محمد سعاد جلال فقيه كبير نعته الإعلام بمفتي البيرة!!

عصام تليمة
كان محمد سعاد جلال جريئا في طرحه، وكان كذلك غير هياب لما يعتنق من فكر، مهما خالفه الناس، وكان أثر آرائه وفكره وجرأته واضحا على عدد من الفقهاء الذين عاصروه..
كان محمد سعاد جلال جريئا في طرحه، وكان كذلك غير هياب لما يعتنق من فكر، مهما خالفه الناس، وكان أثر آرائه وفكره وجرأته واضحا على عدد من الفقهاء الذين عاصروه..
شارك الخبر
كثيرا ما ظلم الإعلام شخصيات علمية كبيرة، وقامات فقهية عز نظيرها في ساحتنا العلمية، من هؤلاء: الدكتور محمد سعاد جلال، وهو عالم أزهري كبير، وأصولي وفقيه لا يشق له غبار، وقد تداعت ذكريات ومواقف فقهية وعلمية وإعلامية عن الرجل، حين قرأت على صفحة الأزهر الشريف إعلانا عن المؤلفات الكاملة له، معروضة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، والذي افتتح أمس.

محمد سعاد جلال فقيه عز نظيره، لكنه ارتبط في أذهان أبناء الصحوة الإسلامية، والقراء بصفة عامة، بفتوى لم يفهم فحواها فقهيا صحيحة، بل راح من ليسوا من أهل الاختصاص العلمي يسخرون من الرأي، دون معرفة بالأساس الفقهي الذي استند إليه، بغض النظر عن التأييد أو المخالفة لرأيه، فقد نقل له من مختصين، أن مشروب البيرة غير مسكر، فراح يفتي وقتها بأنها ما دامت لا تسكر فليست محرمة.

محمد سعاد جلال فقيه عز نظيره، لكنه ارتبط في أذهان أبناء الصحوة الإسلامية، والقراء بصفة عامة، بفتوى لم يفهم فحواها فقهيا صحيحة، بل راح من ليسوا من أهل الاختصاص العلمي يسخرون من الرأي، دون معرفة بالأساس الفقهي الذي استند إليه، بغض النظر عن التأييد أو المخالفة لرأيه، فقد نقل له من مختصين، أن مشروب البيرة غير مسكر، فراح يفتي وقتها بأنها ما دامت لا تسكر فليست محرمة.
وبدل نقاش الرجل علميا، راحت بعض المجلات الإسلامية تضع العناوين الجاذبة للقارئ مع سخرية، كمجلة الاعتصام وغيرها، فكان العنوان في كل نقاش لكلام الرجل يلقب بما يلي: (مفتي البيرة)، وظل اللقب ملتصقا بالرجل كلما ذكر له رأي علمي، وهذه آفة الإعلام في بلادنا للأسف، حين يختزل علم الشخص أو حياته في رأي علمي، سواء كان صوابا أو خطأ، فيلقب عالم بأنه يسمع الست أي: أم كلثوم، وشيخ بلقب بمؤلف: الحلال والحلال في الإسلام، وهكذا، تتحول السخرية المبنية على غير أساس علمي، إلى نمط من التعامل، وينسى ما يقدم الرجل من علم، ويظل ما التصق به من سخرية، أو كلام عامي، لا يستند لدليل.

كنت أقرأ كلام هذه المجلات عن الرجل، وأنا أتصور الشيخ محمد سعاد جلال رجلا في مظهر معين، ثم صدمت حين رأيت كتب الرجل، ورأيت صورته، فعمامة كبيرة، ولحية طويلة كثة، وشكل مهيب، وعطاء علمي أصولي وفقهي ينم عن عقلية فقهية جبارة، وحضور كتابي في الصحف، فقد ظل يكتب في جريدة الجمهورية مقالا يوميا، بعنوان: قرآن وسنة، ظل ما يزيد عن عشرين عاما، يمارس الكتابة اليومية في جريدة ذائعة الصيت في مصر، منذ عام 1963م، وحتى وفاته سنة 1983م، إضافة لكتابة البحوث والمقالات الفقهية في كبرى المجلات العلمية، مثل: منبر الإسلام، والأزهر، والهلال في مصر، والمجتمع ، والوعي الإسلامي بالكويت، وغيرهم من الدوريات العلمية الكبرى.

كنت أطلع على مقالاته اليومية التي كتبها في جريدة الجمههورية، والتي اختار لها عنوان: قرآن وسنة، ليدلل على اقتران الوحيين بعضهما البعض، في زمن وجد من يفصل بينهما في الاستدلال والتطبيق والفهم، فأراد من العنوان أن يوصل رسالة للقائ بهذا المضمون.

