قضايا وآراء

معجم الدوحة التاريخي.. لماذا يحتاجه دارس الشريعة؟

عصام تليمة
أعلن رسميا عن اكتمال مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وتم افتتاح اكتماله، في حضور علمي بهيج، لعدد من أهل العلم والبحث، في العاصمة القطرية الدوحة..
أعلن رسميا عن اكتمال مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وتم افتتاح اكتماله، في حضور علمي بهيج، لعدد من أهل العلم والبحث، في العاصمة القطرية الدوحة..
شارك الخبر
أعلن رسميا عن اكتمال مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وتم افتتاح اكتماله، في حضور علمي بهيج، لعدد من أهل العلم والبحث، في العاصمة القطرية الدوحة، والتي نسب إليها المعجم، اعترافا بفضل سياستها، في تبنيها للمشروع، ومشاريع أخرى، تجلى فيها تمسكها بقيم الأصالة والعروبة، في زمن باتت فيه الحرب على اللغة ظاهرة واضحة لكل ذي عينين.

وفي ظل صرخات كل المختصين في اللغة العربية، من تهديد بات يغزو كل مجالات الحياة العربية، بدءا من شوارعها، وانتهاء بكل مرافقها الخاصة والعامة، وقد صرخ بالشكوى منذ شهور السيد عمرو موسى حين رأى لافتات المطاعم في جل شوارع القاهرة الكبرى، رآها كلها باللغة الإنجليزية، ولم يجد مكانا للغة البلد، ولا للغة أهلها، وكأنه يسير في أكبر شوارع بريطانيا لا القاهرة، والتي بها مجمع للغة، أطلق عليه مجمع الخالدين، والبلد الذي أخرج فطاحل اللغة والأدب، أصبحت اللغة العربية فيها لا ترقى للغة الثانية، بل لغة مهمشة ومهملة.

فضلا عن الإهمال الذي نراه في مراحل الدراسة العلمية، ليس في مصر وحدها، بل في جل العالم العربي والإسلامي، في وقت وجدنا اهتماما في بلاد العجم من المسلمين باللغة العربية، وحين صدر قرار من وزيرة التربية والتعليم في قطر السيدة لولوة الخاطر بتشكيل لجنة لتطوير تعليم القرآن واللغة العربية، وهو قرار خاص بدولة قطر ومدارسها، لقي القرار إشادة من المجتمع القطري والمعنيين باللغة والقرآن خارجها، كان يمكن لقرار لهذا أن يكون طبيعيا، لا ينال أدنى إشادة، في زمن كانت اللغة فيه مادة أصيلة، ومادة مرعية في مجالات الحياة الثقافية في بلداننا العربية، لكن نال ترحيبا وإشادة، لأنه جاء في زمن يتم إقصاء اللغة عن عمد وحرب مستمرة منذ عقود.

قيمة المعجم للباحثين في الشريعة

قدمت بهذه التقدمة لنعلم قيمة أن يصدر معجم بهذا الحجم مادة وموضوعا وقيمة، فكما أعلن الدكتور عزمي بشارة في كلمته أن مئات الباحثين من أكثر من 15 دولة، عملوا في المشروع، على مدار أكثر من عقد من الزمن، فهو جهد مضن، ولا يقدره إلا أهل البحث، الذين يعانون في البحث عن كلمة، وعن جذرها، وعن مجال استعمالها، ومدى تطور استعمال هذه الكلمة على مدار تاريخ استعمالها حتى العصر الحديث.

كتب كثيرون عن قيمة المعجم من حيث أثره وقيمته في مجال البحث اللغوي والأدبي، لكني ـ فيما أعلم ـ لم أجد من تناول أثره وقيمته في مجال البحث الشرعي، سواء على مستوى البحث في تفسير القرآن الكريم، أو السنة النبوية، أو شروحها، وكذلك على مستوى البحث الفقهي.

إن كثيرا من أخطاء من تعاملوا مع نصوص السنة نتج عن سوء فهم لمفرداتها، ويمكن أن يفيد المعجم في الحكم على نصوص حديثية، من حيث صحة أسانيدها، فإن من شروط صحة الحديث النبوي، أن تكون عبارة الحديث لغوية صحيحة، فإن تتبع المفردة في معجم الدوحة التاريخي، يفيد في نصوص تنسب للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تصح، وذلك لأن عبارة في الحديث لم يجر استعمالها في زمنه، وهنا يأتي أهمية مثل هذا المعجم في هذه المساحة.
فإذا كان المعجم يفيد دارس اللغة والأدب، في فهم نصوص العربية، وفهم معاني ألفاظها في زمن استخدامها وسياقاتها حتى العصر الحديث، فإن الفائدة ستكون أعم وأكبر، على دارس الشريعة بكل مستوياتها، فلو نظرنا على كتب التفسير ومفرداتهم، وتفسيرهم للمفردات القرآنية، فإن سياق المفردات وتطور المفردة، مهم في فهم النصوص، وإن كثيرا من الأفهام السقيمة للقرآن الكريم، ولنصوص المفسرين، نتج عن انفصال الباحث عن فهم السياق اللغوي لمفردات المفسر اللغوية.

ضرورته للباحث في السنة وفقه الراشدين

وهو ما نجده في شروح السنة النبوية، بل نصوصها، فإن كثيرا من أخطاء من تعاملوا مع نصوص السنة نتج عن سوء فهم لمفرداتها، ويمكن أن يفيد المعجم في الحكم على نصوص حديثية، من حيث صحة أسانيدها، فإن من شروط صحة الحديث النبوي، أن تكون عبارة الحديث لغوية صحيحة، فإن تتبع المفردة في معجم الدوحة التاريخي، يفيد في نصوص تنسب للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تصح، وذلك لأن عبارة في الحديث لم يجر استعمالها في زمنه، وهنا يأتي أهمية مثل هذا المعجم في هذه المساحة.

