استهلال: حين
يصبح القرار مرآة تعكس الحقيقة
كما تعكس المرآة
الظلال ولا تعكس الحقيقة، تعكس الأسواق هنا قرارات الحاكم ولا تعكس صلابة المؤسسات،
فكل تحركٍ في الفائدة يبدو نقشا على الماء، سريع الزوال ومرآة لهشاشة البناء، وفي سوقٍ
صامتٍ تتهادى فيه الأرقام كأمواجٍ على شاطئ الثقة، تصبح القرارات النقدية أشبه بطلسم
يُقرأ على وجوه العملات أكثر من دفاتر
الاقتصاد.
تتماوج الأنهار
والحقول والغابات في
مصر، فتضيف للوحة من الإمكانات التي لا حدود لها، تُبيّن أن هذه
الأرض وُجدت لتكون قلبا نابضا بالحياة منذ آلاف السنين، يعلو صوتها بالاثنين، وتُكتب
فصول الأزمات فيها بحبر الاستجابة لا بحكمة الوقاية، وتُخط الحدود على خرائط الفساد
دون إصلاح. وعلى أبواب عام مضى وانقضى، وعام آت جديد، يصدر البنك المركزي قرارا يُحرّك
سعر الفائدة مئة نقطة، فلا يعود السؤال: أهو صعود أم هبوط؟ بل: أي يدٍ ضاقت بها الخيارات
حتى صارت القرارات مرايا تعكس هشاشة البناء المؤسسي، فتنعكس مباشرة على التضخم، والأسعار،
والسيولة في الأسواق؟
استدلال: مرايا القرار النقدي تعكس هشاشة الاقتصاد المصري
تصبح القرارات النقدية، مهما بلغت من دقة فنية، حلولا سطحية تعالج أعراض الاختلال المالي دون أن تمس جذور الخلل المؤسسي
الأرقام هنا
ليست مجرد رموز؛ هي انعكاس لمناخ الثقة أو انعدامها، بين الدولة والمجتمع. فكل تحرك
في سعر الفائدة، كل تعديل في السياسة النقدية، يمكن رصده في بيانات التضخم، ومعدلات
الاقتراض، وتدفق الاستثمارات. وهكذا، تتحول الصورة الرمزية إلى تحليل موضوعي، يربط
بين قرار صانع المال وحياة المواطن اليومية، ليكشف أن هشاشة المؤسسات لا تُعالج بمجرد
تغيير الأرقام، بل بحاجة إلى إصلاح مؤسسي شامل، وشفافية، وتخطيط مستقبلي. تكشف هذه
الخطوة عن طبيعة الدولة، وعن صحة الاقتصاد، وعن نسيج المجتمع، وعن الجيل الذي سيحمل
عبء القرار القادم؟
استدراك بنيوي: دولة تدار بالأدوات لا بالعقد
إن الدولة
الحديثة ليست مجرد جهاز تنفيذي يُدير شؤون المجتمع عبر أدوات إدارية واقتصادية، بل
هي منظومة تعاقدية تقوم على شرعية القرار، وفاعلية المساءلة، ووضوح الأثر الاجتماعي
والاقتصادي للسياسات العامة. وفي السياقات التي ينكمش فيها المجال العام وتضعف فيها
مؤسسات الوساطة -من برلمان مستقل وأحزاب حقيقية وإعلام حر- تتحول الدولة إلى كيان يُدار
بمنطق الأدوات لا بمنطق العقد الاجتماعي، فتغدو السياسة إدارة للأمن، ويختزل الاقتصاد
في إدارة السيولة، وتتحول المؤسسات إلى هياكل مغلقة تفتقر للشفافية والمحاسبة.
في مثل هذا
السياق، تصبح القرارات النقدية، مهما بلغت من دقة فنية، حلولا سطحية تعالج أعراض الاختلال
المالي دون أن تمس جذور الخلل المؤسسي، فرفع سعر الفائدة أو خفضه، في غياب إصلاحات
هيكلية حقيقية، يؤدي إلى ارتفاع الكلفة الاجتماعية للقرار النقدي، إذ يُفاقم من هشاشة
الثقة بين الدولة والمجتمع، ويعزز مناخ عدم اليقين، ويُضعف قدرة الاقتصاد على الاستجابة
للصدمات؛ لذا، فإن فعالية السياسات النقدية لا تُقاس فقط بمدى ضبطها للعرض المالي،
بل بقدرتها على تحفيز إصلاح مؤسسي شامل يعيد بناء العلاقة التعاقدية بين الدولة والمجتمع،
ويضمن استدامة التنمية وعدالة توزيع الأعباء والفرص.