وضرب بذلك مثالا معاصرا على قدرة العالم الأزهري على التعامل مع الإعلام، والكتابة المنتظمة بشكل ثابت يومي، يراعي في كتابته شروط المقال، أو العامود الصحفي، بما يدلل على عدم انعزال العالم عن وسائل نشر العلم، والوصول للناس عبر كل وسيلة نافعة، ومنها: الصحف، والتي كانت وقتها لها أثر كبير في نفوس القراء، ومتابعة دؤوبة من أهل الفكر والعلم.

ومما اشتهر أيضا عن الرجل ولم أجد عليه دليلا، ولكن الصديق الكاتب الصحفي سليم عزوز يصر على المعلومة، أن اسمه كان مدرجا ضمن كشوف عضوية حزب التجمع، أو أن له صلة بهذه الأحزاب، ولعل هذا مما تعمد إذاعته عنه العسكر، لأنه منع من الخطابة في مصر، لأنه طالب أكثر من مرة بابتعاد العسكر عن الحكم والحياة العامة والثقافية، وهو ما عرضه للتضييق والعنت من أهل الحكم.

وكان متأثرا ببعض عبارات زمانه، كالاشتراكية والحتمية، والرجعية، وهو ما عابه عليه بعض الكتاب، ودافع عنه الدكتور محمد الجوادي: (الشريعة في كلية الشريعة)، بأنه كان يقدم فكرا متقدما بما يوائم به بين الإسلام والحياة، دون تغيير لثوابت دينه، مع امتلاك حجج وبراهين لما يعرض من آراء.

كان محمد سعاد جلال جريئا في طرحه، وكان كذلك غير هياب لما يعتنق من فكر، مهما خالفه الناس، وكان أثر آرائه وفكره وجرأته واضحا على عدد من الفقهاء الذين عاصروه، ومن هؤلاء: الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله، والذي كان معجبا بشدة بطريقة جلال في الطرح والنقاش، والمنافحة عن آرائه بين جمع من العلماء ربما خالفه معظمهم، لكنه يعرض رأيه، دون تهيب، غير مبال بمن يخالفه، ما دام مستندا لدليل يدعم قوله، وحجج تدحض آراء مخالفيه.
كان محمد سعاد جلال جريئا في طرحه، وكان كذلك غير هياب لما يعتنق من فكر، مهما خالفه الناس، وكان أثر آرائه وفكره وجرأته واضحا على عدد من الفقهاء الذين عاصروه، ومن هؤلاء: الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله، والذي كان معجبا بشدة بطريقة جلال في الطرح والنقاش، والمنافحة عن آرائه بين جمع من العلماء ربما خالفه معظمهم، لكنه يعرض رأيه، دون تهيب، غير مبال بمن يخالفه، ما دام مستندا لدليل يدعم قوله، وحجج تدحض آراء مخالفيه.

وقد كتب مبكرا في السبعينيات من القرن العشرين، سلسلة مقالات في مجلة (الهلال) المصرية، ناقش فيها قضية الرجم، وعرض لها من زوايا لم يسبق إليها، من حيث الاستدلال الأصولي على نفي الرجم، ورغم أن الزمن آنذاك لم يكن هناك من يصدح بمثل هذه الآراء، لكنه لم يقلها مستترة، بل أعلن بها في ثلاث مقالات بحثية مطولة، دلت على جرأة طرحه، وعلى قوته معا.

وما قام به الأزهر بجمع تراث الرجل كله، هو جهد مشكور، يحمد للأزهر ويشكر، أن حافظ على تراث عمالقة فكره وفقهه، ويأتي في الصدارة منهم في العصر الحديث: محمد سعاد جلال، وقد قامت مشيخة الأزهر بجمع تراث آخرين من قبل، وحفظ بحوث ودراسات كادت أن تندرس وتضيع.

لكن المشيخة أسست: مكتب إحياء التراث الإسلامي، والذي لم يقف عند نشر التراث محققا فقط، بل اعتبر من هذا التراث ما خلفه علماء الأزهر الكبار من آثار، كادت أن تضيع، من بحوث كان مخطوطات، أو منشورة على نطاق ضيق، فأعادت نشره في ثوب قشيب، وإخراج ميسر، فجزى الله المشيخة والمكتب خيرا عن هذا التراث العظيم الذي عاد ليخرج للناس في ثوب مشوق، ورحم الله الدكتور محمد سعاد جلال الفقيه الأصولي الكبير.

[email protected]
التعليقات (0)