وهو ما يفيد كذلك في آثار تروى عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخصوصا ما يروى عن الخلفاء الراشدين، فإن من أشهر ما يذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ما أطلق عليه: العهدة العمرية، والتي تحوي نصوصا تضيق على غير المسلمين في معاملتهم، منها: أن يشدوا الزنار على وسطهم، فكان من أهم ما وجهه نقاد النص لسنده، أن هذه العبارة لم تكن مستعملة على عهد عمر، وهو ما أسهب في بيانه الدكتور صبحي الصالح رحمه الله في مقدمة تحقيقه لكتاب: (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، والذي سقط سقطة علمية كبيرة في حكمه على العهدة بأن قال: شهرتها تغني عن البحث عن سندها، وهو حكم عاطفي من الإمام ابن القيم رحمه الله على جلالة قدره وعلمه، لكن صبحي الصالح اللغوي والعلامة الفقيه، وضع مشرط الفقيه والباحث على النص المنسوب لعمر، ليحكم بعدم صحته، وكان من أهم ما استند إليه، غرابة بعض الألفاظ عن لغة عمر وزمنه، وهو ما يسهم فيه بلا شك معجم الدوحة بشكل أكثر خدمة.

أهميته للباحث الفقهي وعلم اجتماع الفتوى

وبالطبع لو ذهبنا للبحث الفقهي، ستكون الفائدة أعظم وأهم من معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، فإن كثيرا من أخطاء غير المتمكنين في البحث الفقهي، نابع عن عدم فهمهم للغة الفقهاء التي كانت في سياق مهم، والفصل بين هذا السياق يؤدي بهم إلى كوارث علمية، وقد رأينا كيف أن فتوى لابن تيمية نشرت لسنوات طويلة باسم: فتوى أهل ماردين، والتي حرفت فيها كلمة، فعاملوهم، إلى: فقاتلوهم، وعند العودة لنسخة مخطوطة دقيقة، اكتشفوا خطأ من نقل، ونتج عن ذلك أعمال عنيفة، استندت بجهل لكلام لم يصح نسبته لابن تيمية.

إذا كان المعجم يفيد دارس اللغة والأدب، في فهم نصوص العربية، وفهم معاني ألفاظها في زمن استخدامها وسياقاتها حتى العصر الحديث، فإن الفائدة ستكون أعم وأكبر، على دارس الشريعة بكل مستوياتها،
العودة للمعجم والإفادة من مفرداته ومصطلحاته، والسياق التاريخي لها، سيفيد الباحث الفقهي، في أمور عدة، منها: فهم علم اجتماع الفتوى، فإن جزءا لا يتجزء من فهم عقلية الفقيه وفتواه، وسياقها التاريخي، لغته ومفرداته، لا يدرك هذه الأهمية إلا من عانى في رد مصطلحات ومفردات جرى تحريفها، وبتحريفها حدث تغيير هائل في مثل مصطلح: الطاعة للأمراء، وبعد بحث طويل، اكتشفت أن المقصود به أمراء الحرب، لا أمراء السلم، وبالعودة للسياق التاريخي، لا نجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أمراء مدنيين، بل كانوا فقط أمراء حرب، وطبيعي أن أمير الحرب لا يعارض، لأن حالة الحرب في ساحة الوغى، ليست مجالا للمعارضة والمخالفة.

أستطيع أن أذكر نماذج كثيرة في سياق البحث الفقهي، ومدى خطورة انفصال الباحث عن سياق مفردات الفقهاء ومصطلحاتهم، والتي في أصلها مفردات لغوية، وهو ما استرعى انتباه كتاب وعلماء من قبل، في سياق آخر فرأينا: المصباح المنير للفيومي، وهو شرح غريب الشرح الكبير للرافعي الفقيه، فاستخرج المفردات من هذه المدونة الفقهية، وصنع منها قاموسا يشرحها.

وهناك محاولات معاصرة في نفس السياق السابق ذكره، مثل: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية للدكتور محمود عبد الرحمن في ثلاث مجلدات، ومعجم غريب الفقه والأصول للدكتور محمد إبراهيم الحفناوي، و: معجم لغة الفقهاء للدكتور محمد رواس قلعه جي، وفي لغة كتب الفقه الشيعي صدر: القاموس الجامع للمصطلحات الفقهية، للشيخ عبد الله عيسى الغديري.

لكن هذه الجهود متعلقة بمعاني ألفاظ، وهو جهد مشكور ومقدر، لكن ما قام به معجم الدوحة، هو جهد آخر مهم في فهم السياق التاريخي والاستعمال على مدار العصور، حتى العصر الحديث، وقد أردت أن أضرب نماذج لما يكن أن يسهم فيه المعجم في إفادة الباحث في العلوم الشرعية، وفي الإفاضة في الحديث والنماذج مجال كبير، لكن الاختصار هنا مطلوب لما يقتضيه مقام المقال، وفي هذه الإشارات ما يدل على قيمة وأهمية المعجم، فشكر الله لكل من كان له يد فيه، دولة، ومركزا، وباحثين، وكل من كان له جهد كبر أم صغر في هذا المشروع العملاق.

[email protected]
التعليقات (0)