استفهام: ما بعد قرار "المئة نقطة".. ما الدلالات، والآثار، والحال، والمآل؟
قرار تحريك
الفائدة 100 نقطة أساس يحمل خمس دلالات استراتيجية:
1. ضيق مساحة
المناورة حين تتكرر الصدمات (تضخم، شح العملة، كلفة خدمة الدين)، فتصبح السياسة النقدية
أداة إطفاء لا هندسة بناء، فرفع الفائدة يضغط الطلب ويكبح التضخم مؤقتا، لكنه يرفع
كلفة التمويل على الدولة والقطاع الخاص، ويؤجل الاستثمار الإنتاجي.
2. تكلفة على
الدولة ارتفاع الفائدة يزيد كلفة خدمة الدين، ويزاحم الإنفاق الاجتماعي والاستثماري،
فكل نقطة أساس إضافية تعني أعباء على الموازنة، في اقتصادٍ ارتفع فيه الدين الخارجي
إلى مستويات تاريخية خلال العقد الأخير وفق بيانات رسمية ودولية.
3. ضغط على
القطاع الخاص الشركات -الصغيرة والمتوسطة خاصة- التي تواجه كلفة ائتمان أعلى، فتؤجل
التوسع والتوظيف، ليضعف التشغيل والنمو الحقيقي.
4. أثر اجتماعي
غير مباشر: تشديد الأوضاع المالية يمرّ إلى الأسعار والأجور والوظائف، في مجتمعٍ تآكلت
فيه القدرة الشرائية، فتتسع فجوة الثقة.
5. القرار
النقدي في مصر مفهوم فنيا، لكنه مكلف بنيويا إذا لم يُقترن بإصلاح مؤسسي وحوكمة شفافة،
ويظهر ذلك جليا في ترتيب مصر المتأخر على
مؤشر مدركات الفساد العالمي لعام 2024، حيث
جاءت في المرتبة 130 في الدول الأعلى فسادا، وهو التصنيف الذي يعكس الانهيارات البنيوية
التي صنعتها الدولة بأيدي العسكر في الحكم، وهو يؤكد غياب الإصلاح المؤسسي والشفافية،
ويرفع كلفة أي قرار اقتصادي مهما بلغت دقته الفنية، ويحد من أثره الإيجابي على المجتمع
والاقتصاد.
استنتاج: فالمؤشرات الدولية تعكس أزمة ثقة مصرية
على مدى أربعة
عشر عاما، لم تكن الأزمة في مصر أزمة أرقام فحسب، بل أزمة ثقة وحوكمة؛ فلا نظام ولا
حكومة يمكن أن يصدقها عاقل متزن، وهو ما تكشفه المؤشرات الدولية بوضوح وجلاء، فالتصنيف
لا يقتصر أثره على صورة مصر الدولية، بل ينعكس مباشرة على الاقتصاد والمجتمع؛ إذ يؤدي
ضعف الشفافية وغياب الإصلاح المؤسسي إلى عزوف الاستثمارات، وتراجع الثقة في السياسات
العامة، وارتفاع كلفة القرارات الاقتصادية والاجتماعية؛ ويؤكد ذلك أن معالجة الأزمات
في مصر تتطلب إصلاحات بنيوية جذرية تعيد بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، وتضمن
حوكمة فعالة وعدالة في توزيع الفرص والأعباء، وفي نقاط نوجز أهم المؤشرات ودلالاتها:
• مؤشر مدركات الفساد (CPI): سجّلت
مصر 30 نقطة في عام 2024 المرتبة 130 في الدول الأعلى فسادا، بعد أن كانت سجلت 37 نقطة
في 2014، ليعكس صعودها اتجاها تراجعيا في إدراك النزاهة والشفافية وفق تقارير منظمة
الشفافية الدولية.
• لتكون الدلالة الاقتصادية للمؤشر: حيث انخفاض النقاط يعني ارتفاع مخاطر
الاستثمار، وزيادة كلفة الائتمان، وضعف تنافسية الاقتصاد، وتوسّع الاقتصاد غير الرسمي،
وهي نتائج تؤكدها أبحاث تربط الفساد بتباطؤ النمو.
• هيمنة الدولة وتباطؤ الإصلاح الهيكلي: تقارير دولية حديثة تشير إلى تقدم
مختلط في الإصلاحات مع استمرار هيمنة كيانات عامة/شبه عامة على مفاصل اقتصادية، ما
يحدّ من دور القطاع الخاص، وهو ما أوردته تقارير رويترز العالمية.
