"اتفاقية بالإكراه".. كيف كشفت وثائق "ويكيليكس" غضبا إماراتيا تاريخيا من السعودية؟

 الخلاف بين البلدين يعود إلى أكثر من نصف قرن للوراء- جيتي
الخلاف بين البلدين يعود إلى أكثر من نصف قرن للوراء- جيتي
شارك الخبر
ارتفعت حدة الخلافات السعودية الإماراتية الأيام الماضية، مع تسليط وسائل إعلام سعودية الضوء على وثائق جيفري إبستين، والتي أظهرت تورط شخصيات إماراتية في مقدمتهم رئيس موانئ دبي المُقال سلطان بن سليم.

وخلال الشهور الماضية، طفا على السطح خلاف سعودي إماراتي حاد بشأن التباين في الرؤى تجاه اليمن، والسودان، وملفات أخرى.

لكن الخلاف بين البلدين يعود إلى أكثر من نصف قرن للوراء، حيث أظهرت وثائق "ويكيليكس" المسربة منذ سنوات، حجم الخلاف بين الرياض وأبو ظبي على مستوى الحدود البرية والبحرية.

وتواصلت لعقود "حرب باردة" بين السعودية والإمارات على خلفية اتفاقية حدود وُقعت في ظروف  كشفت وثائق دبلوماسية أمريكية مسربة أن أبوظبي اعتبرتها "قوة قاهرة" فرضت عليها للحصول على اعتراف الرياض بالدولة الاتحادية الناشئة.

وتتناول "عربي21" في هذا التقريرا أبرز ما جاء في وثائق وبرقيات دبلوماسية صادرة عن السفارة الأمريكية في أبوظبي وجدة بين عامي 1974 و2011، ووثائق أخرى متعلقة، تكشف تفاصيل خلاف حدودي ظل طي الكتمان، امتد من ميادين النفط إلى التحالفات العسكرية، ووصل ذروته بتهديد إماراتي بسحب قوات من السعودية و"حرب خرائط" متبادلة.

اظهار أخبار متعلقة


"القوة القاهرة" واتفاقية 1974

في برقية موجهة لوزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 16 حزيران/ يونيو 2004، كشف وكيل وزارة الخارجية الإماراتية عبد الله راشد النعيمي أن بلاده وقعت اتفاقية الحدود مع السعودية عام 1974 في ظل ما وصفه بـ"القوة القاهرة".

وقال النعيمي للسفيرة الأمريكية حينها، إن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وقع الاتفاقية وهو مضطر للحصول على اعتراف سعودي بالدولة الاتحادية الناشئة (1971)، مشيراً إلى أن الرياض كانت ترفض حتى الاعتراف بجوازات السفر الإماراتية قبل التوقيع.

وحدد النعيمي ثلاث قضايا عالقة تعتبرها أبوظبي "عملاً غير مكتملاً": حقل نفط الزرارة (الشيبة)، والحدود البحرية المتصلة مع قطر، ونقطة التقاء الحدود الثلاثية مع عُمان.

دور الملك فهد

كشفت برقية دبلوماسية أمريكية مؤرخة في 31 تموز/يوليو 1974 أن وزير الداخلية السعودي آنذاك الأمير فهد أبلغ السفير الأمريكي  جيمس إي. أكنز لدى لقائهما في جدة بأن توقيع اتفاق ترسيم الحدود مع أبوظبي جاء ثمرة ستة أشهر من مفاوضات "سرية للغاية".

ووفقاً للبرقية، بدا الأمير فهد "راضياً وواثقاً بنفسه"، مؤكداً أن بلاده حققت أهدافها في حقل الزرارة النفطي، إضافة إلى تأمين ممر إلى الخليج، معتبراً أن الاتفاق عزز موقع السعودية الإقليمي. ونفى أن تكون الرياض قد مارست ضغوطاً أو لوّحت باستخدام القوة، مشدداً على أنه اعتمد على علاقته الشخصية بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لإنجاز التسوية.

