة والمشيخة، أكثر
مما يفعل، وعلى رأس هذه المواقف: غزة وما يجري فيها، وقضايا أخرى، وهو انتقاد نابع
من حبهم للمشيخة وشيخها، وربما غاب عن بعضهم ما لا يرونه، بحكم أنهم ليسوا في
المنصب، وهو ما أدركه الكثيرون حين تولوا مسؤوليات في الدول، فاكتشفوا أن الحكم من
خارج المنصب، غير الحكم من داخله، والتحديات مختلفة تماما.
للناس حق الانتقاد للمشيخة، والمطالبة بتحرك
فعال على مستويات عدة، فهو أمر مشروع، ولا تضيق به المشيخة، وهو مطلوب لتستدل به
المشيخة على طموحات الأمة، وعلى مؤاخذاتها على تباطؤ بعض مواقفها.
جرني الحديث عن الشيخ الطيب وتاريخ توليه
للمشيخة، عن الحديث عن بلوغه الثمانين، وما نرجوه منه فيما هو قادم، لكنه حديث لا
يبتعد عن ذلك كثيرا، وهو ما دفع الرجل للسعي نحو محاولة مأسسة المشيخة، والسعي إلى
ترسيخ ذلك، بعودة هيئة كبار العلماء، وعودة النشاط العلمي للمشيخة، نسأل الله
تعالى أن يرزقه عمرا مديدا، وعملا صالحا، ورفعة لدينه وأمته.
[email protected]