هذه المؤشرات
ليست أرقاما عابرة على هامش القرار النقدي، بل هي النص الخفي الذي يُقرأ في صلبه؛ فقرار
الفائدة لا يُفهم إلا في ضوء تلك المؤشرات التي تكشف عن جوهر السياق وتفضح حقيقة المسار.
استقراء الاقتصاد
السياسي للأزمة: لماذا لا يكفي الضبط النقدي؟
النمو الحقيقي يتطلب منظومة متكاملة من الحوكمة الرشيدة، حيث تُربط الأجور بالأداء، وتُبسّط الإجراءات، وتُوحد الخدمات، وتُضمن شفافية الإنفاق، فالتحول الرقمي ليس غاية في ذاته، بل أداة ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع
الثقة هي جوهر
الاقتصاد، ولا يمكن للسياسات النقدية وحدها أن تعيد بناء هذه الثقة إذا غابت الشفافية
والمساءلة والتمثيل الحقيقي في صناعة القرار، فالإصلاح المالي، وحين يُعزل عن إصلاح
سياسي ومؤسسي يظل محدود الأثر، ويعجز عن تحقيق نمو مستدام أو جذب استثمارات طويلة الأجل.
النمو الحقيقي
يتطلب منظومة متكاملة من الحوكمة الرشيدة، حيث تُربط الأجور بالأداء، وتُبسّط الإجراءات،
وتُوحد الخدمات، وتُضمن شفافية الإنفاق، فالتحول الرقمي ليس غاية في ذاته، بل أداة
ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
والمبدأ العلمي
والعملي يؤكد أنه لا يمكن أن يتحقق التغيير الجذري إلا ببناء نموذج أفضل، يبدأ بتحرير
العقول والكفاءات، من خبراء وأساتذة جامعات وعلماء، رجالا ونساء، من المعتقلات، وعودة
شرعية الثورة والدستور.
استكشاف: الكلفة الاجتماعية حيث يدفع المواطن ثمن الفجوة
إن ارتفاع
أسعار الفائدة لا يمرّ دون أثرٍ كبير وجرح غائر عميق في جسد الاقتصاد؛ فهو يضغط على
الأجور، ويقلّص فرص العمل، ويشعل الأسعار في مجتمعٍ أنهكته سنوات من تآكل الدخل الحقيقي.
في ظل تراجع الثقة في النظام العسكري الانقلابي وحكومته، حيث يتحول الامتثال للسياسات
من خيار طوعي إلى قسرٍ مفروض، فتتعاظم كلفة الإجراءات وتضيق هوامش الإصلاح؛ هنا تتقاطع
السياسة النقدية مع السياسة الاجتماعية؛ فإذا انفصلت الأولى عن الثانية، تفاقمت المخاطر
حتى تبلغ حدّا يعصف بكل الضوابط الاقتصادية، ويهدد بتقويض ما تبقى من تماسك اجتماعي
واقتصادي.
استشراف: جيل القرار القادم.. من الضبط إلى المعنى
جيل الشباب
(جيل "الزاد والزواد") لا يطلب وعودا، بل قابلية تفسير القرار، وعدالة الفرصة،
ومعنى المشاركة.. هم صناع القرار القادم، يدركون ما تحتاجه البلاد من شفافية تُحوّل
البيان إلى فعل في الميدان، يخدم المواطن، ويسبق الساسة والسياسة، وثقة تُبنى بالأثر
لا بالخطاب؛ هذه ليست شعاراتٍ تُرفع في فضاء الأمنيات، بل شروطٌ جوهرية لاستقرارٍ منخفض
الكلفة، يرسّخ شرعية دستور الثورة للدولة، ويعزز قدرتها على مواجهة الأزمات.
جيل ثوري إصلاحي،
يدرك أن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى على وعودٍ مؤجلة أو إجراءاتٍ شكلية بسيطة، سطحية
كانت أو معقدة، بل على رافعاتٍ متزامنة تتكامل لصناعة التحول المنشود، يراه الجيل وأصحاب
العقول الواعية، يبدأ بما يلي:
1. تحرير العقول
والطاقات: ينطلق الإصلاح من إطلاق حرية الفكر والإبداع، وتمكين الكفاءات العلمية والقيمية،
وإعادة الاعتبار لأساتذة الجامعات والخبراء والمبدعين، وإطلاق سراح كل صاحب رأي حر
أو ضمير ثائر من المعتقلات، ليكون الوطن فضاء للحرية لا سجنا للأفكار.