وتشير البرقية إلى أن الأمير فهد تعمد إدارة المفاوضات عبر عدد محدود جداً من الوسطاء، أبرزهم السفير الإماراتي في لندن مهدي التاجر، مستلهماً – بحسب تعبيره – أسلوب وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في العمل الدبلوماسي السري.

كما نقلت الوثيقة عنه قوله إن اللجوء إلى القوة، كما حدث في أزمة البريمي سابقاً في عهد والده الملك عبد العزيز، كان خطأ لا ينبغي تكراره، خاصة في ظل ما وصفه بضعف الانتشار العسكري السعودي في المنطقة الشرقية واحتمال فتح الباب لتعقيدات إقليمية مع العراق أو إيران.

اظهار أخبار متعلقة


"مهدي التاجِر" واللوم التاريخي

برقية لاحقة بتاريخ 27 كانون ثاني/ يناير 1976، كشفت أن أصابع الاتهام وجهت داخلياً لأحد المفاوضين الإماراتيين في اتفاقية 1974.

وجاء في البرقية التي حملت عنوان "أبوظبي-السعودية-عُمان: الحدود": "الرواية التي نسمعها هنا هي أن مفاوضي أبوظبي (ومهدي التاجِر على وجه الخصوص يُلام على هذا) سمحوا لأنفسهم بالاقتناع بحديث السعوديين حول إعادة رسم هذا الجزء من الخط".

وتابعت البرقية: "قال السعوديون لهم في البداية لا تقلقوا، سنتفاهم مع العمانيين. انتظرت أبوظبي بإخلاص، لكن عندما بدا أن لا شيء يحدث، بدأوا بالضغط على السعودية لحل المسألة".

اظهار أخبار متعلقة


أزمة الجسر والغضب البريطاني

تصاعد التوتر بشكل ملحوظ في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إذ كشفت برقية تموز/ يوليو 2005 أن الرئيس الإماراتي الراحل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان كان "غاضباً جداً" من الاعتراض السعودي على مشروع جسر يربط الإمارات بقطر عبر "خور العديد".

البرقية كشفت أن الرياض اعتبرت أن الجسر يمر في مياهها الإقليمية بموجب اتفاقية 1974، وهو ما دفع أبوظبي لتحرك ميداني غير مسبوق.

وفي تفصيلة كشفتها برقية أخرى، أمر الشيخ خليفة فريقاً من شركة "أدكو" (ADCO) للتوجه إلى حقل الشيبة النفطي لإثبات "التواجد الإماراتي"، لكن الفريق فوجئ بوجود قوات عسكرية سعودية متمركزة بالفعل عند الحدود.

وصل التوتر ذروته بفكرة إماراتية جدية بسحب لواء "درع الجزيرة" التابع لها من منطقة حفر الباطن بالسعودية، كإشارة احتجاج سياسية قوية.

"ثائراً جداً" واتهامات بالتنمر

لم يقتصر الغضب الإماراتي على المستوى الرسمي، إذ كشفت برقية تموز/ يوليو 2005 عن مواقف شخصية حادة.

وصف وزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي، بأنه كان "ثائراً جداً" بخصوص قضية الحدود، فيما وصف الممارسات السعودية تجاه جيرانها بـ"التنمر".

من جهته، كان الموقف السعودي يرى أن الملف "أُغلق تماماً" بتوقيع الاتفاقية، وهدد وزير الخارجية السعودي حينها الأمير الراحل سعود الفيصل بأن إعادة فتح ملف الحدود البحرية قد تدفع الرياض لمطالبة "واحة البريمي" التي تنازلت عنها في اتفاق 1974.

اظهار أخبار متعلقة


"حرب الخرائط" والتشبيه الطبي

في كانون ثاني/ يناير 2006، أصدرت الإمارات كتابها السنوي الرسمي متضمناً خريطة تظهر حدود الدولة ممتدة لتتصل بقطر، متجاهلة التنازلات الواردة في اتفاقية 1974.

الخطوة وصفتها البرقية الدبلوماسية بأنها "جريئة وغير معتادة"، فيما اكتفت الرياض بطلب نسخ من الخريطة كأول رد فعل رسمي.