2. توسيع المجال
العام بضمانات قانونية: إرساء منظومة تشريعية تضمن حرية التعبير والمشاركة المجتمعية،
وتكفل حق الشباب -خاصة جيل زد- في صناعة القرار والمبادرة والتأثير.
3. حوكمة مالية
شفافة تربط الاستثمار بالتشغيل: بناء نظام مالي يربط بين تدفق الاستثمارات وخلق فرص
العمل الحقيقية، ويكافح الهدر والفساد، ويضمن عدالة توزيع الموارد، مع تمكين رواد الأعمال
والشركات الناشئة من النفاذ إلى التمويل.
4. إصلاح إداري
شامل يتجاوز التحول الرقمي (الرقمنة): حيث إعادة بناء الجهاز الإداري للدولة على أسس
الكفاءة والفاعلية، لا الاكتفاء بالتحول الرقمي الشكلي، والأهم هو تبسيط الإجراءات،
وتطوير الخدمات الحكومية لتلبي احتياجات الأجيال الجديدة.
5. سياسة صناعية
ذكية تركز على القطاعات كثيفة التشغيل والمعرفة: توجيه الاستثمارات نحو الصناعات التكنولوجية،
والاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الأزرق، وقبلهما الاقتصاد الأخلاقي منطلقا ومبدأ، ثم تفعيل
القطاعات الإبداعية، مع دعم الابتكار وريادة الأعمال، ودمج الشباب في منظومة الإنتاج
الوطني.
6. عدالة اجتماعية
منتجة وحماية موجهة: ضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة، وتوفير شبكات أمان اجتماعي ذكية،
وتحقيق التوازن بين الإنصاف والتحفيز، مع تمكين الشباب والنساء من فرص العمل والمشاركة
الفاعلة.
7. تعليم متجدد
ومواكب للعصر: إصلاح منظومة التعليم لتواكب متطلبات الثورة الصناعية الرابعة، وتزويد
جيل زد بمهارات التفكير النقدي، والابتكار، والريادة، والتعلم مدى الحياة.
مصر لا تطلب قائدا عسكريا، بقدر ما تحتاج إلى رجل دولة مدني كفء، يفهم ويدرك معنى المواطنة وخدمة المواطن والوطن؛ فخدمة المجتمع تسبق السياسة
8. بيئة رقمية
حرة وآمنة: توفير فضاء رقمي يضمن حرية التعبير، ويحمي الخصوصية، ويتيح للشباب المشاركة
في بناء مجتمع المعرفة وصياغة المستقبل.
في سطور..
نوجز صرخات الشباب في بلادنا: مصر لا تطلب قائدا عسكريا، بقدر ما تحتاج إلى رجل دولة
مدني كفء، يفهم ويدرك معنى المواطنة وخدمة المواطن والوطن؛ فخدمة المجتمع تسبق السياسة
يا سادة. والثقة تُبنى بالفعل لا بالبيان وتصريحات رنانة، عندها القرارات الاقتصادية،
سواء كانت "المئة نقطة" بدايتها أو نهايتها، لن تكون عبئا إذا كانت على بناء
من العلم والعمل، وجسر من الثقة للعبور نحو الإصلاح المؤسسي الذي يعيد السياسة إلى
المجتمع، والاقتصاد إلى الإنتاج، والدولة إلى سيادة القانون، عندها سيكون ما طرحناه
في دراساتنا وكتاباتنا، وما أوجزناه في هذا المقال، ليست بيانات موثقة من تقارير فقط؛
بل هي إحداثيات لواقع ينبغي أن يفهمه صُنّاع القرار القادم -وخاصة جيل الزاد والزواد-
ليس كخطر بعيد، بل كعطل أساسي في محرك تنمية الدولة المصرية، ومستقبل الأجيال القادمة.
في كلمات نختم
بها، والخاتمة هنا ليست إلا بداية جديدة: إننا جميعا نؤمن أن الحق هو أساس الحكم، لا
شعارا يُرفع، بل بناء يُشيّد بالعلم والعمل، تُحترم فيه العقول والكفاءات، وتُستعاد
عبره الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطن، ليصبح الاستقرار ثمرة لهذا البناء، لا قيدا
يُفرض على البلاد والعباد، فالثورة باقية، وزمن التغيير آتٍ لا محالة؛ ينطلق بسواعد
الشباب، وتوجهه عقول الكفاءات، ويحميه المجتمع كله. فالأيام دول، والقرار للشعوب، وإن
غدا لناظره قريب!!... وكل عام وأنتم الثورة.