وفي لقاء مع السفيرة الأمريكية في أبو ظبي حينها ميشيل سيسون، استخدم الشيخ محمد بن زايد تشبيهاً طبياً لوصف حالة المفاوضات مع السعودية: "في ثقافتنا، عندما يكون الشخص مريضاً نقول إن الأمور تسير على ما يرام.. حتى اليوم الذي يموت فيه"، وفقا للوثائق.

اظهار أخبار متعلقة



"الصيف الساخن" والمثلث الشيعي

تعدى الخلاف الحدودي ليصل إلى ملفات إقليمية، إذ كشفت برقية في نيسان/ أبريل 2009 أن الشيخ عبد الله بن زايد عبّر لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن قلقه من "تراجع" السعودية عن وعودها المالية لباكستان.

فسّر الموقف الإماراتي بأنه نابع من خوف الرياض من "المثلث الشيعي" (إيران، حكومة المالكي في العراق، وباكستان تحت حكم آصف علي زرداري).

وفي تشرين أول/ أكتوبر 2009، وصفت برقية العلاقات بأنها تمر بـ"صيف ساخن وطويل"، حيث انسحبت الإمارات من الوحدة النقدية الخليجية احتجاجاً على اختيار الرياض مقراً للبنك المركزي.

وكشفت الوثائق أن الإمارات اعتبرت السعودية "ثاني أكبر تهديد أمني لها بعد إيران"، بسبب العداء التاريخي والمخاوف من الفكر الوهابي المتشدد.

وتزامنت هذه الفترة مع الأزمة الشهيرة لتكدس الشاحنات على الحدود بين البلدين.

المواد "الملغومة" والسيادة المشتركة

تكشف الوثائق عن تفاصيل قانونية كانت محل نزاع مرير، خاصة المادة 3 والمادة 5 من اتفاقية 1974.

المادة 3 تمنح السعودية ملكية كامل الهيدروكربونات في حقل الشيبة/الزرارة، وتمنع الإمارات من أي تنقيب في جانبها من الحدود، فيما تمنح المادة 5 الطرفين "سيادة مشتركة" على منطقة الربط بين المياه الإقليمية، وهو النص الذي استخدمته الرياض لاحقاً كـ"فيتو" لمنع مشروع الجسر الإماراتي-القطري.

وكشفت الوثائق وجود "خطابات متبادلة" تزامنت مع التوقيع، توضح أن السيادة المشتركة على المياه لا تعني ملكية الموارد في قاع البحر.

رغم تصاعد التوترات، كشفت برقية 2009 عن بداية انفراجة بزيارة وزير الداخلية السعودي الأسبق الأمير محمد بن نايف للشيخ محمد بن زايد في الرباط للعمل على المصالحة، فيما وثقت برقية 2011 استقبال الملك عبد الله للشيخ محمد بن زايد في الرياض.

خلاف منذ قرنين
في وثيقة صادرة عن السفارة الأمريكية في أبوظبي بتاريخ 15 تشرين أول/ أكتوبر 2009، وموجهة إلى وزارة الخارجية في واشنطن وعدة جهات أخرى، فإن "الإمارات انسحبت من الوحدة النقدية الخليجية بعد اختيار الرياض مقراً للبنك المركزي، ما أثار ردود فعل سعودية تضمنت إغلاق معبر حدودي رئيس ورفض دخول مواطني الإمارات باستخدام بطاقات الهوية، وهي الممارسة المعتادة بين دول مجلس التعاون".

تتناول الوثيقة جذور التوتر التاريخية بين العائلتين الحاكمتين في البلدين، إذ يعود الخلاف إلى عام 1810 عندما سيطر آل سعود على واحة البريمي، المقر التقليدي لعائلة آل نهيان، ما أدى إلى صراعات طويلة شملت المقاومة الإماراتية للسعوديين وطردهم بالقوة في خمسينيات القرن الماضي.

كما تشير الوثيقة إلى رفض الشيخ زايد آل نهيان عرضاً سعودياً كبيراً للتخلي عن حقوقه، ويبرز تأثير الوهابية في إشعال الانقسامات والاضطرابات في المنطقة، بحسب الرؤية الإماراتية، وفقا للوثيقة.


التعليقات (0)